15.2 كاد ليو يعضّ لسانه حين شرع كبار كهنة مجمع الملوك في العمل. لقد شعر بالقلق من مناقشة هذه الأمور معهم، وأن يطغى على حضوره مهارة وخبرة أعظم العرافين شأناً في العالم المعروف.
لكن، منذ الكلمات الأولى التي نطقت بها ألسنتهم بشأن مقترحه، وصولاً إلى الطريقة التي أجروا بها طقس «الاستدعاء السماوي»، هوى احترامه لهؤلاء الرجال الثلاثة تماماً.
كان عليه أن يتوقع ذلك في الحقيقة، فلم تكن الحارسة بيتا تقوم بأي من تجهيزات الطقوس الفعلية بنفسها قط خلال أيامه في المعبد. جلّ عملها كان ينحصر في استقبال الضيوف والزوار الأثرياء للمعبد. كان المتدربون والكهنة والكاهنات الآخرون في المعبد هم من يضعون أسس الطقوس حقاً، ويهيئون القرابين، ويؤدون طقوس التمهيد لاستجلاب الانتباه السماوي الواجب، أو يضبطون المواعيد بدقة وفق خرائط الأبراج لتحديد الفترات المثلى لاستدعاء النجوم.
مع ذلك، ظن أن الأرفع شأنْا في هرمية معابد مجمع الملوك سيكونون أفضل حالاً. لكنه رأى هنا كبار كهنة الرتب الأكثر إجلالاً في مجمع الملوك واقفين ولا يفعلون شيئاً تقريبا، بينما انكبّ سرب من الكهنة الصغار والمبتدئين على إعداد المكان الذي كانت تشغله طاولة ولائم الملك الأعلى. جُمعت المجامر، وتصاعدت رائحة الكبريت من دوائر الأملاح المعدة بعناية، بينما نُثرت خطوط بيضاء برقة ودقة في أماكنها.
وفُرشت أكاقيل العبهر والنعناع والليمون وتلك الحبوب الحمراء اللامعة التي ظنّ أنها رمان داقيقي، بانتظار شعلة النجم. حافظ على وجهه جامداً وساكناً، رغم الغليان الذي تصاعد في داخله وهو يراقب خمسين عرافاً مختلفاً ومبتدئيهم يشرعون في الحركة بدقة مطلقة وحاسمة لما أمكنه تبينه مسبقاً على أنه النوع الخاطئ تماماً من الاستدعاء. لم تكن هناك علامات أو إعدادات لحلول روحي، كلا بل كانوا يمهدون السبيل لتجلي مباشر.
وهذا يعارض تماماً كل سجل وكل ملاحظة قرأها أو كتبها بخصوص كيفية تفاعل الملوك مع السيدة جويل وتواصلها معها. نعم، لقد بنى افتراضاته الخاصة سابقاً بشأن التجلي المباشر أمام جويل، لكنه تشاور منذ ذلك الحين مع كهنة في شتى أنحاء فيزنوف وما وراءها لتصحيح ذلك. بيد أن ليو كاهن لم يمض على تخرجه سوى نصف عقد! ولولا تكليف الحارسة بيتا لكان يشق طريقه عرافاً جوّالاً يعمل في المعابد عبر المملكة!
لقد كان ارتكابه لمثل هذا الخطأ بشأن غرائب سيدته مع النجوم أمراً مفهوماً، إن لم يكن مغفوراً. لكن أعضاء مجلس الأبراج الفلكية كان من المفترض أن يكونوا أعظم العرافين في العالم! ولم يكن وحده في إطلاق هذا الحكم عليهم. أمكنه أن يرى وجهاً أبلس كوجهه تماماً يعلو كاهنة عشيرة أشيرة العظمى. إن المتعبدين لملوك مفردة لا يُنظر إليهم بالضرورة بنفس القدر من التقدير الذي يناله أولئك الذين يبقون أبوابهم مفتوحة لكل السماوات.
