أدرك الكونت بارابوخ أنّ نزول قاتل أبيه إلى الميدان مسألة وقت لا أكثر. لكنّه مع كلّ ما قرأه عن الأمر، ومع كلّ التوجيهات التكتيكية المكتوبة من الانتفاضة وليالي الحرب ضدّ خدمه الأقل شأناً، كان الطاغية نفسه شيئاً يغشى الأبصار. بدأ الأمر بتعثر ضوء السماء الحارس. تزعزعت معجزات الكهنة مع بزوغ ظلّ شاهق، فكان ذلك العلامة الأولى على وصول قاتل أبيه، ظلّ يرتفع فوق جيش والاكيا.
وتلى ذلك تقدم الرجل نفسه مخترقاً صفوف جنوده، بدرع يشبه سائر الدروع التي واجهوها من قبل، غير أنّ هيبته رسمت هيئة متميزة، إذ امتزج أصفر والاكيا وأسودها بحواف حمراء داكنة. أمسك رمحاً بسيطاً سلاحاً له. لكنّ بارابوخ عرفه بحضوره الطاغي وحده. لقد كشف شيطان والاكيا عن وجهه أخيراً. حاولت أنوار السماء الوخّاشة ومعجزات الملوك تعيينه فوراً، ومن شتى أنحاء صفوف الجيش تهاوت صلوات الآلاف من الكهنة وقرابينهم على من نصب نفسه كونت والاكيا، غير أنّ فلاديمير تيبيتش لم يتعثر حتى في خطوه نحو الأمام.
ولم يتعثر أيّ من الرجال المدرعين عن يمينه ويساره. شرعوا يعدون ببساطة، بتلك الطريقة السلسة التي لا يستطيعها أيّ بشري، ولا حتى جنود والاكيا. ليس من دون دعم الخواتم المسحورة على الأقل. لقد حان الآن وقت الأمراء والكونتات ورجال الرتب ممن مُنحوا خواتم القوة ليتدربوا عليه. وبأدنى ضغط من إرادته وثب هارجاً من بين صفوف رجاله، ويتبعه الجنود الأكثر مباركة. هبط بثنٍ لركبتيه، منهاراً بالأرض إلى طين وغبار مع وقعه، وحوله أمراء ماجارسكا، والملك العالي مراد بنفسه، ثمّ شكلت أقدام جنودهم الأكثر مباركة من السماء صفوفاً راكضة.
تولى القيادة باقي الجيش من جنود ومجندين وكسّاج وغيرهم ممن لم ينالوا مسّة النجوم أو طاقة الجِنّ. وتجمع القادة والضباط حول الاستراتيجية التي جُهّزت. ساد صمت مريب بينما زاد مصاصو الدماء من سرعتهم للقائهم، متحركين بسرعة لولا سحره الخاص لطمست بصره. قبض على سيفه، وتحرك إلى موقعه، مصطفّاً مع زملائه الكونتات، يتحرك كجسد واحد معهم عن يمين أميره. اتخذ الملك العالي مراد وضعية ثبات، قابضاً بيده على سيف منحنى في كلّ يد، متألقاً بدرعه وألوان ماجارسكا، بينما لمعت يداه العاريتان باستثناء خاتم مرصّع بالأحجار على كلّ إصبع وإبهام.
طعن الظلّ فوق فلاديمير نحوهم كخكين. جلب الظلام إلى الميدان المضاء بالسماء. شعر بارابوخ بأوامره، ونذوره للسماء تسري صعوداً وهبوطاً في ذراعيه، وطاقة خاتمه تنتظر، مستعدة لتمكينه بما يتجاوز حدود البشر. وعندما كانت الفاصلة لا تزال مئة خطوة بين قوات ماجارسكا ومصاصي الدماء المهاجمين، شبّك المعركة في ومضة فجأة! كان الملك العالي مراد درويشاً، وكان الصوت هدير حديد، ولم يستطع بارابوخ تتبع سرعته حتى وهو يشعر بطاقة خاتمه تدفع بصره إلى ما وراء اللحم والدم المحضين.
