4.8. كاد بوليمير يلتهم القربان في لقمة واحدة فور أن ناولته إياه أمه. لقد حفر الصيام طوال اليوم حفرة في معدته لم تستطع أي كمية من الجعة الخفيفة ملأها. لكنه لم يكن عليه سوى الانتظار ككل عام. ما إن يأخذ السيد اللقمة الأولى حتى يُسمح له بتناول الأطائب الشهية المصطفة بالفعل على الطاولات المتينة. وبالطبع القربان نفسه — الذي لم يكن مفضلاً لديه لكن الخبز يظل خبزاً. لماذا سموه خبز القمح الأسود؟
لقد كان أبهت خبز أتاه على الإطلاق باستثناء المرة التي شاركته فيها السيدة جويل وجبة ظهرها مع الزوار في مهرجان الخنازير. ملأت المحرقة الهواء برائحة سحرية كالأزهار البرية والغابات الغريبة وأكثر بكثير. كانت تفوح بقوة جعلته يشعر بقليل من الدوار. أم كان ذلك جوع صيام يوم طويل؟ راحت السيدة جويل ابنة التنين التابعة للسيد روشفورد تتحرك بينهم في ضوء النار ورائحة دخان الخشب الساحرة.
حلوة وحادة ونقية وهي ساخنة وتلسع في آن واحد. مثل الدروب الصاعدة نحو التلال باتجاه الجبل حيث أراه أبوه كيف ينصب الشراك للماعز البري. وأيضاً حدائق أعشاب المعبد والأنبيذ الأقوى التي لم يكن مسموحاً له شربها. أخيراً أخذ السيد روشفورد لقْمته من القربان ممزقاً منها ملء فمه بشهوة عظيمة جعلت بوليمير يتساءل عما إذا كان هناك شيء إضافي في قربان السيد؟ لكن لا فقد حصل على خاصته من المعيد مثل أي شخص آخر.
زأرت معدة بوليمير للاستيقاظ عند ملامسة كعكة «القمح الأسود»
لِسانه. كان طعمها أشبه بالخبز في الغالب مع مسحة من نكهة قذرة. مثل قشرة تُرِكت في التراب أو حين يدخل الطين في فمك. أكانت تسمى قمحاً أسود لأنهم استعملوا حوباً متسخاً وغباراً؟ لكن لم يكن فيها رمل كالخبز الذي أكله بعضه. رغم الطعم لم يستطع منع لعابه من السيلان ووجد نفسه وسط حشود الآخرين الذين يحصلون على خبزهم الهش وكعكاتهم. الأيدي تصفق والأقدام تدق بينما بدأ بعض الناس ممن شبعوا بالفعل يحيطون النار رقصاً.
لكنه كان هنا لأجل الطعام إذ لم يكن صيف الجوع ليناً على اسمه هذا العام. لكنه تذكر حين كانت معدته حفرة كهذه قبل حصاد القمح بمدة طويلة. كان صغيراً جداً وبدا الذكر ضبابياً لكن بوليمير استطاع تذكر ذلك الجوع. أيام قضاها في المساء وهو يغض قشرة خبز قاسية جداً لدرجة أنها آلمت أسنانه. وقد اجتاز ذلك الوقت. بحسب أمه كان هناك أطفال لم ينجُ آباؤهم. وآخرو جيران لا يذكرهم لكن وجوه الناس تصبح حزينة أو قاسية حين يذكرهم أحد.
لا مزيد من الجوع هنا مع ذلك! إنه مهرجان الحصاد وختام صيف الجوع! استطاع ملء الفراغ في معدته أخيراً وكان فاعلاً ذلك حتماً! خبز ناعم بجودة ما شاركته السيدة جويل! صار ألذ بطريقة لفه حول حموضة التوت أو عسل المعبد الحلو! كاد يغص لكن كان هناك نبيذ ممزوج بالماء في إبريق باردة للمساعدة في نزوله! أكل حتى شعر بالشبع. ثم انتظر لترى إن كان القربان سيقلب معدته هذا العام ويطرحه أرضاً أم يدفعه للأمام بحيوية.
كان الأمر مهماً فقد اضطر للاستلقاء لبعض الأعوام. مثلما كان آخرون يفعلون بالفعل بعيداً عن النار. لكن بدلاً من الشعور بالتعب أو البطء والثقل بمعدة هائجة فوراً حدث العكس تماماً. الوجبة التي ربما طرحته أرضاً ببطن ثقيلة بدت وكأنها تمنحه الطاقة. شعر بساقيه تطنان بركلة ودق وصفق الأقدام والأيدي بينما تحرك جيرانه وعائلة سيده حول النار. الأعين ترتفع بهتافات وصيحات وأناشيد من الأشكال الدائرة والحشد من حوله.
وحين التفت من الأكل إلى الرقص رأى السيدة جويل ابنة التنين التابعة للسيد روشفورد. لم ترقص العام الماضي بل بالكاد كانت كارثة متعثرة في العام الذي سبقه. لكن كل ذلك أُلقي به بعيداً عن الرؤية الماثلة أمامه الآن. تخطو وتكتسح الحشود كنهر لامع من الحراشف المعدنية. لون يشبه مزيجاً من الفولاذ والبرونز لحقول القمح. صفة شعر داكنة لامعة بشكل مجيد على طول عمودها الفقري. أجنحتها تنقبض وتنبسط مع تحركها باعثة تموجات في النار ومن رقصوا وحاموا حولها في الليل.
لم يكن بوليمير واثقاً تماماً من نفسه وهو يشعر بالخفة الوخزية في قدميه تسري صعوداً عبر الدفء في معدته وتخرج من أصابعه. لكن الشعور بالعدم اليقين زال حين شعر بنبض وإيقاع الرقص. قفز مع وثوبها وتمايل مع الآخرين حين خفضت رأسها. كانت تركب الأمواج صعوداً وهبوطاً حولهم وفي وسطهم. وكان بيقين تام أنهم جميعاً تبعوها وهي تبعتهم. أحياناً كانت ابنة التنين تمر حتى فوق الراقصين وهي تتحرك في عجلة دائرية حول النار.
منعزلة في الغالب ومع ذلك مجتمعة معهم تماماً بالقدر نفسه. أحياناً أخرى كانت تعبر وسط الهتافات والتصفيق لتطوق النار بأكملها في حلقة ضيقة تلقي بكل شخص آخر في ظلالها المرحة. لكن على الرغم من البرودة المتصاعدة في ليل الصيف والرياح القوية التي تصفر على ما يبدو بتزامن مع هذا النبض الأعظم احتضنهم الدفء الساطع لأجنحتها وجسدها وحماهم من البرد. وبعدها بدأت تغني. صوت ناعم ومطن يتدفق فوقهم.
كان أشبه بغناء طير وكان أشبه برعد متقصف. وجد صوته الخاص وأصوات الجميع تنضم إليها وشعر بركبتيه تتحركان مع إيقاعها. شعر بأجنحتها وغنى وغنت ورقصوا جميعاً. يضطربون ويلتفون حتى بينما غدا السماء مظللة وقاتمة بنجوم محجوبة. لم يفزعه دوي البرق في السماء بل صاح وهتف وزأر مع سيدته جويل إلى جانب كل شركائها في الرقص. لم يشعر أبداً برقصة كهذه من قبل لكنه عرف أنه سيصوم بثلاثة أيام مسروراً العام القادم إن كان ذلك يعني قدرته على الرقص هكذا مجدداً!