١٣,٤ حدّقت جول في غياب الخراب المقلق. بدا الأمر خاطئاً بشكل ما أن تملأ هذه المساحة الخضراء الحقول التي شهدت نهاية مراد وجيشه. على عكس كل مرة أخرى جلب فيها حاصد القمح الحبوب والثمار والكلأ من الأرض، كانت هذه المساحة التي سقط فيها الكثيرون غضّة، وكانت الأوراق قرمزيّة نعم، والسيقان حمراء متألقة، واللون الوحيد غير الأحشاء وسط أوراق الشجر كان أزهاراً بيضاء باهتة. لكنها كانت خضراء!
حتى في الحرارة المزعجة لقبو داسيا الجنوبي، كان المشهد أليق بالربيع منه ببداية الخريف.
أُحرقت الجثث، أو بالنسبة للعدو قام حاصد القمح وفلاديمير «بحرثها».
حدّقت وتساءلت، أانتهت الحرب؟ مات مراد، ومات كل أمرائه، ومات كل القادة والضباط الذين حاولوا التجمع والقسوس الذين وقفوا معهم أيضاً. تكوّمت آلاف الجثث على الأرض بينما رفض المخلصون الناجون الفرار، رغم تحطم ملكهم ورباطهم به. بأي معنى عقلاني للكلمة، كان ينبغي لجول أن تكون المنتصرة. لكنها لم تكن متأكدة في تلك اللحظة إن كان بإمكانها إعلان ذلك، فإنه لم يكن هناك، على حد علمها، أي شيء يشبه تحديداً مملكة ماغارسكا الموحدة بعد الآن.
لا أحد يمكنه تمثيل مملكتها والاستسلام لها.
وصل رسول بعد يوم من وفاة مراد قادماً من فلاديميريسكو في أوراد، وقد رُفيع اللورد موريك حارساً للشعب حين وصلت إلى أسوارهم أنباء الفارين المذعورين من «نصر»
جول. وكان فِعله الأول بهذه الصفة هو إعلان أن أوراد والقرى التي تدين لها بالحماية ليس بينها وبين فيزنوف أو كونتيتها خصومة. لكن مدينة واحدة وقراها لم تكن مملكة ماغارسكا العليا. مشت إلى حيث كان فلاديمير تيبيس بلا درع يركع في التراب بقميصها الداخلي وسرواله. لا زينة على الرجل، ولكن بصراحة، كان ذلك أفضل بكثير إذ كان يلوث نفسه وهو يؤدي بخرق ما أملاه عليه حاصد القمح بخصوص إحدى الشجيرات الحمراء الأوراق حديثة النمو.
«آه انظري هنا، تحتاجين إلى تقوية الجذور أكثر، شيء فخم صنعته، إدخال لعنة دمك في الأوراق والساق، سيصنع أشجاراً قوية غنية بالحديد إذا زرعتيها في المكان الصحيح من الأرض».
أومأ مصاص الدماء برأسه لكنه لم ينطق بكلمة، وعيناه ممسوكتان مجدداً، لا تظهران أي أثر للجوع الشره الذي أطلقه في ساحة المعركة. رفع حاصد القمح بصره إليها بينما كانت تتجول في الخضرة القرمزية التي تركت خلفها.
«ما زلت تفعلين هنا أيتها الحية الديكة؟ انتهت الحرب، لقد فزت بحق».
زمجرت جول، ألم أيام القتال، ومراقبة الرجال المرعوبين وشمّهم وهم يندفعون خلفها. لسعة الرماح في جنبيها، وهي تقطع أحشاءها. احترق كل ذلك فجأة في الداخل أسوأ بكثير من أي لهب ووجدت الكلمات طريقها للخروج من حلقها وفوق فمها قبل حتى أن تستطيع التفكير في أنها قد تكون سحراً.
«أفعل؟ لا يبدو هذا كنصر! أين الاستسلام؟ أين النبل في ذلك؟ لا يبدو هذا كنصر! إنه لا يعدو كونه جريمة قتل!».
حدّقت في حاصد القمح بصدمة، وهلع لحظي من أنها قد تكون نطقت بلعنة بطريقة ما، لتكتشف أن مجرد كلمات هي ما غادر شفتيها. استند الغريب بلون القش إلى الخلف بمرفقه على مجرفة لم يكن يبدو أنه يمسكها إلا لهذا الغرض تحديدا. كان قميص جذعه ينثني بانثناءة حادة غير بشرية أدركت جول أنها لعدم وجود عظام تُذكر في ذلك الشكل، بل قش وحبوب وجلد حمل ناعم.
