التنين اللامع الفصل 433

اقرأ التنين اللامع الفصل 433 باللغة العربية على مانجا تايم.

١٤٫٨ لم يكن هافل يتوقع المجيء إلى عاصمة المملكة. ولم يكن يتوقع حقاً مغادرة مبنى البانثيون طوال مدّة مهمّته. لكن حدث أمر أثار اضطراباً في المكان برمّته، ممّا استدعى منه تتبّعهم طوال الطريق إلى هنا. أمر لم يكن هافل يعلم كنهه حقّ المعرفة بعد! كان يحاول إيجاد فرصة للتسلّل إلى أحد اجتماعات مجلس الأبراج الفلكية، غير أنّ أموراً كهذه كانت تحظى بمراقبة منيعة. لم تكن هناك أيّ طريقة للتسلّل إلى تلك القاعات قبل أن يملأ حضور الوعي المكان كالجعة في الكأس!

وخلافاً للغرف الحقيقية المليئة بالفضّة والذهب، حيث الأسرار السحرية التي تتيح للرجال الفانيين — لا السحرة أو العرّافين أو المشعوذين، بل الحرفيين البسيطة أيديهم!

— خلق خزائن ضئيلة، أو أيّ من تدبيرات مؤسسة بولشافا لما كان هافل واثقاً تماماً من أنه اغتيال لبعض أعضاء المجلس ذاته؟

كلّ ذلك كان مكاناً صعباً ولكن ممكن التسلّل إليه بمهارة هافل، أما اجتماع أعضاء البانثيون الموقرين والأعلى رتبة؟ فهناك حيث كان يظنّ أن النظرة الكاملة للآلهة نفسها تقع على العالم فلا تترك حتى شظية مكان غير مراقب لتُبقى. لذا فقد أرسل رسالة يُعلم فيها أديلين بالمكان الذي يتوجّه إليه، وحصل على ما يكفي من الفضة المسروقة من البانثيون لضمان بقاء بقية فريق النقابة في كانتور القديمة مع ما يكفي إلى جانب الأجر الذي عثروا عليه في مهن مختلفة للعمل بأوامر أديلين.

لم يكن أيّ منهم بارعاً كمهارة هافل في تعويذة سيّدة النقابة، لكنّهم جميعاً تجاوزوا فترة التدرّب. كان على وشك البقاء في الخلف إلى أن اكتشف أن بيتر بولشافا بنفسه سيقوم بالرحلة أيضاً! وطوال الوقت الذي راقب فيه هافل ذلك الرجل، بدا العجوز المرن فوق سنه عازفاً عن مغادرة مكانه، كعنكبوت عجوز ملطخ بالبقع! لكنّ ذلك الجسد البشريّ الشاحب كالميت قد استُدعي إلى مجلس قاعات الأبراج الفلكية لمناقشة أمر ما، وبعد ذلك اشتعل ذلك الهوس الناريّ في عينيه وخلافاً لكلّ مرة أخرى لم ينطق بكلمة واحدة، في السرّ أو العلن، حول ماهية السرّ بالتحديد.

مهما يكن هذا السرّ، فقد كان جسيماً بالقدر الكافي لجذب قرادة مثل بيتر فولشافا بعيداً عن دماء البانثيون العصيرية المغمورة بثروته التي تبدو بلا نهاية. لذا تسلّل هافل بين الحاشية مستخدماً ثياب خادم مبتدئ وانضم إلى أعضاء المجلس الثلاثة في طريقهم شمالاً إلى وادي الرجال. لقد كان الأمر مريحاً إلى حدّ ما في مجمله، فبخلاف الاضطرار للاكماش والهرولة وأداء المهام كما يُتوقع منه بطرق تجهد حقاً استيعابه لتعويذة سيّدة النقابة، لم يعانِ هافل شيئاً.

فزوج إضافي من الأيدي العاملة وفم إضافي صغير وإن كان للجوع على الطريق لم يُلحظ حقاً وسط المئات عديدة كان البانثيون وحده يرسلها. لم يضطروا حتى للمبيت في معسكر معظم اللالئ على الإطلاق! بل كانوا يسلكون الطرق للبقاء في باحات معبد هذه القرية أو تلك. وحتى حين كان يُعدّ يتيماً خادماً وضيعاً لأسمى العرّافين، كثيراً ما كان يحصل على سرير ينام فيه مع نحو عشرة أو اثني عشر شاباً آخرين.

