التنين اللامع الفصل 464

اقرأ التنين اللامع الفصل 464 باللغة العربية على مانجا تايم.

17.7 تطلّ جيويل على الوجه الرماديّ كالفولاذ والأحمر كالصدأ بعينين متقدتين كالجمر الملتهب. كانت حجرة ضيافتها في العاصمة عالية القبة، لكنها حافلة بالأعمدة إلى حدّ يفرض عليها توخي الحذر لئلا تنحقن بين لفائفها حين تنام. تشهد رائحة الغرفة بأنها كانت مستودعاً للنبيذ، لكنها رضيت بها، وبذل الخدم قصارى جهدهم، فعدد الغرف القادرة على استيعاب ضخامة جيويل براحة كان يتناقص ليصير كالشبح.

رفع إينهارد بصره إلى جيويل ونطق بالكلمات التي استدعتْه إلى فورد الحرق العميق.

"ماتياس يموت".

وكأن الأمر لم يكن جلياً حين عجز حتى عن الوقوف لاستقبالها كما يليق، أو حتى حضور الوليمة برمتها، وحين أخذت زوجته مكان الملك العالي. وكأن الأمر لم يكن حقيقياً قبل اثني عشر يوماً حين أتاها طائر في فالاسيك يستدعيها إلى العاصمة، لتعاون ساحر البلاط، ولتكون على أهبة الاستعداد مع سائر التابعين ذوي حق الانتخاب حين يُختار خليفة. انضمّت إليها إيمري وغوين حين عبرتا إلى أرفا، وجئن معاً لتلبية النداء.

كانت جيويل تعلم أن الملك العالي يموت منذ نصرها بعد الحرب مع ماغارسكا.

غير أن إينهارد عاد فأعلنها عليها في «حجرات ضيافتها».

لكن شخصياً لا عبر الرقّ. كانت كلمات الساحر تفيض حماسة. ليس لأسماع نسلها، بل واضحة وضوح الشمس في إدراك التنين.

"أتقصد تجريب إكسيرك الأحدث؟"

أومأ إينهارد، بوجه أبلس وأملس، وصوت نبرة واحدة، بيد أن أي روح كانت قادرة على استشعارها وعجز عنها نسلها كانت ساطعة، حادة، مبتهجة.

"أثبت المعيدون فشلهم، ومع كل عام يمضي بعد ولادتهم يحتفظ جزء أقل من الروح بنفسه، وحين يقدرون على الكلام لا يتبقى الكثير من حياتهم السابقة، فالنفوس تتغير بالجسد، وتتغير بالحياة".

لو أنها كانت تكلمه بوصفه واحداً من نسلها فحسب أو لم تكن تعرف الساحر لسهل عليها جداً أن تظنّه محايداً أو حتى خائباً. سنوات من العمل محاولةً الاحتفاظ بروح القتلة وغيرهم من المجرمين المُعدَمين في أرحام النساء لتؤول إلى لا شيء، هباءً منثوراً. لكن بصفتها تنّيناً، كان بمكانتها أن ترى أنه يكاد يرتجف من اللذة، فالفخوخ في مهمته الموكلة إليه لم تكن إلا حافزاً للساحر إلى الأمام.

تفرّستْ فيه جيويل.

"لماذا أتيتَ إليّ الليلة إن كان دربك قد رُسِم سلفاً يا إينهارد حديد اليد؟"

حدّق إليها بالنظرة نفسها، والعينين المتقدتين ذاتيهما، لكن حماسته بدت وكأنها خبت أخيرًا.

"عملي غير مكتمل، قفص الإكسير يحفظ الروح لكنه لا يتركها تعيش أو تنمو، ولا تقوى على الكلام بلا وسيط الملوك، ولا تتعلم، فالعملية تحبس الروح بلا تبدل. وقد عدّته الكاهنة الكبرى والملك العالي معاً أمراً غير مقبول حتى الآن، وليس حلاًّ. إنه ملاذ أخير مطلق".

حدّقت إليه جيويل، منتظرة إجابته الحقيقية بينما كانت حماسته إزاء احتمال تجميد روح رجل تخبو يسيراً فحسب. ولم تكن خيبته سوى عجزِه عن إرضاء الآخرين بعمله.

