التنين اللامع الفصل 470

اقرأ التنين اللامع الفصل 470 باللغة العربية على مانجا تايم.

لم تكن جم الثانية متأكدة من أنها جم حقّاً. شعرت في الغالب على نحو ما تذكره عن كونها جم حين كانت في هذه السن، والنواحي القليلة التي لم تكن فيها كذلك كانت أفضل بصراحة. صار بإمكانها أكل الخبز الآن! لم تكن قد بلغت بعد القامة التي انتهت جم إلى بلوغها، لكن ساقيها كانتا أصلب مما كانتا عليه في مثل تلك المبكرة من تلك الحياة، وكان ظهرها قادراً على إسنادها منتصبة بشكل أفضل.

بدا حلقها وعنقها أقل انضغاطاً، وكانت الكلمات تنساب بيسر شديد بفضل الممارسة التي تذكر أنها خاضت غمارها. بإيجاز، شعرت بأنها بحال أفضل مما تذكر، سيما مقارنة باختها المسكينة التي ظلت كتلة طفل خرقاء تماماً. مع ذلك، ظل حال الأفضل مختلفاً، لم يكن صوت جم هو نفسه كما كان، حتى في صباها، بل كان أخف، وأكثر ترنحاً عما كانه أول نسل لجويل على الإطلاق. كما كانت تنمو بشكل ملحوظ وبوتيرة أسرع.

ليس بالسرعة المدمرة التي نمت بها التوأمان وماتزال عليها رفيقة حضنها الهزيلة. لكن مع اختها الوردية لمقارنتها بها (افتراضاً أنها كانت تنضج بالسرعة ذاتها التي نضجت بها جوين في تلك السن) كانت جم الثانية تنضج بوتيرة أسرع بكثير مما فعلت المرة الأولى. تجربة غريبة حقّاً، بدا وكأن كل شيء في حياتها، وجسدها، ولحمها قد تحسن، وصار منقحاً، وأكثر ملاءمة. حين أمعنت التفكير في الأمر مطولاً، بدت جم أشبه بنتاج حرفي متعلّم لا بشخص حي يتنفس.

بيد أن أياً من ذواتها لم تستطع إدراك كيف أُنجز فن ذلك، فما بالنا بتحسنه! بالتأكيد لم تذكر جويل أنها فعلت شيئاً مغايراً من نسل إلى آخر. كانت جم الثانية مختلفة فحسب وأكثر راحة في عيشها. وكان الأمر سيّان حقّاً، فأن يعتني بها سميثسون طاعن السن، ويقرأ لها، ويطعمها مثلما فعل المرة الأولى حين كان أصغر سناً؟ كان ذلك مربكاً، مهدئاً، ومبهجاً، وتذكرة لطيفة بحياة نسلهم الأول، لكنه لم يكن هو نفسه.

عرفت جم الثانية أن هذا القلب لم يسبق قط أن رعب كلياً خوفاً من أن تكون شخصاً سوى نفسها، وأن هذه الافكار لم تكن لتؤمن يقطين بأنها لن تكون سوى شيء صغير مفكك حلم بأنه تنين. وكان الأمر أشد صصارمة بسبب أخواتها الجدد. كانت جم الأولى فريدة، والتوائم متطابقات. لم تكن هي تشبه أياً من رفيقات حضنها. لقد كن كلهن جويل، نفس الذات بلا شك، وكن يستطيعبن معرفة بعضهن بعضاً تماماً كما تفعل التوأمان.

عرفت الألم القاسي لتلك البئر الهزيلة بلا قاع التي كانت كبرى رفيقات حضنها، وتيقنت جم من أن تلك الذات ستجعل التوائم يبدو وكأنهن ثلاث توائم بحلول نهاية العام تماماً مثل اختها شبيهة التماثل. كانت بالفعل أطول من هذا الجسد برأس كامل! لكان قلب جم الأولى قد شعر بأن ذلك غير عادل. لكن مشاعر جم الثانية عجزت عن الغضب، ليس كما اعتادت أن تكون، ليس حين كانت اختها المسكينة اللينة تنمو ببطء شديد بينهن.