لقد مرّ بلحظات عصيبة حين سأله «زملائه الخدم»

عن حياته، لكنّ بضع نضمات لاهثة بلا صوت وبعض الإيماءات أقنعت الأطفال الآخرين بأنه لا يستطيع الكلام. لربّما كان هافل سيعمل بسعادة أكبر لو تجنّب أسماء الفتيات الأربع أو الخمس التي أُلصقت بتمويهه بعد ذلك، لكنّ عدم اتفاق أحد تماماً على هويته الحقيقية ساعده في تفادي إجهاد استخدام خدعة سيّدة النقابة أكثر من اللازم. وساعده أيضاً عدد الأيتام الذين كانوا يعملون لأجل البانثيون في كانتور القديمة.

وها هم أولئك، أعلى سلطة في البانثيون ومعابده يمتطون الجياد في شوارع عاصمة كانتور المبعوثة من جديد. وانضمّ حراس المعبد إلى عدد مُماثل من مرتزقة مؤسسة بولشافا، وكان هافل على واثق من أن كلّ ذلك كان فخماً ومؤثّراً للغاية، ومن المرجّح أن هناك بخوراً وتراتيل ومعجزات للجماهير والشخصيات المهمّة التي تشهد ذلك. ولم يُدرج هافل، المتنكر في زي يتيم خادم أبكم، في أيّ من ذلك.

بل أُرسل مقدّماً مع بقية «الطاقم»

لتجهيز الإقامات لأعضاء مجلس الأبراج الفلكية الثلاثة. وكانت تلك اللحظة المثالية للتخلّص من الخداع، ونزع أغطية الطفل المبتدئ، والبدء بشقّ طريقه عبر أروقة أراضي قصر كانتور المبعوثة من جديد. لم تكن طريقة النقابة أن يُبلغ برسالة من أديلين حول كيف سارت الأمور هنا، لكن آخر ما سمعه هو أنه سيكون هناك ابن نبيل موالٍ يُدرَّب على فنون النقابة بأفضل ما يمكن تدبيره.

أصغى إلى الخدم، وتتبّعهم، ووقف حيث لا تقع العيون، وبعد أن تكوّن لديه إحساس بالطريقة التي تحركت بها عيون الآخرين فوق ثياب أقرانهم، تسلّل إلى المغسلة وأمّن زيّ متدرب، وراودته برهة فكرة محاولة الحصول على الزي المخصص للأبيان الصغار، لكن بلا قناع كان وجه هافل يميل إلى «الأنوثة»

أكثر من اللازم. وبعد أن تنكّر بالشكل الصحيح استقرّ في الحركة والمشية اللتين تجعلانه يختفي.

وكانت تختلف باختلاف المراقبين، فلأجل البالغين بين الطاقم كان عليه التركيز بقوة على كيف أنه «يحتاج»

قطعاً ليكون حيث تتطلّب منه سيّدة النقابة.

التأكد من وجود تلك الجرعة الإضافية من التسرّع في خطواته، ولكن ليس بالقدر الذي يجعله بحاجة إلى توبيخ لي«يتذكر دروش»

أو الأسوأ من ذلك أن يُؤخذ فعلاً إلى زاوية منعزلة من أجل «عقاب»

ملائم. ووَجَد أنه من المفيد أيضاً أن يحمل سلّة غسيل مطوية بعناية ليتسابق بها، دون أن يبدو بالطبع كأنه يتسابق. بصراحة كانت التقنية متينة للغاية، ولا تختلف كثيراً عن التدريب الذي استقرت عليه أديلين وبقية أعضاء النقابة لأجل متدربيهم. إن تحركت بسرعة كبيرة تجذب العين، وقد ساعده قياس خطواته مع المراقب الشائع الآخر الذي كان بحاجة لأن يكون دونه مرأى. النبلاء ومن يظنون أنفسهم كذلك.

