⟦1꒱ ١٦.٤ تنهّدت أديلين. غرق مكتبها تحت طوفان من الرسائل والتقارير والأسرار. خمسة وعشرون صانعاً معلماً أو مبتدئاً في نقابتها انتشروا في كل إقليم من أقاليم فيزنوف وصنعوا تدفّقاً هائلاً للمعلومات. لا بدّ أن عدد الوحوش التي سُلخت من أجل رسائل مكتبها كل موسم يقترب من الثلاثين الآن، وهو رقم كاد يتضاعف لفترة وجيزة حين انتشرت خبرة زواج شقيق التنين اللامع في كاكيتيه. سرت همهمات بالفعل بين نبلاء وأثرياء فيزنوف بأن العاصمة هي المكان الوحيد لإقامة زواج يفيض بذبح البذخ.
تصاعدت تلك الهمهمات لجدّ طريقها إلى مكتب أديلين من كل حدب وصبوح، من نهاية النور وحتى زابادفا. تراجعت بحمد السيادة عجالة الرقاق المستقرة على مكتبها للقراءة في الموسم التالي. مع ذلك ظلت هذه الاستراحة شأناً مرحباً به وإن كان عابراً للخلاص من الغرق بين الورق والحبر. رمت سيّدة النقابة نظرة حارقة على اللقيط الذي تسلل إلى مكتبها مجدداً رغم أنه كان مفترضاً أن يظل متخفياً كأبرز مخترق في معبد أول كانتور.
قالت: "ما الذي تفعله هنا يا هافيل؟"
وكأنها لم تكن تعلم لسبب وجوده هنا. شعرت رأسها المسكينة وكأنها ترتجف من كثرة ما امتلأت به من أسرار المدينة وهمهماتها. ارتدى اللقيط حريراً مستورداً صُبِغ بسوادٍ حالكٍ فوق وجهه، ووجدَتْ في ذلك تسليةً خالصة. فأمام أي شخص مألوف بملاعن الكونتيسة، بالكاد يمنع مثل هذا الغطاء قراءة حقيقة مشاعرهم كأنهم كتاب مفتوح. ومع ذلك تحول الأمر إلى مسألة لياقة وأصبح اللقيط عاري الوجه مثيراً للفضيحة منذ أن أُطلق الحراس السابقون لأول مرة في كاكيتيه.
عرفت أديلين قليلاً منهم ممن يرقصون بسعادة فوق طاولة دون أي غطاء آخر يسترهم. ولكن معاذ السيادة أن تكشف وجهك لأحد سوى أقرب المقربين إليك. حتى حين كان الأمر لا يعدو كونه قطعة حرير باهظة القيمة تترك العنان لمخيلة ناظريها. وجدت أديلين أن الحاجة لإخفاء وجوههم تفادياً لقراءة مشاعرهم بوضوح تامة تمنح الحراس السابقين ميزة في استغلال الموهبة التي منحتها إياها فيزبانشيس. ليس الأمر كأن أكثر من اثنيْن أرادا شيئاً يذكر من النقابة.
لم يكن إعجاب هافيل بالكونتيسة التي لعنته أمراً شائعاً.
قال: "فقدت هايدي وإيتيلكا أباهما. أنا غائب عن حياتهما منذ قرابة عامين."
هزت أديلين رأسها بحنق ولهذا السبب فضلت الأيتام على من يملكون «عائلات حقيقية».
لقد فقدت سنوات من الوعي العميق بالآليات الداخليّة للمعبد بسبب مشاعر الأطفال، بينما أُرسل بقية فريق هافيل لدعمه لا للتسلل خفية إلى أكبر معبد في العالم المعروف. عُميت بصيرتها عن أي شيء سوى النميمة في تقرير العام الماضي الصادر عن تلك المدينة المترامية الأطراف التي تشبه الخراب.
قالت: "أحتاج إلى أفضل عناصرنا في أول كانتور والمعبد، ولا أحد سواي يقدر على التسلل إلى نصف الأماكن التي بلغتَها."
مد اللقيط يده ليزيح الحرير عن وجهه كاشفاً عن التعبير الصارم الذي استقر في حاجبيه وانحناءة شفتيه وحِدة عينيه. وإذ ظهر هافيل سافر الوجه علمت أديلين أنها لن تستطيع إعادته إلى أول كانتور دون تنازل جاد.
قال: "لقد رأيت سوية المتدربين الذين دربتِهم هنا في كاكيتيه منذ رحيلي، وأنت تتراجعين يا سيّدة النقابة، وأظنك تحتاجين إليّ هنا أكثر مما تستطيعين تحمل وجودي في الخارج. أنت بحاجة إلى معلمين أفضل لتدريب المتدربين. وابنتاي بحاجة إلى أبيهما."
كشّرت أديلين في وجه أفضل مخترقيها، لكن لم يكن ثمة أثر للخداع على وجهه (وهذا هو المغزى). لم تكن هناك أي مراوغة مترددة تفضح كذبةً ما، بل إن تقاريرها حول فيزنوف أوحت بأن ابنتيه وبقية أطفال اللقطاء يتشاركون ذلك الجانب من اللعنة أيضاً. كان مضحكاً كيف جعل عجز حراس باثوري السابقين عن الكذب السافر وهم مكشوفو الوجه منهم بعضاً من أنشط المتسللين الذين امتلكتهم أديلين. ومع ذلك انتظرْتْ، فخلافاً للققيط استطاعت إبقاء ملامحها جامدة.