"ليس من حقي أنا أن أصنع كائنات حية، كائنات نامية ومتنفسة. سيسير الملك العالي ماتياس شتاين ليصير لا شيء سوى حليّة ذكرى بإكسيري الحالي، أما شعوذتك فلا تقف عند حدودي، فأنت تستطيع الكلام وسيُطيعك العالم، والأدهى أنك أمرت الحياة في الموتى من قبل. وبعثتَ نسلك الخاص".

فتلت جناحيها، ولم يعبأ إينهارد بردّة فعلها، ولم تكن مضطرة لكبح هدوئها، فامتد الجناحان ليتلماسا مع مفاصل أصابعها والغشاء الرقيق بينها وبين حجر السقف المقبب، ضاغطة بالقدر الكافي على بناء الكانتور القديم ليُصدر صريراً. شدّت عنقها من وراء رأسها، ساحبة وجهها بمعزل عن الخطر، مستعدة لإطلاق تسريحها المُبيد أو الدفع بفكين خاطفين إلى الأمام في نهشة. جاءت كلماتها همساً وشوشاً.

"أتريد مني أن أففق الملك العالي بوصفه نسلي؟"

أطمش إينهارد فعلاً إزاء ذلك، بصوت معدن يحتك مع الحركة، فانغلق منفوخ عيناه، قبل أن ينفتحا ببطء بنقرة ذات صدى تنكي.

"لا، بالطبع لا أيتها الكونتيسة، بل أرغب منك أن تعدلي عملاً تخصّكِ على هذا الإكسير، لتأمري بالحياة الكاملة في الزئبق وأملاح الشَبّ داخله. لا ليكتفي بحفظ الشكل والذكرى بل ليقبل التغيير والإرادة أيضاً".

لوى معصمه فصار وعاء فخاري فجأة في رافعته، مرفوعاً عالياً، بطول عرضه، منحنياً إلى الداخل في الجوانب، في عرض رأس رجل، ومملوءاً بسائل يلمع كالزئبق. أطمشَتْ، فقد كان للوعاء ثقل، ووزن يتجاوز المظهر. وكانت شعوذة الساحر المُهمسة كثيفة على السائل داخله أيضاً. معقدة ومبهمة على نحو يبعث على الدوار. حدّقت جيويل مطولاً في الزئبق المتموج ريثما يستوي إلى انبساط بحيرة ساكنة، عاكساً عينيها عليها.

"لا أعرف «كلمات» الشعوذة لأفعل ما تطلبه يا إينهارد، والعالم نزق وجامح حين آمر بشيء على عجالة. وهو عرضة لألا يفعل ما تطلبه إن حاولت هذا".

لم يتغيّر الوجه، الخدان بلون الفولاذ، والتجعيدات المعدنية الباهتة لحيته وحاجبيه. صار إينهارد أقل شبهًا بالرجل عما كان حين التقيا للمرة الأولى، ولعلّه ليس بمسوخ تماماً لكنه أبعد مدى مما كان عليه في بلاط ماغارسكا حين صرعه مراد. أقرب قليلاً إلى تمثال منه إلى رجل، لكن كلماتها أسعدته، وأسرته وحمّسته، وأججت روحه بعنف حتى بدأت عيناه تشتعلان.

"بالطبع، لم أكن لأرجو ما هو أفضل، تفضلي بنقل شعوذتك لكي نراها تنتصر أو تخفق، من أجل مشروع لويختا، من أجل جميع البنات اللواتي سيتحتم عليهن العيش بصدى أو كذب آبائهن فحسب. من أجل الملك العالي".