بدا الأمر خاطئاً، وغير لائق أن تُمنح اسماً قبل اليوم المناسب، وقبل شتاءها الأول الناجي بفترة طويلة، كان ذلك خاطئاً بالنسبة لطفلة. لكن سميثسون المسكين لم يستطع تجنب مناداتها بجم. واستقرت جوين في الأمر أيضاً رغم أنها اقترحت عليها المطالبة بلقب الثانية، وتبادلت خالتها الاخت نظرة عارفة معها حين اقترحت ذلك الترتيب. حقّاً، لقد عرفتها جوين دائماً. مازحتها لكيلا تكون غبية مثل سابقتها (وليس في الغرفة نفسها مع سميثسون بالطبع)، وجعلتها تعد بأنه حين ترزق جوين بأطفالها، فإن جم ستتحمل مشقة الزيارة والبقاء لعدة سنوات لكي يتسنى للأطفال أن ينشأوا مدركين تماماً لعمتهم الصغيرة.

ظنت أنه إذا كان على رفيقة حضنها أن تنمو ببطء مثلما يفعل الرجال، مثلما تذكرن جميعا النمو أول مرة إلى جانب جوين، فإنها قد تكون مستعدّة بحلول ذلك الوقت حتى. رغم أنها ظنت أن أطفال اختها لن يولدوا بأسنان جاهزة للعضّ والمضغ. قضمت جم قطعة من لحم خنزير مسكّر لتصنع منها فتاتة صغيرة كفاية لتلائم فم اختها التي لم تسمى بعد داخل فكيها الصغيرتين. دافعة بالوجبة الخفيفة إلى فم المسكينة العزيزة لكي تجد ما يلهيها عن ضباب النعاس الملل والارتباك الذي عاناه أنعم نسل جويل طوال ساعات اليقظة.

كن على وشك أن يبدأن في الحاجة إلى غرف ضيوف أوسع نطاقاً عما قريب إن رزقت جويل بمزيد من أجيال النسل. وإلا فسيتعين عليها التوقف عن إحضار جميعهن إلى فورد الأعماق المحترقة معاً عندما تستدعيها واجبات المملكة. كيف سيتبدو ذلك؟ أن تعيش على بعد مواسم أو سنوات عن وحدة أمها؟ أن تكون قادرة على معرفتهن كأخوات فحسب عوضاً عن كونها هي أيضاً؟ هل ستتخالفن بحرّة كما فعلت جم مع التوائم؟

هل ستصبح بطريقة ما منافسة أو صديقة لنفسها؟ كيف سيكون شعور ذلك حين ينصببن مجدداً ليصبحن واحداً في النهاية؟ أمعنت جم النظر في تفكك اختها، وتلويها، وتثاؤبها، وهي التي عرفت أنها بالكاد تستطيع رؤيتها مقارنة بحدة البصر المروعة حتى لجم الأولى في تلك السن. عرفت جم الثانية أنها لم تكن متحدة في مشاعرها تجاه هذه الاخت، إذ تراجع الكثير منها ذكريات كيف يبدو هش شكل الرجل حولهن.

وحين تصبح جويل واحداً، سثقل الأمر عليهن جميعا مجدداً بما تعانيه انعم ذواتهن. لكن أياً منهن لم تخرج البتة من تلك التجربة لتفكر بشكل أسوأ في اختها. لقد كان الأمر مربكاً. بذل بول قصارى جهده للمساعدة في رعاية ابنته الحقيقية، لكن الرجل كان مضغوطاً ومرعوباً للغاية بشأن صحتها لدرجة أن الأمر كان يقع غالباً على عاتق النسل المختلف أو سميثسون للتأكد من إنجاز الأمور بالشكل السليم وبقاءها مرتاحة.

حين زرن روتشفورد على الأقل، استطاعت حكمة الأم وعنايتها توجيههه حتى وإن رتجفت يداها أكثر من اللازم بحيث لا يمكنها المخاطرة بحمل الطفلة. كان سراً مشتركاً بين جميع ذواتها بأنها كانت تداري الرجال في حياتها باعتنائهم بآخر أنسالها. فبدون قامة جم الضئيلة، أو بالأحرى جم الأولى، كانت التجربة المشتركة ومعرفة إحداهن الأخرى بصيرة أقوى بكثير باحتياجاتهن كأطفال عما استطاع سميثسون تدبيره.

سمحت له جم بكل ذلك بالطبع، واستمعت إلى صوته المهدئ وهو يقرأ الكتب ذاتها التي كانت جم وجميع ذواتها الأخر تعرفنها بالفعل. وسمحت له بإطعامها والعناية بها والاهتمام بها، سواء كانت كتلة بلا حراك، وعمياء في الغالب وبلا حراشف، أو كانت تكتسب بالفعل القوة والقامة الكافيتين للوقوف ببعض الجهد ومشية متأرجحة. بدا أن جوين بالطبع تفتر هلال ذلك لكنها تحدثت في الأمر بسؤال اختها الكبرى عن رعاية أطفالها الكثيرين.

