التنين اللامع الفصل 421

اقرأ التنين اللامع الفصل 421 باللغة العربية على مانجا تايم.

13.7. كانت الأم تنتظرهن في باحة حصن روتشفورد. كانت تعلم بالأمر. أرسلت جويل رسالة لتحذيرها فور وصولها إلى بليداتين. أمضى ألكسندر طريق الشمال مُحلقاً في سوط العاصفة. انضمت إليهما جويل. لم يُتبادل بينهما حرف طوال الرحلة. رأى كل منهما الحزن في عينَي الآخر. تَبادلا ضغطةً محكمة على الكتفين. احتاجت جويل إلى استخدام التوأمين لأجل ذلك. كان غريباً كم تشابهتا هي وألكسندر معهم. تماماً مثل صغار جويل حين يفترقون.

ليس بالتقارب نفسه لكنهم يد واحدة في الحزن. لم تكن هناك هتافات لتحيتهما كما يليق بمسيرة ظفر. لم يكن هناك استعراض. الجميع كان يعلم. أُبلغ حصن روتشفورد بأكمله. وقف حراس منزل العائلة على أهبة الاستعداد على جانبيها بينما تقترب هي وسوط العاصفة وألكسندر من الأم. تساقط الثلج في حبيبات متفرقة. لدغ البرد لحم صغارها رغم العباءات والفساتين. ورغم أن معظم أولئك الرجال على الجانبين ساروا معها طوال الطريق شمالاً حتى ديارهم فقد وقفوا إجلالاً لأبيها.

مثل الأم تماماً. انتظروا الأخبار. سار ألكسندر في المقدمة بينما توقفت جويل مع سوط العاصفة. كان الغريفون الفتي قلقاً. تململ من التوتر الذي يشعر به راكبه ويكاد لا يُظهره. بصفتها وليّة العهد كان مكان أخيها هو إعلان الخبر. كانت جويل أخته الصغرى بل وأكثر من ذلك لَكَأنها سيّدته القادمة. قد تكون ابنته. لكن عليها الآن أن تكون كونتيسة. خلف مطرانة عائلة روتشفورد وقف نساء حلقة نَسْج الأم والخدم الذين رتبت انضمامهم لها لتلك اللحظة.

على أحد الجانبين تعرفت جويل على إحدى الفتيات ممن حضرن ولادة غوين. بدت بالغة بينما كانت من قبل نحيلة ضئيلة. تقدم ألكسندر نحو الأم وسحب من تحت عباءته حزمة الجلد. كانت أقصر منه بقليل. مدّها إليها كما هو متوقع. كما ينبغي. كما تقضي التقاليد. وبجانب الأم عجزت غوين عن حبس دموعها. لكن أحداً لن يوبخها على ذلك. فرغم كل شراستها كانت لا تزال صغيرة في النهاية. أمسك ألكسندر الحزمة بكفّين مفتوحين لتتمكن الأم من بسطها ببطء.

تحت سماء الظهيرة الشاحبة لأواخر الخريف. تفكك الجلد والقماش ببطء. بُسِطَ فوق ذراعي ألكسندر الداعمتين. كشف عن عظم روتشفورد الأبيض المألوف للقوس. مقبضها من الجلد الأسود المبرقش. وترها الوثري متروكاً مرخياً لكنه مرن كما كان دائماً. أثرة تناقلتها عائلة روتشفورد لأجيال. قوس من عظم التنين. تنين نسر كما تقول أسطورة العائلة. انتُزِعَ وشُكّل من ضلع. وتر أجنحتها. جلد ساقها. تتبعت أصابع الأم خطوطها.

الآلة التي رافقت الأب طوال حياة جويل. التي كانت جزءاً منه ومن مكانته في العالم كيديه. بدا الآن وحيداً وناقصاً دونه. حبست جويل دموعها. تألم وجهها من الجهد المبذول في وجوهها الأربعة. ثرثرة ثماني عيون توخزها بجهد لضبط النفس. كسر الصمت المبرد كلمات ألكسندر.

تصدع قلبها لسماع مدى ثبات صوت وهو ينطق بالكلمات: "أبي، سيّد روتشفورد من بيت روتشفورد قد مات. سقط من السماء في معركة مع مطيته زيفيرفام في خدمة مشرّفة للسيّدة في الحرب جويل من روتشفورد من بيت روتشفورد، كونتيسة فيزنوف".

أخذت الأم نفساً مرتعشاً. عرفت جويل ما هو آتٍ. قرأت التقليد. رأته في التجمعات الصغيرة بالمعبد من قبل. والأكثر من ذلك شعرت بالطريقة التي يُجذب بها العالم. بأن القوس ذاتها بدأت تتحرك وتتدفق لهيب السحر. بالطريقة التي تتحرك بها النجوم والسموات في الأعلى باهتمام رغم طردها خلف سُحب وظهيرة اليوم. جُذِبَ السحر نحو الأم. التفت حول رأسها. ملأ حلقها. السحر والتقاليد والأنماط تتخذ مكاناً في أنفاسها ذاتها.

مطرانة عائلة بيت روتشفورد. زوجة القتيل. استنشقت وزفرت.

تابع ألكسندر الكلمات: "نِيلَ ثأره. من أسقوه أرضاً صُرِعوا. لا لعنة ولا ضغينة. لا ظلم يُرفع. أُحرق بشرف مع مطيته كفارس غريفون".

استنشقت الأم مجدداً ثم زفرت ببطء. أخذت غوين لحظة لتستعيد نفسها وتلتقط أنفاسها معها. انضمت إليهما جويل عند النفس الثالث. كالعادة تدفقت مشاركتها في السحر بقوة حولت العابر إلى صتم. أصبح تموج الريح الخافت حماسة عاتية. لكن لا بأس. حبست الألم لأيام. لجل موسم الدماء تقريباً. كان زفير الأم التالي حاداً. بصوت طفيف. تحذيراً لما يأتي تاليًا. سحر مرقط على أنفاسها. انحرف اهتمام السماوات.