ولهؤلاء كان القصر مخترقاً بسلسلة ممتازة من الممرات الثانوية والمداخل النحيلة وأروقة الخدم الأخرى لتجنّب إزعاج رؤية الضيوف الذين يشغلون أجنحة الضيوف العديدة في أراضي القصر. أنصت هافل واستشعر العيون والآذان وفي مكان غريب واحد الأنوف المألوفة جداً لضيوف الملك الأعلى لكانتور المبعوثة من جديد. مجموعة مألوفة جداً من الأنوف حقاً. وضع حزمة غسيله في مساكن الخدم ثم خطا خطوة إلى الغرفة التي تضمّ ثلاث مجموعات من الأنوف المألوفة للغاية.

يا للهول! لقد نما التوأمان كالأعشاب الضارة! ألم يُفقسا منذ عامين فقط؟! لم يستغرق الثلاثي وقتاً لملاحظة هافل، لكنها كانت جيم التي استنشقت بقوة ثم التقطعت العيون الثلاث نحوه فجأة. كانتا تشتركان في عيني والدتهما السوداوين اللتين لا تُسبر أغوارهما، ولولا هبة سيّدة النقابة لما كانت لديه أيّ فكرة عن المكان الذي تنظران إليه. وكما استقرّ الأمر شعر وكأنه قد سُلخ بالطريقة التي وزّعته بها العيون الثلاث وفحصته.

مشى نحوهما بالنعومة اللطيفة لخدم القصر. وفي معرض التأمل كان عليه أن يشارك ما رآه هنا، لقد كان بصراحة أفضل قليلاً مما كانوا يعلّمونه للمتدربين.

"اللّادي جيم، التحية مرّة أخرى، هافل نايتمانسون، من نقابة الأيتام والمرضى والعرج وسائر المتسولين المتنوعة."

أبقى وجهه منخفضاً يحجبه عن نظرتها بينما كان يتحدث، فبدون قناع أو إبهام خدعة سيّدة النقابة جعله ذلك يشعر بالعري، ووجنتاه تحمرّان بالفعل من الإحساس، وعيناه تلتويان إلى حيرة صادقة، وشفتاه عاجزتان الآن عن اتخاذ أيّ شكل سوى خجل إظهارهما.

"آه، هافل! أتتبّعتنا من روتشفورد؟ لم نشمّك في القافلة معنا."

كان التوأمان المرتفعان عينة مهيبة للغاية، بكل تلك الزوايا الحادة والعضلات الهزيلة والقشور الحادة المدببة، وقرونها وأعرافها جعلتهما تبدوان أشبه بنسخ بشرية نسائية لوالدتهما أكثر بكثير ممّا بدا عليه جيم قط. كان الثلاثة مرتدين على طراز وقصّة اللباس الذي ارتدته جيم دائماً حين رأها هافل في كاكيتيه. هزّ رأسه، مستخدماً الحركة للحصول على نظرة خاطفة أفضل في أنحاء الغرفة.

"لا لادي جيم، جئت هنا من البانثيون، في موكب مجلس الأبراج، لقد حرّك أمر ما أعلى المعابد والعرّافين. وقد رأوا سبباً للمجيء إلى هنا مباشرة. والسبب بالتحديد لم أستطع معرفته."

لعق شفتيه، عاجزاً عن منع وجهه من إظهار توجسه، كان يعرف ما قالته أديلين، وقد رأى ذلك بعينيه، لكن التحدث إلى جيم ما زال يبدو كالطفل، كان لها إحساس خاص بها على الرغم من السنوات التي طابقت هايدي أكثر من المرأة التي تقارب العشرين عاماً.

يبدو أنه لم يكن الأيتام وحدهم من لديهم شيء من «لعنة»

التنين.

استطاع الشعور بتلك العيون، كانت جويل الآن تنظر إليه باهتمام، لكنّ كلاً من ذلك «الفرخين»

الآخرين كانتا تتناوبان في اكتساح نظرتهما عليه، ثم الغرفة. دون ترك أيّ من مداخل الغرفة بلا مراقبة. وأخيراً تحدثت الابنة الكبرى لكونتيسة فيزنوف. أمالت جيم رأسها إلى الجانب ثم تنهدت.