مرّت لحظات بتوتر متصاعد يملأ الأجواء، إلى أن طرأ أخيراً تحول على ملامح هافيل كسا وجهه السافر، تكشيرة ألم شيء أراد قط ألا تبديه لها لكن بينما كانت ترقب التعبير ينساب ويصلب على سماته لم يكن من منكرٍ أنه حسم أمره وقرر ما يجب.
قال: "اكتسبت الفتاتان الموهبة من تقليدي، وهي تكاد تُجنّ المسكينة لينكا في محاولتها مجاراة طفلتين تشعران بموضع نظراتها إليهما. إن استدعيتِني لأجل تدريب المتدربين هنا في كاكيتيه فسأضمّ الاثنين معاً إلى النقابة."
هكذا إذن، التغيير الذي احتاجته لإعادة أفضل مخترقيها إلى مهمته دون تنازل كبير، لتدعه يقدم «ثمنه»
الخاص. رفعت أديلين حاجباً وظهرت تكشيرة أخرى أقل حدة على ملامح وجهه، وبالطبع فقد عرفت بشأن ابنتيتها اللتين التقطتا موهبتها من أبيهما. ربما كان عليه إدراك ذلك قبل محاولة طرحه كورقة مساومة كي تعيد تعيينه. ومع ذلك لم يكن مخطئاً، فقد عانت أديلين لإيجاد الوقت لتعليم المتدربين مع كافة الأعمال الأخرى المنوطة بها كسيّدة نقابة. علاوة على ذلك إن كبرت هاتان الفتاتان لتكونا قادرتين ولو بنصف قدرة والدهما على العمل فسيكون الأمر مبادلة عادلة وزيادة.
فكرت العجوز جينتر وكل ما علمها إياه، وكيف نظرت هي وبقية الأطفال إليه بإجلال. ربما استطاع هافيل شغل دور مماثل لذلك. كانت لديه المزية المناسبة لشيء اضطرت أديلين للاعتراف بافتقارها إليه. كان المتدربون مرعوبين منها تقريباً بقدر رعبهم من الكونتيسة. بإيماءة حسمت أمرها، قرار كان بمقدروها اتخاثه مسبقاً لكنها ظنّت أن هافيل سيرفض لو أنها صاحبة الفكرة.
قالت: "حسناً يا هافيل، يمكنك البقاء في كاكيتيه لتدريب المتدربين، لكني أريدك أن تضمن مهارة البديل في مهمة المعبد. ما لم أقتنع بأنه سيفي بالحد الأدنى لتلك التحدي فسيتعين عليك العودة في موسم السمك القادم-"
تجمد الغضب في حاجبَي اللقيط.
قال: "لأعود في العام التالي لتقديم تقريرك وأحاول مجدداً تدريب وإعداد بديلك؟ إنني بحاجة إلى عيون ماهرة وعقول راجحة هناك يا هافيل، وأنا متعاطفة مع احتياجات عائلتك-"
ولم تكن أديلين للأسف لقيطة وإلا لبدا واضحاً مدى كذبها للتو.
قالت: "لكنك رأيت ما يُطبخ في المعبد، نحن بحاجة إلى عيون ترقب وتحذر فيزنوف مما هو قادم قبل أن يطرق بابنا."
من يدري؟ ربما ينجح في تدريب بديل جيد بما يكفي ليسمح له بالبقاء؟ ربما يكتسب ما يكفي من موهبة استشعار الانتباه في الكتابات والرقاق ليخفف عبء بعض أعمالها بينما يعالج أمر المتدربين؟ كشّر هافيل وأومأ، وبدت عزيمته مرة أخرى واضحة على وجه عارٍ، ثم سحب قماشه الحريري الذي بالكاد يستره فوق رأسه وخطا خارج مجال رؤيتها المباشرة. بخلاف المتدربين لم تمنحه أديلين فرصة، بل حاولت اللحاق باللقيط وماسحت مكتبها بنظرات مركزة.
وطبعاً كان محاولة كهذه أمام أفضل عناصرها عقيمة، راحت تفتش لكن لم تكن هناك أي أثر لهافيل. فتح متدرب الباب أخيرًا ليجلب مزيداً من الرسائل لتراجعها، وبالكاد نجح في كبح ارتعاشه وهو يضع الخطابات على مكتبها. وانتفض عندما جالت عينا أديلين فوقه ثم الباب المفتوح. كبحت جفنها بينما غادر المتدرب بوجل، ولم تلمح قط مغادرة أفضل مخترقيها. لعلّه لم يغادر بعد؟ كانت أديلين واثقة تماماً من أن هافيل اشتاق لعائلته بما يكفي ليجد طريقه للخروج بتلك الفرصة.
لكنك لا تتيقن أبداً في النقابة. بعد دقائق أُخر أخذت أديلين نفساً عميقاً ثم عادت لتصفّح تلك الرسائل التي وحدها تستطيع قراءتها. بدا هذا فكرة ذكية للغاية قبل أن تكتشف كم سيبلغ حجم العبء الذي ستحمله وحدها.