مستفسرة من إمري عن رؤى سميثسون الخاصة، ومقارنة الملاحظات. بكت اختها بعض الليالي، وعانقت جم وتحدثت إليها كم هي اشتاقت إليها، أو اشتاقت إلى ذاتها السابقة. النسل الذي تذكرت أنها كانت إياه. بكت جم الثانية معها، حزينة على كيف كانت. كان هناك الكثير من الدموع في الليل. إمري المسكين، لقد وصلت أخبار تفيد بأن أباه قد فارق الحياة أخيرًا أثناء وجودهما هنا، كحاضرين بصفتهما ناخبين.

كان غريباً كيف عملت ذاكرتها. لقد عرفت أن الجزء الأكبر من ذواتها تألم لفقدان صديق آخر، لكن جم الثانية استرجعت ذكريات ضبابية فحسب أبعد من الألم الذي تقاسمته في تلك اللحظة. اتجهت جميع ذواتها وجوين إلى إمري، مقدمات الدعم لكي يتسنى له أداء واجبه كتابع وناخب للمملكة. لكن كأصغر ذواتها، كان الاهتمام والقلق هباء، فقد كان ذلك شأناً يخص ذواتها الأكبر. كانت تمتلك آلاماً ومحاكمات أبسط وأكثر فورية.

مع أي حظ، ستتمكن كل من جم (الثانية) وأي اسم اختارته هي أو بول لرفيقات حضنها بعد الشتاء القادم من التوقف عن ارتداء ثياب الرضع قريباً والحصول على فساتين ملائمة بالقصة التي تفضلانها. شعرت جم بقليل من القلق المرتجف في بطنها عند التفكير، ماذا لو استمرت في النمو متجاوزة القامة التي عانت منها ذات مرة كإهانة مؤلمة؟ أسيؤلم ذلك جوين وسميثسون إذا توقفت عن الشبه بجم الطفولية التي تذكرانها؟

وهل كانت تبالي بأمر كونها أطول الآن بعد أن صار هناك اثنتان من ذواتها بقامة أكثر من كافية؟ ومع وجود ثالثة في الطريق على ما يبدو؟ لم تكن متأكدة بشأن قامتها المستقبلية ولا عما يجب أن تشعر به، سواء ككل أو كأي ذات من ذاتها. جلبت ذاتها اللينة المسكينة ضبابية لكل شيء كلما اجتمعن، لقد كان ذلك الوجه الأفطس بلا خطم فظيعاً للغاية، وبينما كن منفصلات كان قلبها يتألم لأجل المسكينة، بدا وكأن هناك دائماً مخاطاً وهواء ميتاً محشورين داخل وجهها فوق عينيها!

ماذا كان يعني أي من هذا؟! لماذا كن يולدن باستمرار؟ أي غاية قصدتها اليد الغريبة المجهولة التي كانت تشكل كل نسل من النسل لأجلهم؟! بدا التوائم (وستصبح ثلاثياً قريباً) واضحين بالتأكيد عند التأمل، ذواتاً قُصد بها أن تكون محاربات، نحيفات وسريعات ومتناسقات، تنينات أكثر منهن بشراً. لقد بدا منطقياً كفكرة مقلقة لكنها معقولة استقرت في قلب كل منهن مثل حجر مغناطيسي. توقفت جم، عاقدة حاجبيها، فلم تكن في الوقت الحالي تعرف حتى ما هو الحجر المغناطيسي، ولم تستطع استرجاع الثقل أو سبب جره لقدرتها على الطيران إلى هذا الحد، لقد كان شيئاً آخر غير وزنه، لكن الآن بصفتها نفسها وحدها لم تكن جم تعرفه.

ارتعشت عند تلك التذكرة. التقطت أختها ذات الحواس المكتومة المسكينة انزعاجها وبدأت تتذمر مجدداً، فهدأتها بلطف ومررت إصبعاً على قدمي رفيقة حضنها، بلطف يكفي بالكاد للمداعبة دون إغراق. مهدئة لكن مبهجة. أي قصد كان هناك في صنع نسل بشري إلى هذا الحد؟ بأسنان وطول إصبع فقط من الذيل لإظهار أنها تنتمي إلى التنين بأي صلة. لو أنها سمحت لنفسها بالتفكير في الذكريات الضبابية عن الجدال مع بول بشأن عدم اتخاذه عشيقة لإنتاج وريث مناسب، لربما بدت الأخت الوردية منطقية بعض الشيء.

ابنة مناسبة لبول وعائلته، وريثة ملائمة لمواصلة سلالة دمه.