كان إلقاؤه بلا نبرة، وحتى الحماسة التي استشعرها منه لم تمسّ حقاً الكلمات التي تفوّه بها، فقد كانت جدّيّة رغبته واضحة، ولم يكن الساحر يكترث حقاً، بل قال الكلمات لمحاولة تحريكها. لتعزيتها وإعفائها من مخاوفها، لكنه ما أراد منها سوى معاونته في المهمة. تأملت الهول الذي صُنع من جثة حية فارغة بلا روح، من جسد موريل الذي كان لا بد من حرقه حياً وهو فارغ. بيد أنه لم يكن شيئاً لحمياً، ليس هذا الإكسير، بل كان ساكناً ومسترخياً في الغالب وقنوعاً، وكان يشبه المعدن والشعوذة، أعمالاً كثيرة معاً تتهامس بلا انقطاع ذهاباً وإياباً وكأن معانيها تتثاور في جلبة داخل التيار.

كانت جيويل تعلم أنه لا يشعر بأي شيء ولا يكترث سوى بالمهمة الماثلة أمامه، لكن ذلك لم يجعله مخطئاً.

وتذكرت غضب غوين وألمها لموت جيم، وتذكرت دموع الدهشة والبهجة حين احتضنت اختها «جيم الثانية».

وفيما كانت تبحث عن روحي موريل وأبيها، وهما أمران لم يظنّ سيلسوس أنهما لا زالتا موجودتين، كان هناك آباء، وأمهات، وأخوات، وأخوة، وبنون يموتون ويُفقدون أو يُدمرون تماماً. كانت هناك حروب تُكدّس الموتى جبالاً. كان ماتياس رجلاً عليلاً يستميت ليعيش، لكنه ظلّ يأمر إينهارد وأورسولا وجيويل بإيجاد حلّ لكل المملكة. أفلا تستطيع فعل شيء؟ وجدت جيويل في قلبها ولهيبها أنها لا تستطيع.

مدّت يدها نحو إرادتها، نحو لهيبها، نحو الأمر الذي طلبه إينهارد منها. حاولت تشكيل ما التمسه منها في هيئة يصغي إليها العالم ويفهمها. لتجلب التغيير إلى الإكسير بالطريقة التي طلبها. مستعينة بالذكريات، وإحساس التحول إلى جيم الثانية، وحساء جيويل السائل المجازي وهي تملأ وعاء لتعود فتصير ابنتها الأولى في لحم جديد.

"عيشي، اعلمي، اذكري".

كان الاستنزاف المفاجئ لطلقة لهيبها حاداً ثم انتهى برمته دفعة واحدة. لقد كان أكثر بكثير مما توقعته لتغيير وعاء السائل الفضي الغريب، لكن في نَفَس واحد كان يزول، وبحلول النَفَس الثالث بالكاد لاحظت أي تراجع في مخزونها. جذب إينهارد الوعاء إلى الخلف ليقبض عليه بيديه الاثنتين، وحدّق فيه ملياً، مهمساً برفق، بالحديث الصامت لساحر مع العالم الذي يختلف كل الاختلاف عن أمر جيويل الخاصة.

بيد أنها استطاعت سماع أصداء شعوذتها ولهيبها داخل الإكسير الآن. ثم رأت عينيه تخبتان وتتألقان ساطعتا قبل أن يرفع بصره إليها، متجلياً في حدّة بهجته.

"لقد نجح، أيتها الكونتيسة اللامعة الممتازة، هلمّي الآن يجب أن نُجرّع الإكسير قبل أن يضمحل الملك العالي أكثر".

أطمشَتْ حيال ذلك.

"في الحال؟"

أومأ الساحر برأسه بقوة، ثم استدار مغادراً، فانفكّ مزلاج بابها وانفتح قبل أن يبدأ بالمسير بخطى ثابتة بعيداً عنها. وحقيقة أنه لم يختفِ في اشتباك من الشرر والفولاذ كانت معبرة للغاية. ولم يرتجّ السائل المحمول في يديه حتى من اهتزاز خطواته. توقف على بُعد خطوات قليلة خلف بابها، وتفوّه في الهواء لكن جيويل استشفّت أنه يقصدها.

"سريعاً أيتها الكونتيسة، فلن تكون لنا سوى فرصة واحدة لاحتمال حفظ روح الملك العالي، وما تمكنتُ من جمع الموارد سوى لهذه المعالجة الواحدة من الإكسير وأرغب في حضورك للمراقبة والإدلاء بالرأي".