شعور السحرة الذي جعل حتى الجنود المباركين حوله يبدون وكأنهم يتباطؤون إلى بطء مؤلم. لم يبدُ خصومهم بطيئين قط بذلك القدر، فقد كان الأمر متفاوتاً، ولم يستطيعوا جميعاً التحرك ببراعة سيدهم الشيطاني. لكنّ أكثر من كافٍ من الوحوش أمامهم كانوا يندفعون نحو بارابوخ وأميره بسرعة تذبح جنودهم. كان يتحرك مع أميره، هو والكونتات الثلاثة الآخرون للإمارة، مشخصين كإرادة واحدة في خمسة أجساد الوحش المهاجم.
استدار أولهم مع اقتراب الشيطان، فانشق ووثب إلى الخلف عندما ضرب أميره. ثمّ في أقل من أنفاس تدخل أحد زملائه الكونتات ضدّ الهجوم المضاد، متصدياً لضربة العدو بنصل. وخطا بارابوخ ليتدخل بنصله الخاص. ثمّ أحد مصاصي الدماء الأصغر، أولئك الذين لم يستطيعوا حشد سرعة تحت حظر السماء تتجاوز مجاراة الجنود المباركين. لم يحتاج حتى إلى إصدار أمر، فرأى ببطء خامل أحد رجاله يتحرك مسبقاً ليتدخل.
المثل بالمثل. لكنّ رجال والاكيا، رغم قوتهم المخيفة سارقين للدماء، لم يقدروا على مواجهة وحدانية ماجارسكا! تقاتل الأوغاد كأفراد رجال محضين، بغضّ النظر عن مدى إيفاعهم للرعب والتوحش. شعر بارابوخ بثقل جسده يعود مع خفوت طاقة خاتمه. تنفس وخطا للخوار، فتحول أميره بقوة متفوقة من الهجوم إلى الدفاع. مثلما تدربوا، مثلما خططوا، مثلما أُمروا. سرت نذور السماء في عروق بارابوخ كنار وكبحته، كحلت أنفاسه حتى.
أبقته ثابتاً صامداً بينما تحولت ضربة عابرة إلى درويش عنف لا يمكن تتبعه. لم ينكسر، لم يفزع رغم رعب الضوضاء والحديد والدم الذي يملأ الهواء حوله. شعر برطوبة باردة على الجلد تحت عينه أسفل خوذته. ثمّ عادت طاقة الخاتم، وصاء العالم واضحاً، والجنون قابلاً للإدراك مجدداً، فكان يتحرك لدفاع أميره قبل أن يستوعب تماماً كيف سمحت له غفلته القصيرة للتعافي بتطور القتال. وفي صفاء طاقة الخاتم رأى أحد زملائه الكونتات قد أُصيب، ويسقط الجسد على الأرض إلى ثلاث قطع، وانحنى الهواء بالدم نحو مصاص الدماء أمامه، ليمتلئ في جرح فاغر كاد يقطع ذراعاً.
اندفع أميره فوق كتفه بينما أنهى تحويل ضربة الوحش، لكنه لم ينل لحظة ليدرك ما ستكون نتيجة فعله. سقط ثقل حدود الموت عليه مجددًا، واشتعل الخاتم على إصبعه، ولم يكن الهواء سوى ضوضاء، واشتباك مروع، وحرارة، وريح محترقة غاضبة. لم يجسر على التحرك، فالقتال حوله كان أسرع من أن يُعرف، وسيكون ضعيفاً راسخاً في السكون تماماً كحاولته الفرار. كانوا في الظلام الآن، فجلبت ظلمة ضوء السماء المطرود النجوم بوضوح لافت للنظر في الأعلى، وبهاء الدروع والدم يحيطان به.