فتقليص المدى والقدرة الذي يقدمه المرء ليغدو مقدساً، ومملوكاً لملك واحد، غالباً ما يُعد مساراً أدنى شأناً. لكن أولئك الذين يبلغون مرتبة الكاهن الأعظم، فيحظون بأقصى حظوة لدى الملك المالك؟ والأقرب إلى الملك وبالتالي الأكثر إلماماً به باطنيا؟ أن يُرفض مثل هذا المنظور في نفس اللحظة التي طرد فيها ليو؟ تلك كانت غطرسة تفوق كل تصور! استمرت التجهيزات، وشعر ليو بحفرة تتسع في جوفه؛
فكل ما سمعهه من معابد المملكة الأخرى، ومن الكهنة الأجلاء الذين حضروا زفاف كونتيسة بلادهم، وصولاً إلى عمال المعابد المتواضعين في فالاسيك، كان متفقاً بإجماع على حقيقة واحدة. التجليات النقية للسماوات لا يمكنها رؤية جويل! لكن المبتدئين والكهنة الصغار تحركوا جميعاً بتفاني صارم لأوامر كبار كهنتهم. لقد أصدر ثلاثة أعضاء من مجلس الأبراج أمراً بوقوع استدعاء سماوي، وتحرك كل الرجال والنساء الخاضعين لإمرتهم تلبية لذلك الأمر.
كان ذلك دليلاً متواضعاً على التفاني. لم تكن حبة رمل واحدة في غير مكانها حين اكتمل الجهد، ولم تكن قرية واحدة تقل عن مرتبة الكمال. تمركز سبعة عشر عرافاً حول دائرة الاستدعاء استعداداً للبدء، واقفين أمام كل عمود من أعمدة الغرفة التي كانت يوماً معبد كينتور قديماً. هيكل لم يكن يختلف كثيراً عن معبد الحارسة بيتا الخاص. لكنه نقي في مقابل ذلك المعبد البالي الذي طمته أطراف الزمن.
لقد استغرق الأمر ساعة كاملة، بدت ممتعة في متابعة تكاملها بقدر ما كانت مقلقة لمعرفة أن الجهد برمته محكوم بالفشل. مع ذلك، وحين اتخذ الكهنة الثلاثة مواقعهم معاً في أحد طرفي الدائرة، وجد ليو نفسه يتساءل شكاً. لعلّه كان مخطئاً؟ لعلّ الأمر برمته خطأ ارتكبه كل كاهن تواصل مع السماوات وجويل؟ لعل القدرات والمعرفة الممنوحة من أعلى مراتب تقاليد مجمع الملوك قادرة على إثبات خطأهم جميعاً.
تخثرت الفكرة في معدته جاعلة إياه يخشى أن يتقيأ طعام وليمة الملك الأعلى الدسم بإفراط. تولى الأب إيفاريستوس زمام المبادرة في الطقس.
"بيرسيفوني، ابنة الصيف، نجمة الموتى، سيدة الأرواح. بناءً على عهودي إليك وبفضل منك مستحق عن جدارة، أدعوك لتتفضلي بمحاورتنا في أمر يخص رعيتك."
تحدث بلغة الكينتور القديمة، ليس بالكلمات وحدها بل بالإيقاع أيضاً، وبالترنيم المتوارث عبر معابد القدم. أمكن ليو أن يسمع مِراس وعقوداً من التمرس والثقة، والنبرة الدقيقة والشد الواقع على كل مقطع صوتي. وردد صدى صوته كبار الكهنة الآخرون في حلقة، مع صدى ث ثالث أخير ردده العرافون الصغار الحاضرون. كل صوت كان يهبط ويرتفع بدقة تبعث على التواضع. لا شيء قادته الحارسة بيتا كان بمثل تلك الأناقة، ولا شيء شهده ليو نُطق بمثل تلك الرشقة.
طقوسه الخاصة بدت فجة وغير منتظمة مقارنة بهذه، وارتجالاته كانت غضباً جامحاً بالمقارنة مع طريقة انسياب كلمات عرافة المجمع معاً بمثل تلك الغاية، حتى كادت ترتطم كأحجار البناء لتشكل جداراً بلا فواصل. كانت وجوه العرافين الذين استطاع رؤيتهم صارمة، ملساء بلا أدنى أثر لخوف أو شعور. كان حضور الملكة فوريّاً، لم يكن هناك ضبابية مترددة في الهواء قد تترك أي شك في أي نجم يهبط لرؤيتها.