تحركت جيويل بحذر، تملأ أجزاء من لفائفها بالهولب بينما تستسقيه من أخرى، داعية مخالبها تجرّ بثقل لتجد موطئ قدم بسهولة على بلاط الحجر. فيما حاولت جعل بقيتها أخف قدر الإمكان. فكّةً من حول أعمدة قبو النبيذ القديم.

وما إن بدأ التنين في الخروج من «حجرة نومها»

حتى شرع إينهارد في المشي ثانية، بثبات، إذ كانت وركاه وخصره وجذعه وكتفاه تتحرك مع كل خطوة لكي تمنع إزعاج الوعاء في يديه البتة. والغريب أنه لم تُطلق ولا كلمة همس شعوذة واحدة لتثبيت الوعاء. وإن دلّ على شيء فإن الساحر كان يحاول تطويق الإكسير وعزله عن العالم المحيط به. سارا صامتين، من جناح الضيوف الذي شغلته إيمري وخدم جيويل وعوائلهما إلى أعماق القصر، الحجرات الملكية لماتياس وعائلته.

بدءاً من العمل المتبجّح من الرخام والحجر تكاثر كلما مرّوا بالحراس، وجميعهم يرتدون درع الهيلبردي الخاص بإينهارد. لكن سرعان ما صارت الممرات أفسح، وحين عبروا إلى الجزء الداخلي الأعمق من الجناح كانت الجدران عارية في الغالب. وحين وصلوا إلى غرفة ماتياس لم تكن هناك أي زينة تقريباً، وكان سريره حسناً، وكانت البطانيات بالحضور الوخزي المألوف لصوف جيويل ذاته، شأنها شأن المرتية المليئة بالصوف المحشوّ من المصدر نفسه.

بهمسة شعوذة غادر الحراس الغرفة جميعاً فور وصول إينهارد.

حدث كل هذا بسررعة، وترك الاستعجال للوصول إلى هناك جيويل بشعور يشبه حين تعثرت في الـ «فا»

للمرة الأولى. كانت الكاهنة الكبرى أورسولا هناك، بجانب السرير، بخيط من التدخل السماوي اللطيف والمتدفق باستمرار ينزل من السماوات العلى، مارّاً عبرها ووصولاً إلى يديها، حيث تشبثتا بأصابع ماتياس الوهينة. لم يبدو كملك، ولم يرتدِ أي زينة، بل قميصاً بسيطاً من قوف جيويل المغزول. وكانت البطانيات ترتفع إلى عنقه، سميكة وثقيلة وكانت الغرفة تعبق بعرق المرض. كانت عيناه مفتوحتين، ترتجفان من اليسار إلى اليمين، تقعان على ما تقويان عليه لكن عنقه كان يرتجف بلا حتى رفع رأسه.

"إينهارد؟ أأنت هنا؟"

خطا الساحر، بنعومة، بالطريقة المتسقة العجيبة التي مشى بها طوال الطريق، ليصل إلى رأس السرير. وكانت المعجزات في ماتياس كثيفة ومستمرة الآن، تسري إلى صدره، فوق جبينه، إلى بطنه. وكانت تشدّ رئتيه، وتعصر قلبه، وتستلّ الحرارة من جبينه.

"أنا هنا أيها الملك العالي، الإكسير جاهز، ألا زلت متيقناً؟"

لم يستطع الرجل إدارة رأسه، ورأته جيويل يحاول، فارتجفت العضلات لكنه تُرك مواجهاً للأعلى، وעיناه منحنيتان نحو صوت إينهارد بطريقة مؤلمة. حتى حلقه كان مطرزاً بالمعجزات، مما سمح له بالكلام. وكانت رائحة الموت ثقيلة عليه، الموت والعرق الذي كان شديد القُرب من حال موريل قبل محاولة جيويل المشؤومة لعلاج المرأة.

"أريد أن أعيش، الظلام، إنه هناك، أستطيع شعور الظلام، إنه ينتظرني خلف عينيّ، افعلها، أنقذني، أرجوك-"

ارتجف، فتدفق سديم أقوى من المعجزات داخله، دافعاً صدره لاستنشاق الهواء.