عند الشهيق التالي انضم صغار جويل وكل السيدات اللائي جئن للانضمام إلى الأم في هذا الطقس الأخير. هدأ الهواء بينما استنشقوه. كأن حياة الحركة في العالم ذاتها تُسحب من الباحة. ثم بصوت أصم غليظ يتردد في ذلك السكوت بدأت الضربة الأولى من قبضة أمها على صدرها في إطلاق النحيب. تتبعها صوتها. قادتهن لكن قريباً وعلى الرغم من كل جهد لعدم طمس حزن الأم صار صوت جويل هو المهيمن. ورغم علو حلقها وححدة الصخة لم يُضَع أي من أصواتهن.

السحر المجدول بإرادة جويل وحدها لم يُبقِ صرختها مسموعة وحدها. صرخة ابنة ينبغي أن تغرق حزن أمها الآن! صرخن في السماء. ضربن صدورهن. أصوات تتلوى في الهواء. غوين وجويل. الأم وكل سيداتها. جيم والتوام أيضاً. حملت أصواتهن إلى السماء وفي أذنيها سمعت أصداء صرخات في الريح. أكانت نساء روتشفورد ينضممن إليهن؟ صعب القول. ألمّ بصدرها وجع من القبضات التي تضربها. تنين أم صرخ لم يهم بطريقة ما.

لحم وعظم كان يمكن أن يتلقى قبضة عميق أو سقوطاً من السماء بلا كسر بدا كأنه يمزق ويتكدم من الداخل بينما تدلك أضلعها وتنوح. لم تستطع رؤية ألكسندر. لم تسمع صوته لكنها شمّت دموعه. واقفة أمام أمه بينما تصرخ أصوات نساء روتشفورد نحو السماوات. تتلوى مع قرع الطبول المصنوعة من أجساد حية. كان حزن أم على زوجها. كان صوتها هو الذي قادهن. لكن كلما طال بكاء جويل معهن كلما سمعت ألم أكثر من ذلك.

من أمهات لأبناء. من أخوات لإخوة. من خسارات طازجة في ذلك العام نفسه وعميقة. جروح قديمة ظلت مغلقة طوال العمر تتفتح مرة أخرى كالزهور. تزهر في حزن طازج ومؤلم كما كان من قبل دائماً. ارتجفت السماء الملبدة بالغيوم لأصواتهن. لم تعد محبطة بحلق جويل بل مدعومة ومُشجّعة ومقواة. صوتها نسيج وتر حجرة مجوفة لصدى ونشر حزن أمها. شعر صدر جويل بالتشنج. كأن الصرخة التي تطلقها رمح صائد تنانين يحشر بين أضلعها ويفسخها!

أخذت الأم شهيقاً صارخاً. لم يُوفرها صوتها من تدفق الحزن حتى للتنفس. ببساطة صار أشد ححدة وألماً قبل أن تكتمل امتلئة رئتيها لتصيح من جديد. سقطت جويل في الإيقاع. اهتزت الغيوم بالاعلى. ماتت الريح. هدر صوتها فوق التلال وضد سفوح الجبال التي تؤوي وادي روتشفورد. فقدان الرجال والأطفال والآباء والأبناء. كل ألم الحزن من الأمهات سقط كالرعد فوق ثلج أواخر الخريف. انضمت جويل إلى النحيب وتذللت أباها.

موريل. الرجال المرعوبون المأمورون لموتهم في لهيبها. لم تدرِ كم دام الأمر. لكن في نقطة ما خبا صوت أمها. غدا ساكناً وتبع صوتها الخاص المسار الذي قاده. شعرت جويل بألم خام في حلق جيم والتوائم. تطلبت عيونها الثمانية كلها الرمش لتصفيتها من الدموع. لكن لمرة واحدة لا يمكن أن يكون هناك خجل في ذلك. لا يمكن أبداً أن يكون النحيب موضع خجل. ولا حتى للدموع. بالنظر إلى ألكسندر. بالتلفت إلى الحراس لم ترَ عيناً جافة بينهم.

كانت وجنتا أخها تلمعان. لكنه وقف صامداً أمام هجوم حزن أمه. ما زال يرفع عالياً قوس أبيه والبيت. بين غوين وأمها وُجدت آثار الدموع المتوقعة. عيون محتقنة بالدم. خطوط محفورة بعمق من الألم والفقد والحزن. لكن بهزة مرتعشة من يدها أشارت أرملة جوناثان الثالث من بيت روتشفورد إلى نهاية النحيب. أغلقت أصابعها بلطف أولاً. ثم قبضت حتى تحولت المفاصل إلى اللون الأبيض ورفعت القوس الشاحب بمقبضه الجلود الأسود من يدي ابنها.

تصرف ألكسندر بحسن سلوك. طوى القماش والجلد بحركة واحدة بينما استطاعت ذراعاه أخيراً السقوط إلى جانبيه مستقرتين مع تلك الحركة في ركوع. تحدثت أم جويل بصوت خام.

غليظ بالألم والحزن: "سيد روتشفورد قد مات. لكن وارثه يعيش. انهض يا بني. ألكسندر الثاني من بيت روتشفورد. سيد غريفون روتشفورد".

انتظرت جويل في البرد بينما نهض أخوها مرتجفاً من ركوعه. مدت يده وأمسكت بالقوس المعروض. ثم انهارت الأم بين ذكريات سيداتها الحاضرات. وأخيراً استطاعوا جميعاً الاحتماء من برودة الخريف.