أتت من الجنوب، افتراضاً بأن تمركز أعمدة الأبراج الفلكية للمعبد القديم صحيح وأنها تتماشى مع معبد بيتا الخاص كما تعلم وجوب حدوثه. نجم أفقي، واحد يضيع عن سماء الليل في هذا الفصل حسب تخمينه. تطابق ذلك، فبيرسيفوني ملكة للعالم السفلي، وهي تفارق السماوات إلى الأعماق تحت الأرض في الشتاء. شعر بالسيادة تتجلى من أعماق الأرض، معجزة مجسدة بالكامل، حضوراً مطلقاً. لقد شهد الحارسة بيتا تستدعي نيرثوس مرة واحدة، لكن تلك كانت ملكة الحصاد والعربات والخصوبة.
ارتفعت بيرسيفوني وشعر ليو بريح باردة تسري في داخله كأن لحده ليس سوى هواء. روحه ذاتها كانت ترتجف كورقة شجر على وشك السقوط في الخريف جراء الحضور المطلق لملكة الموتى. علا قوامها فوق رؤوس كل الرجال الحاضرين، شاهقة الطول، في هيئة ذات ثياب سوداء مطلقة جعلت عينيه تشعران بالبرودة لمجرد النظر إليها. كان وجهها قناعاً أبيض كالثلج الطازج، وشعرها أسود كالحبر كثيابها، يحيط بذلك الوجه البيضاوي كنجم هبط من السماوات، أو صعد من العالم السفلي في حالتها.
لم يكن هناك تاج ولا إكليل على جبينها، لكن حضور ذلك الوجه ذاته، حين فتحت عينيها لتكشفا عن ظلام مطلق أجبر ليو على إدارة وجهه، لم يُبقِ أدنى شك في عقله. هذه كانت بيرسيفوني، ملكة العالم السفلي، وحارسة أرواح الموتى.
"مَنْ ذا الذي يجترئ على محاورتي؟"
كان الصوت شبيهًا بصوت النفس الأخير وهو يغادر، غنياً وأنيقاً وأشبه بصوت أم، شبيه بالحارسة بيتا وقد غدت ضخمة وساحقة لدرجة يصعب سبرها، لكنه تمعج أيضاً بالشهقات والنقرات لرجال ونساء محتضرين. خشخشة، تنهيدة، وزفير أخير حُوّل إلى كلمات.
"لقد استدعيتك، يا ابنة الصيف، يا ملكة الموتى."
لم يرمش الأب إيفاريستوس حتى في أعقاب ذلك الصوت، ولم يحول نظره عن تلك النظرة المليئة بالفراغ المطلق التي وقعت عليه، بل رفع بصري إلى وجه جعل قلب ليو يشعر وكأن جليداً يلتف حوله بلا أي علامة رعب.
"السلام لبيرسيفوني، سيدة الأرواح، حارسة الموتى."
أخذ عرافو الطقس الآخرون يرددون ترنيمة لتعقب صدى كاهنهم القائد. لكن العضوين الآخرين في المجلس ظلا مراقبين صامتين الآن.
"مَنْ ذا الذي يجترئ على مخاطبتي؟"
كان وجه الملكة وديعاً، أبيض ناصعاً، بشفتين بلون لحم الجثة المتجمدة.
"أدعوكي للظهور لتقومي بدور المرشد والحارس بصفتك سيدة الأرواح، لكي يتسنى لنا محادثة روح انتقلت حديثاً من الحياة الفانية."
تحدث الكاهن الأعظم إيفاريستوس وحده عندئذ. بقي الكاهنان الاعظمان الآخران صامتين، متراجعين خطوة واحدة إلى الوراء، متخذين موقع المراقبين، والمتدخلين إن لزم الأمر. لم يشاركا إلا في البداية ليثبتا نفسيهما كطرفين ذوي ثقل، لقد كان طقساً مصمماً ببراعة ولم يستطع ليو لوم الصنعة، ولا السكون الذي حافظا عليه الآن. ولا حتى العرافين الماهرين للغاية الذين كانوا يتبعون الأب إيفاريستوس في هذا الاستدعاء نجحوا في الحفاظ على ذلك المستوى من سكون الجسد والوجه.
"أي روح في رعايتي تبغون؟"
لم تركع بيرسيفوني، لكن هيئتها انحنت فوق كبار الكهنة، وظلت الشفاه وديعة، لكن الجبين بدا صارماً الآن. استمر ليو عاجزاً عن النظر إلى تلك العينين دون أن يشعر برئتيه تكافحان من أجل الهواء وبقلبه يبدأ في القرع ذعراً.
"نبغي روح جوناثان الثالث من آل روتشفورد، البارون السابق لروتشفرود، والد ألكسندر الثاني من آل روتشفورد."