تصاعدت طاقة الخاتم، فوثب إلى حركة، وتصدٍ آخر لأميره، وضربة أخرى أُنجزت دفاعاً، وثغرة أخرى صُنعت، فضرب أميره هذه المرة بدقة، فسقط أشرس مصاص دماء أمامهم. تراجع إلى وتيرة البشر، يأن جسده، وجعله الانتقال من القوة الفائقة إلى اللحم الواهي مريضاً في بطنه. غير أنّ الغضب هذه المرة لم يعد يحيطه، بل جثث فقط في الظلام، بالكاد تُتبين بين الماجارسكاني والاكي في العتمة. لكن عند قدميه كان هناك جذع علوي مألوف، فقد فقدوا كونتًا.
بدأت عيناه تؤلمانه حين شعر بعودة براعة الخاتم، فرأى بوضوح مجددًا، سبعة من أقرب الجنود المباركين كانوا موتى. تحرك أميره، ومضت خطوات بارابوخ معه، وتبع الناجون الآخرون المُمكَّنون حيث استطاعوا، وبدا أحد زملائه الكونتات كتمثال، تُرِك خلفه حين استعاد خاتمه طاقته. بضربة واحدة انقضّ الخمسة جميعاً على مصاصي الدماء الصغار ورجال والاكيا الفانين على السواء فقطّعوهم. تتحطم الأجساد تحت ضرباتهم، ثمّ صار في لجة، يحيطه ظلام بالكاد يخترق، وتنفس لاهث، ورائحة أحشاء مسفوكة ودماء تمْلأ حلقه.
لاهثاً، يأن كلّ مفصل منه، شعر بثقل شديد، وتذبذبت عيناه في ذلك الظلام غير أنّ نذوره لم تسمح له بالتعثر. سمع حوله هجوم رجال، يعدون بقوة غير طبيعية لكنها ضئيلة للغاية، مباركات سماوية محضة تحثهم قدماً، وسمع صرخات ذبح ولكن في ذلك الغضب المرتج لم يستطع الجزم أكانت حناجر ماجارسكانية أم والاكانية هي التي تشق الهواء. ثمّ تصاعدت طاقة الخاتم خلاله مجدداً. لم يبقَ سوى كونتَيْن آخرين على قيد الحياة، وعلى بعد خمس خطوات فقط منه كان للورد المجاور له تعبير يوحي بأنه لم يدرك بعد أن رأسه قد انتُزعت عن كتفيه.
وكان بارابوخ يتحرك بالفعل، متصرفاً بناءً على أمر أميره غير الصريح، ناظراً حيث دعت الحاجة؛ هناك، كان اثنان من مصاصي الدماء يتحركان لاستغلال ضربة أميره لاستغلال خاصرة مكشوفة من قاتل جار بارابوخ. لوّح واسعاً، وقوياً، شاعراً مسبقاً بمدى قصر احتفاظه بقوة الخاتم هذه المرة، انحرف نصل واحد، والثاني بالكاد، وشعر بكتفيه تلتويان بينما تنزلق طاقة سحره منتصف تلويحه، وصارع، فكاد يفقد توازنه، وكل عضلة تحاول كبح زخمه.
وشعر بالتعرض المروع لعموده الفقري الذي تركه لنفسه، لكنّ صوت أميره الغاضب وريحه متدخلين بين ظهره وتلك الوحوش التي ستطالبه جعله يتنفس بضعة أنفاس أخرى. لكنّ هذا لم يكن مستداماً، فقد فقدوا بالفعل جميع الكونتات ما عدا اثنين لحماية أميره، وفي النظرة الخاطفة التي أمكنه توفيرها مع عودة طاقة خاتمه إليه رأى أنّ الأمراء الآخرين لم يكونوا أفضل حالاً. قايض الولاكيا بخمسة، وأحياناً ثمانية مقابل كلّ حامل خاتم أسقطوه، لكنّ أعداد المخلوقات المتوحشة بدت بلا نهاية، ومع قوة تجميع سيدهم المظلم الضاغطة على تدخل الملوك لم تكن المعركة تسير على ما يرام.