لكن هل كان الأمر ليُحتسب حقاً إن كان، على حد ما حاولت أي منهما، لم تكن هناك أي من "العملية"

المناسبة المتورطة في إنتاجها؟ بغض النظر عن أن تقريباً كل شخص في فيزنوف كان على يقين من أن زوجها كان الرجل الأكثر خصوبة وقوة في العالم لمضاجعة تنين كل ليلة، لم تكن تلك هي الحقيقة! كلا، كانت تنسى، أو لا، لم تتذكر قط بصفتها جم الثانية تلك الكتب التي قرأتها، لقد كانت أفكاراً ضبابية، استرجاع انطباع، فكرة فكرة. في مكان ما، كان جزء منها يعرف أفضل من ذلك رغم ذلك. أكت الفجوة في رأسها بشكل أسوأ بكثير من تلك التي على الحجر المغناطيسي، وأجبرتها على التركيز على قضمة جديدة من لحم الخنزير المسكّر والمضغ بقوة للإلهاء.

أبعدت القلق باللحم والنكهة، وقبلت بأن ذاتها الكلية تعرف ما تجهله هي. لا تقلقي، كانت هناك قوانين صحيحة تؤكد أن الفتاة، اخت النسل، يمكنها تولي دور ابنة بول بشكل شرعي. كان عليها الوثوق بذلك الشعور حتى وإن تركها اعتباره تائهة. لكن في تلك اللحظة لم تعجم جم على يقين، وإن لم تكن تعرف هذه الأشياء فهل كانت حقاً جم على الإطلاق؟ هل تذكرت بشكل صحيح كل شيء مهم جعلها تشبه الشخص الذي تبدو عليه؟

أكانت مجرد ذكريات سُكبت في كوب أصغر من اللازم حتى فاضت وتركتها تائهة مع نصف نفسها فقط في كل مرة لم تكن فيها متصلة بالكل الأعظم؟ ارتعشت مجدداً، تذكرت الموت، تذكرت كونها ميتة، الفظاعة التي كانت أكثر من مجرد الزوال، وعدم النوم، كلا تذكرت التعفن، ليس كثيراً لكنها شعرت به. ليس كيف يمكنها الشعور بلسع مخالبها وهي تقرص ساعدها لمحاولة إلهاء نفسها الآن. كلا، لقد كان ألماً مفككاً، منفصلاً، فظيعاً، وفاصلاً.

كما لو أنها لم تكن مجرد جم تتألم فحسب، بل إن جم ذاتها تشتت، وتحطمت، وسُكبت من كوب مشقق وتركت لتتسرّب بألم إلى أجزاء أصغر فأصغر، كلها تنقلب على بعضها البعض، وتمزق وتَعض بعضها البعض، وكلها تحترق وتعاني وتموت، وتتكسر إلى قطع أصغر فأصغر من كل تالف. وقبل أن تشعر وكأنها أمعنت التفكير في الأمر للحظة واحدة، كانت ذراعا سميثسون تحيطان بها، ويداه على ظهرها تصنعان دوائر بلطف، وكانت الدموع في عينيها، كلا بل كانت تتدفق على وجنتيها، كانت ترتجف، وتنتفض، وقد أسقطت لحم الخنزير المسكّر خاصتها!

ما كان ينبغي لها أن تبكي! لسبب ما لم تتذكره بعد مع هذا القلب، كان ذلك غير لائق، لكن دفء حضن سميثسون جعل تلك الفكرة صعبة التمسك بها، والطريقة التي كانت رائحتها بها مماثلة لما تذكرته ومع ذلك مختلفة بخفة. أكان هو من تغير أم أن أنفها الخاص كان مختلفاً؟ قررت أن ذلك لا يهم أيضاً، لقد كان هنا، وكان يحضنها، وكان يهدئها ويتيح لحلقها أن يسترخي، لتتلاشى أصوات الضيق إلى شهقات.

لم تكن تموت، لقد كانت لا تزال هنا، كانت جم حية، لم تكن ميتة، ولم تكن تتعفن، ولم تكن تقل شيئاً فشيئاً، منفصلة عن نفسها مرّة تلو الأخرى بينما امتد الوقت وامتد إلى الأبد. كان سميثسون أكبر سناً، وكان أضخم، وكان أكثر ثقة ومع ذلك كان أكثر هشاشة بكثير، لكنه كان هنا ويحضنها. قد لا تكون جم الثانية هي جم، بغض النظر عن عدد الأشخاص الذين أحبتهم والذين أرادوها أن تكون كذلك، بغض النظر عن مدى تذكرها، لكنها كانت هنا وكان حضن سميثسون يهدئها.