«يا لها من حرب فخمة تلك التي خضتها قبل هذه أيتها الليدي وورم، حرب انتهت بشيء آخر غير القتل؟ ليباركك السماوات والأرض لأنك عشت حياة فيها مثل هذه الحرب».
نظرت عبر الحقل ثم رفعت بصرها إليها.
«لا أعرف أي هراء نبيل فخم للحرب عشتِه من قبل الليدي جول، لكن كل حرب رأيتها كانت خطأ عظيماً على كل شخص وكل شيء تلمسه. الحرب تمتص الحقول جافة، وتجر البنات والأمهات من بيوتهن ومزارعهن، وتفسد البذور في بطونهن وقلوبهن، وتحفر قبوراً لا تنتهي للرجال والفتيان والمزارعين والأعداء والحلفاء على حد سواء، سميكة وبعيدة بما يكفي لإغراق حقولي في عظامهم».
نظرت إلى أوراق الشجر القرمزية وسيقان الحب البورجوندي الغريبة التي تنبت حولهما.
«أولئك الحمقى الأثرياء الذين يرقصون في المدن، يمتصون الجميع حقاً جافين من أجل جوعهم المريض يسمون الحرب حصاداً، لكن الحرب لا تحصد شيئاً سوى الموت والبؤس. وعلى حسب ما تكون عليه الحروب؟ كانت هذه واحدة من أفضل ما رأيت».
أومأ برأسه لفلاديمير.
«كان رجل من اللوردات العظام مستعداً لقطع ثلاثة أجزاء من عشرة من الحقول وإعطائها لمن ينبغي أن يكونوا قد حصلوا عليها حقاً منذ البداية. والأكثر من ذلك أنه مستعد للاهتمام بأرضه بطريقة نادراً ما يفعلها النبلاء».
التفت إليها وأومأ.
«كان وحش عظيم من نوع وورم مستعداً لمساعدة مزارع بسيط لتجنيب آلاف البشر الذين لم يفعلوا شيئاً يستحق النهب والسرقة وأسوء من ذلك بسبب علف رجالها، واللقيط الحقير الذي كان يدفع الفتيان المساكين في جيشه للقتل والموت من أجله قد نال جزاءه وتحول إلى تراب أسود جيد وتربة ستطذي أجيالاً».
رفع حفنة من حافة قبعته، ثم مال إلى الجانب، التفتت جول برأسها، راءة جيم والتوأم يركضان نحوها، وبدت وجوههما مفجوعة. قبل أن تستطيع حتى نطق كلمة واحدة وصلوها، وغسلت ذكرياتهن كل فكرة من قلبها، واصطدمت الكلمات التي وصلت مع رسول على حصان أُجهد حتى الموت ليحقق سرعة بقلبها محارقة كل ما عداه. خط المؤخ البسيط والمحبط لأخيها أكسندر، ورائحة الملح الخافتة من الدموع المختلطة بالحبر.
الكلمات المروعة تماماً.
«الأب مات»
شعرت جول بساقيها تخوران من تحتها، وألم جنبها الذي ما زال يتعافى لم يكن كافياً حتى لجعلها تكشّر ضد الارتعاشات المتموجة، وقبضة نسخها الثلاث الأصغر تضغط بقوة على جنبيها. ووجدت كلمات حاصد القمح تلك اللحظة لتملأ الفراغ.
«آه، نجل، بالتأكيد أفضل حرب رأيتها حتى الآن... نادراً ما يرى المرء كل واحد منكم أيها النبلاء المتكبرون المسؤولون تشعرون بلدغة حقيقية لما يعنيه الأمر».
التفتت لتحدق في الغريب، في الشيء بينما كان قد التفت بالفعل ليتفحص نباتاً آخر صنعه فلاديمير باستخدام سحره. قبل أن تستطيع حتى المحاولة تحدث مرة أخرى، وكان صوتاً تحت نَفَسه لكنه واضح لأذنها على أي حال.
«انتهت الحرب أيتها الليدي وورم، عودي إلى منزلك مع جيشك، واندبي موتاكِ، وأنا أُعلن هذه الخدمة لك قد انتهت، لقد أديت حقوقي وخطاياي تجاهك».
ثم قهقه الفراغ تحت قبعة قشية الحواف.
«وإذا رأيت ذلك العلق الملعون ذي الجلد الحجري والأنف الزقاقي مجدداً؟ أخبريه أن الجرح الذي ألحقتِه به قد جعلنا متساويين مقابل التعدي الذي ارتكبه بحقي وبحق أهلي».