لكان الأب إيفاريستوس تمثالا لفرط عدم تأثره بحضور بيرسيفوني، فصوت كان ناعماً، وكلماته دقيقة، ولم يكن هناك أدنى تلميح للهلع أو الرعب حتى وهو يرفع بصري إلى الملكة ويلتقي نظراتها وجهاً لوجه. كان كل تركيزه منصباً كلياً على ذلك القرص الأبيض الباهت. لم تتنطق بيرسيفوني، وكرد على ذلك ظهرت يد بيضاء رقيقة، راحة كفها أوسع من صدر ليو، من بين السواد الواقع أسفل وجهها. أصابع بيضاء رقيقة أثخن من فخذيه وبأظافر ذات الزرقة ذاتها التي رؤها على سطح نهر فاه المتجمد، انطبقت برقة حول شيء ساطع ومشرق.
تفتحت الأصابع، وتوهج الضوء بسطوع. اضطر ليو إلى التحديق بعينين مغلقتين نصف إغماضة، رغم أنه لم يجسر على التحرك لحجب نظره. استطاع بالكاد رؤية وسماع حركة الملك الأعلى وزوج الكونتيسة وهما يتراجعان بصورة أوضح. وعندئذ، واقفا على كف الملكة، بدا اللورد روتشفورد الراحل. جلده أبيض باهت كجلد بيرسيفوني، لكنه معافى وواقف في زي غريب من الجلد الأسود أثار ذاكرة ليو. سمع لهاثاً من جانبه حين وقعت عينا زوج الكونتيسة بوضوح على الرجل.
انحنت هيئة ملكة الموتى أخيراً، محنية نفسها في وضعية القرفصاء أمام كبار كهنة مجمع الملوك، مانحة البارون الراحل روتشفورد رحلة خطوة واحدة ليهبط من كفها إلى حجر المرمر في قاعة الولائم. بدا همس زوج الكونتيسة حاداً وسط السكون الذي هبط المكان.
"اللورد روتشفورد؟"
لم يكاد ليو يقابل الرجل شخصياً، لكنه وجد نفسه مسماراً في مكانه وسط الصدمة وراحة مخجلة تنمو ببطء في قلبه. لقد كان مخطئاً، لقد أخطأ تماماً بشأن الملوك، فهي ليست غيورة وحاقدة وحمقاء. كان كبار كهنة مجمع الملوك على حق، فما كان يقف أمامهم هو الحقيقة. عند استدعاء الاتصال بالموتى، أقصى ما شهده ليو كان صوتاً في الظلام، أو وجهاً في النار، أو ربما ظلاً مسلطاً على جدار الروح التي تم التواصل معها.
لقد كان ذلك كافياً لاحتياجات أغلب الناس للتصالح مع أحبائهم المفقودين. لكن الأب إيفاريستوس استدعى تجلي ملكة، وها هو روح الرجل المطلوب يقف أمامهم صلباً كالحي. حاضر بلا جدال. التفت روح اللورد روتشفورد الميت نحو زوج ابنته، وابتسامة موجعة ترتسم على ملامحه فوق الجمود الذي كان مطبوعاً عليها من قبل.
"باول... قل لابنتي ألا تحمّل نفسها وزر موتي."
لقد سمع ليو ذلك الصوت من قبل، صوتاً ونبرة مألوفتين بشكل مبهم، لكنه وجد شفتيه ترغبان في العبوس معارضتين انضباطه كعراف. لماذا كان اللورد روتشفورد يقول ذلك بينما كانت ابنته واقفة هناك إلى جواره مباشرة؟ ولماذا نظر أبوها متجاوزاً ضخامة جويل ليخص زوجها وحده بالذكر؟ قبل أن تستقر الفكرة، ترددت نبرة التنين في الهواء، وصنع الصوت ذاته هيئة الرجل الميت والملكة على حد سواء تتموجان كأنعكاسات في ماء مضطرب.
"أنا لا أعرف ما تراه أو تسمعه كلكم، لكن ليس هنا سوى القطع الشحيح للمعجزات والنظرات الخاطفة من النجوم."
آه! تنهد ليو حقاً من الأعماق لذلك! لقد تحطم رباطة جأشه كعراف وكاهن متدرب لفترة قصيرة. إذاً، لم يكن مخطئاً بعد كل شيء.