"أرجوك، لا أودّ الموت، أريد أن أعيش، أرجوك، أرجوك، أريد أن أعيش، أنقذني، أرجوك، الظلام، أستطيع شعور الظلام".

كان صوته واهياً للغاية، مستجدياً، مرعوباً. حتى مع معجزات تعصر حلقه لأجله كي يدبر هذا القدر فحسب. أومأ إينهارد ثم التفت إلى أورسولا التي كشرت لكنها أومأت بدورها في المقابل.

"إنه أمره".

عند هذا الإقرار مدت الكاهنة يدها لتمسك ماتياس من كتفه ومؤخرة رأسه. رافعة هيئة الرجل الهزيلة الذابلة إلى وضع منتصب، كاشفةً كم كان صدره وكتفاه ضامرين تحت ملابسه. فكيف سيجعلونه يشرب الإكسير أصلاً؟ انحنى إينهارد فوق سيّده، ملكه، رافعاً الوعاء فوق رأس ماتياس، ثم وضع بنعومة إصبعاً واحداً على هامة جمجمته بالذات. وكانت أورسولا مكشّرة، بوجة متوتر، ترتجف وهي تمسك ماتياس بالكاد منتصباً، وتغيرت المعجزات وقطعها، فانضم الإيقاع النابض الذي يبقي ماتياس حياً إلى توتر مشدود التفّ حوله، مقفلاً فكه وعنقه بصلابة، وضاضطاً بقوة تكفي لتكديم اللحم الواهي.

ماذا كانا– كان ذراع إينهارد ضباباً، فالقوة التي رفعت المطارق لضرب الحديد صعدت ثم هبطت، محشورة كل تلك الطاقة عبر إصبع واحد. الصوت الغليظ لعظام تتفتت تحت الضربة، ثم الطقطقة المبتلة المقززة وتمزق الجلد وتقشره وهو يتفكك. تطلّرتْ جيويل، مسمرة حين قتل إينهارد الملك!؟ لكن لا... غير أن الدم لم يلطخ سريره، ولم يسيح حتى على وجهه الذي ما زال نقياً، بل صعد، محتفظاً بمكانه، متفرعاً وعائداً للدورة في جرحه حين انفتح رأس ماتياس خلف جبينه.

والرفرفة اليائسة لعينيه تتنقل من اليسار إلى اليمين، وصارع ليتكلم، لكن صوته انحبس مع ذلك، فالمعجزات السماوية التي سمحت للكلمات بالتشكل تلاشت لصالح إبقائه ساكناً. لا زالت جيويل ترى الرجل يصارع ليتكلم، وكانت تخطو إلى الأمام نحوهما، لتوقف هذا، أياً كان اغتيالا؟! خيانة!! تعذيباً؟! بيد أنه لم يكن هناك خبث في الساحر، بل تصميم وتركيز شديد. وهو ما أخمد اقتراب جيويل. ثم صبّ إينهارد وعاء الفضة في الثمرة المشقوقة المفتوحة التي كانت رأس ماتياس.

لم يتدفق كالماء، بل كان ثقيلاً، أتى من علو قدم واحدة ومع ذلك فإن ذلك الدفق من المعدن اللامع هزّ ماتياس كمطرقة حين سقط فيه. صبّ، وصبّ، وتقلبت عينا الملك العالي ماتياس في رأسه، وارتجف خدّاه وشفتاه، وسرت رعشات دقيقة وواوهنة صعوداً ونزولاً على وجهه. غير أن المعجزات أثبتته بحزم، وأجبرت صدره على التنفس، وقلبه على الخفقان حتى مع محاولة الجسد السقوط في تشنجات فوضوية. وظلت شعوذة ساحر البلاط تحافظ على جريان دمه حول الجرح، بلا انسكاب حتى قطرة.

لابد وأنه كان يحمل السائل الحيوي بالحديد الذي حذر جيم منه. ارتجفت أورسولا، وشدت أسنانها بقوة لتسمعها جيويل. وكان هناك يَقين أقل بكثير في رائحة المرأة، فقد كانت مضطربة، مغتاظة، لكنها متماسكة ومركزة بطريقتها الخاصة. واستطاعت جيويل شعور الشعوذة، والعمل الذي أخذ مجراه، فقد أُفرغ الإكسير من وعائه الفخاري مباشرة في جمجمة ماتياس المفتوحة. ووُضع الوعاء الخاوي جانباً، ليختفي في اشتباك من الفولاذ والشرر.