"إنه أمر كـ- أننا اكتشفناه «نحن» والأب ليو حول طبيعة السماوات. سرّ يجب الاحتفاظ به في كتمان في الوقت الحالي."

تأمل هافل ذلك، أمر اكتُشف حول طبيعة السماوات؟ كان واثقاً تماماً من أنه لو كانت أديلين هنا لأمرته بالمعرفة على أيّ حال، لكنه أُبلغ مسبقاً بأنّ كلمة جيم يجب أن تُؤخذ على أنها تساوي كلمة الكونتيسة نفسها. وأديلين خدمت الكونتيسة. نهض من ركوعه والتقى بالابنة الكبرى للكونتيسة سافر الوجه، وكل القلق والعزم باديان للعيان، وتأكيد الحقيقة مكتوب في ملامحه المتململة.

"أنا متفهم، سأُسقط تحقيقاتي في الأمر، لكنّ هذا ليس السبب الوحيد الذي جعلني أتبع مبعوث البانثيون إلى هنا. أقرأتِ تقريري عن شريك البانثيون بخصوص بيض التنانير الحقيقية؟"

أومأت جيم، وشعر هافل بالتغير الطفيف في النظرة الذي كان يعني ثنياً في رقبتي الشخصيتين الشامختين، فرؤوسهما وأكتافهما تتحركان لكنهما امتنعتا عن الإيماء بشكل سافر مع أختهما الأصغر سناً والأكبر مقاماً.

"رئيس تلك الجماعة هو بيتر بولشافا. إنه رجل بائع خادع وخطير، وكما كتبت مسبقاً فهو يحاك شراً تجاه بعض أعضاء مجلس البانثيون الأعلى بسبب الكيفية التي حاسبوا بها استمرار شراكتهما. ولكن على الأقل بقدر ما استكشفتُ، لا يعلم هو نفسه حتى اللحظة من هم ضده بعد."

عبست جيم وأومأت مرّة أخرى، ومجدداً كاد التوأمان المرتفعان أن يتحركا. والآن وقد صار يبحث عن الأمر استطاع هافل رؤية التحركات من طرف عينه بينما كان يواجه ابنة الكونتيسة.

"ذلك الرجل يحب مكانه في كانتور القديمة، لكنّ مهما كان ما اكتشفته أنتِ ووالدتك فقد جذب العنكبوت العجوز من منتصف شبكته. إما ذلك وإما أنه قرر أن هؤلاء الأعضاء الثلاثة في المجلس هم من يستحقون غضبه."

وأخيراً تحدثت «مولودة»

الكونتيسة الأولى من فيزنوف.

"أتتوقع أنه قد يسعى لاغتيالهم بينما هم تحت حماية الملك الأعلى للمملكة؟"

هزّ هافل كتفيه.

"لا أعرف، إنه مكان والدتك وسيّدة النقابة لجمع هذه الأمور معاً، لكن ما لم يكن السرّ الذي تكتمانه ذا أهمية بالغة لبائع هرم مهووس ببيض التنانير، فسأقلق بشأنه."

أومأت الفتاة بجهامة، تلك التي على الرغم من عمرها وسماتها الأفعوية بدت أصغر سناً حتى ممّا هدده به إطار وجه هافل في انعكاسه.

"أرى ذلك، شكراً لتقريرك هافل نايتمانسون، امضِ في شؤون نقابتك الآن وبما أنك لم تأتِ هنا مع موكبنا، فيجب عليك التواصل مع نظيرك، مارسيل بيتراتسون أوف أستارا."

تقبل هافل الطرد على حقيقته، فقد أبلغ «رئيسته»

وربّما تمضغ أديلين وجهه لاحقاً لعدم الذهاب إلى أبعد من ذلك، لكنّه فاته عامان مع فتياته من أجل مهمة كانتور. إن أرادت منه الذهاب إلى أبعد هنا لكانت أتت مع الكونتيسة نفسها. تسلل خارجاً من الغرفة عبر مدخل الخدم، والتقط سلّة غسيله، ورفعها لتحجب وجهه عن المارة، ثم واصل شقّ طريقه عبر جناح الضيوف. باحثاً عن خبر قد يقوده إلى ابن النبيذ هذا الذي أقنعته أديلين بالعمل مع الأيتام والمتسولين.