لم يمتلك بارابوخ الرتبة ليطلب تراجعاً، أو حتى للتراجع، فقد أقسم لأميره، وكان يتحرك مسبقاً للتغطية على هجوم آخر، لكنهم قُصّروا إلى حاملي خاتم ناجيين اثنين فقط لدعم سحرات الأمير الفائقة. وكان يرى بالفعل أن دفاعه لن يكفي للسماح بهجوم مضاد آخر من سيده. أحاط به السواد، فولاذ غاضب على فولاذ، وأصوات مبللة ومروعة لأجساد ممزقة، وقد وطّد نفسه أفضل للاستنزاف المحتوم، لكنّ الخاتم على إصبعه كان حارقاً، وقوته تقصر تدريجياً مع سرعة ندائه عليها كل مرة.
حين عادت الطاقة دافقة إليه عاد بصره، لكنّ عوضاً عن اطمئنان قيادته رعب برؤية أنه تأخر بالفعل، فكان نظيره وآخر حليف ناجٍ بين كونتات أميره قد شُقّ بنصفين، وكان سيده يتعثر، متراجعاً تحت الضربات. شعر بالرغبة، بالدافع لرمي نفسه بين سيوف العدو وسيده، والنذور تقطعه. ثمّ أدرك أنه تأخر بالفعل، ففي ومضة نور مفاجئة قُطعت يد أميره اليمنى عن جسده، وفي تلك الضربة المفردة هربت قواه.
ومع فقدان أمير مُمكن بما يكفي لدعم الهجوم شعر الكونت بارابوخ بأنّ الأوامر التي فرضها نذره تغلق كبوابة حديدية. وثب إلى الخلف من المقدمة بكلّ القوة التي تدعمها ساقاه، فتراجع كما أُمر في مجلس الحرب. تاركاً سيده خلفه ليختفي للحمد في السواد مع هرب طاقة الخاتم منه. وحين عاد بين صفوف الجنود ورتبهم استطاع بالكاد رؤية سير المعركة في العتمة أمامه. الضوء المتألق الدوار لمعركة الملك العالي مع قاتل الأب، نقطة ارتكاز أمسكت بالخط، وكل الولاكيا الذين جسروا على الاقتراب من ذلك الدوامة المتألقة تهاووا قطعاً باستثناء قاتل الأب وحده.
لكن على الخاصرة التي هرب منها بارابوخ؟ لم يعد أميران يُران، ونظرة على صفوف الفانين المحض لماجارسكا كانت نذير شؤم أيضاً، حتى وإن أمرهم ضباطهم وقادتهم نحو التطويق المنشود من دون دعم حاملي الخواتم باتت هناك الآن جيوب دم وموت تشق طريقها ببطء خارج التشكيلات المنظمة. أقواس وسحب دوارة من الدماء ترتفع من الرتب والصفوف لتغذية العدو وإعادته. شعر بحرقة خاتمه، وقوته تنتظره ليحضرها.
استدار من الخاصرة الجنوبية، بمجنديه وجنوده الأقل شأنين الذين يبتلعهم وحوش والاكيا ببطء. كانت أوامره واضحة، وهناك كانت، نداء مدوياً في الهواء، صوت خيول الجريفون ثمّ صافرات الإشارة وأبواق مسير جنود ماجارسكا. انضمت التعزيزات من الشمال إليهم. مثلما خطط أسياد الحرب. ثبّت الكونت بارابوخ نفسه، واستدار عائداً إلى المقدمة ومع قطع نذوره قريباً على كتفيه وركبتيه المتألمتين نادى طاقة الخاتم ووثب إلى قلب المعركة، مستهدفاً بسيفه قلب مصاص دماء انتهازيّ.
استمرت الخططة، وإذا سار كلّ شيء جيدا هذه الليلة سيهلك شيطان والاكيا! ثمّ مع القوة الموحدة لأعظم ماجارسكا منتظرة إياها فستتبعها الهلاك اللامع وجيوشها!