تنفس جسد الملك، وخفق قلبه، لكن عينيه كانتا بيضاويْن تماماً ومحمرتين بورديّ حين أنزل إينهارد يديه إلى جانبي وجه ماتياس ثم دفع الجمجمة لتنغلق من جديد. تجمّدت جيويل بفعل الإدراك، كان هذا هو المسار المنشود، كان هذا هو إينهارد يعمل تماماً كما ظنّ أنه مطلوب. كان هناك صوت زحف داخل الرجل، كان يكشط، ويتحشرج فوق العظم من الداخل، كأشياء تتلوى، فئران وحشرات وأكثر بكثير. خاطبها العالم فاستشعرت همسات العمل السابق متداخلة مع تلك المرسومة بلهيبها الخاص.

حدّقت جيويل بينما استولت رعشة على وجه ماتياس مرة أخرى، مرتين، ثم خملت أخيراً. وسكن الصوت داخل جمجمة الرجل. ملأ صوتها الهدوء المروع المفاجئ لجثة الرجل المتنفسة.

"أ-أذلك كان العلاج؟ أذلك كان الإكسير؟ أكان لإنقاذ روحه أن يتوجب عليك قتله؟"

شمّت جيويل انتصاراً مُظفراً من أورسولا حتى مع ريح الدم والروث النفاذة التي كانت تملأ الهواء. بيد أن إينهارد كان شديد التركيز على التحديق في جمجمة ماتياس، ويداه على الجانبين، ضاغطة الشق المنغلق، وكانت الشعوذة لا تعمل، ولا زالت تتحرك بالداخل، تتألق وتنبض وتتلوى حتى وهي بدت وكأنها تتفرع وتتخيط وتنقسم. وما توقف سوى الصوت.

"الآن، إنها الطريقة المعروفة بالعمل، ويجري التماس وسائل أنقى وأقل تدخلاً لكنها لم تُختبر أبداً. وما كان لي أن أخاطر بها على الملك العالي".

بطقطقة مبللة وفظيعة فتح الجزء الخلفي من رأس الجثة مرة أخرى، ولا زال الجسد يتنفس، معجزات تدفع الهواء عبر الرئتين، والقلب ليخفق، والدم ليجري، لكن جيويل استشطت أن الإيقاع سيفشل تماماً إن تُرك محروماً من اللمسة السماوية. وكان غياب الدم المنسكب، والفوضى الفظيعة، أمراً مزعجاً، فقد اقتربت أكثر وأخفضت رأسها لترى تماماً الهول الذي كان يُرتكب بحق سيّدها. انمسخ وجهه الآن، مدفوعاً من الجانبين باللحم حول العظم، كالصلصال، ومد إينهارد يده إلى الداخل فتكشفت فوضى زغبية من فرشاة رمادية باهتة في الجرح المفتوح مجدداً، طحلب رمادي متداخل في دم أحمر ملأ جمجمة ماتياس.

دُفعت الأوساخ الحمراء والرمادية-البيضاء المنفوشة جانباً ولم تلتصق بيد إينهارد، بل تساقطت كالماء عن ظهر بطة من أصابعه، ومفاصحه ثم معصمه وهو يمد يده من خلالها. ومن أبيض شاحب وأحمر سحب كرة، معقدة، محفورة بعمق في أنماط متلوية، بيضاء اللون تكاد تكون باهتة، أقرب إلى الثلج أو الطباشير. دوّامات من معدن باهت كليل حُفرت بدقة شديدة حتى بدت أشبه بالنسيج أو أدق فروع الفرشاة أو السرخس أو البوص.

دارت مع نار التنين وشعوذة إينهارد، ونار تنين جيويل، وشعوذة إينهارد المُهمسة، وشيء آخر، شيء أدركت أنها أمرت به لكنه لم يعد يخصها. صُنعت من معدن، لكن تماماً كما أمرت جيويل فقد صارت حية الآن. خرج الوحل الأحمر حراً من التجاويف العميقة للغرض في خيوط كثيفة حين استُخرج من الفوضى. مسحوباً لأعلى وبعيداً، إلى أن تُركت الخيوط الأخيرة لتسقط عائدة إلى الجثة بنفضة. مخلفة وراءها وحلاً أحمر وأبيض متدلياً.

ثم كان إينهارد ينحني إلى الخلف، وملأت الهواء رائحة حارقة من لحم محترق وحديد ساخن، وألقت جيويل نظرة خاطفة على ماتياس، فرأت رأسه مضغوطاً عائداً إلى الوراء، مفترضاً أنه مسحوب بدمه، وشمّت احتراقاً طفيفاً للشعر حيث أُحكم ختم شق جمجمته. رفعت أورسولا نفساً ثقيلاً وأطلقت المعجزات التي كانت تمسك الجسد منتصباً، والتي جعلت رئتيه تتنفسان وقلبه يخفق. تركت الكاهنة الكبرى الوجه المرتخي يستقر ثانية على وسادته قبل أن تتراجع للخوار.

ولا حتى قطرة دم واحدة أشارت إلى العنف الذي وقع للتو. وبكل المظاهر مات ماتياس في نومه بسلام. واستدارت جيويل لتحدق في إينهارد، رافعاً الكرة البيضاء-الرمادية الكليلة، بلا ابتسامة على وجهه، بل حدة في عينيه. لكنها استطاعت شعور انتصار دافئ.

"سيدي، كيف تشعر؟"

عمّ صمت، ثم صفير هواء، ورنين أجراس، ونبرة معدن يرن، وصوت، يشبه ماتياس ولا يشبهه، افتقد التعب والتقدم في السن، أشبه بما تتذكره جيويل من صباها. صوت نطق من الشيء في يد الساحر.

"إينهارد؟ لا أستطيع الرؤية، إنه مظلم. إنه مظلم جداً، لا أستطيع الرؤية، أتألم وألسع، بارد وحار، الظلام، أين النور، لا أستطيع فتح عينيّ، أرجوك يا أورسولا افتحي عينيّ، أرجوك، أرجوك أريد أن أعيش، أريد أن أعيش، أريد أن أعيش! يا إينهارد ائتِ بالإكسير أريد أن أعيش أريد أن أ–"

بهمسة شعوذة من الساحر انقطع الصوت. وجزء واحد من الأعمال التي غمرتها صامتاً الآن. بيد أن جيويل لا زالت تستشعر الهمسات ولهيب التنين يتخثران داخل الحليّة. استدار لينظر إلى الكاهنة الكبرى، بصوت بلا نبرة كالعادة، والمزاج الذي لم تستطع جيويل وحدها شعوره يُبدي علامات بأنه مسرور، منتصر، واثق.

"تحسن مقارنة بالمحاولات السابقة، لقد استطاع الرد، والتعرف عليّ، والشعور بالإحساس، ومواصلة العيش والكائن ومعرفة ما حدث، ومع ذلك لا زالت بعض التحسينات مطلوبة".

حدقت إليه الكاهنة الكبرى بغضب، ثم بتنهيدة عميقة من الألفة المستسلمة التفتت من إينهارد إلى الجثة المستقرة على سرير ماتياس.

"الملك العالي ميت، يجب أن نُعدّ الترتيبات للجنازة، اتصل بي حين تفرغ من «تحسيناتك» أيها الساحر ليتسنى لنا القيام بمحاولة جديدة ومناقشة خطواتنا التالية".

في اشتباك من الشرر اختفى إينهارد، آخذاً معه الكرة التي استخرجها من جمجمة ماتياس. حدّقت جيويل في الجثة، ولهيبها يطوف بما شاهدته لتوها. التفتت أورسولا، كاهنة أشاراه الكبرى، عائدة إلى جيويل لتتفرّس بحدة في وجهها وتومئ.

"اذهبي لتعودي إلى حجراتك أيتها الليدي جيويل، سيكون هناك الكثير من العمل لك ولسائر الناخبين بحلول الصباح".