التنين اللامع الفصل 396

اقرأ التنين اللامع الفصل 396 باللغة العربية على مانجا تايم.

الصيف الجائع. تطلّبت تجمّع الجيوش في الحقول الممتدة خلف سور فهستريغن أربعة مواسم كاملة بعد أن أطلقت نداء النفير للحرب في الشتاء الفائت. أربعة مواسم ولم تصل سوى نسبة ضئيلة من الجيوش المحتشدة للمملكة مع بداية الموسم. أُفرغت المخازن في أنحاء فِزنوفه عن آخرياتها لإمداد الرجال حين عبروا إلى أراضيها من كل ممر في غرب سلسلة ريدجتيلز. أكثر من مئتي يوم من المسير اليومي من كل أصقاع العالم التي أقسمت بالولاء للملك العالي ماثياس.

كان يجب أن تكون قوة مهولة. ضعف الحشد وضعف أضعافه مما أذلها حجماً ونطاقاً في الماضي. ثلاثة وأربعون ألف رجل. أضيفت إلى الكتلة المتداعية للمعسكرات دواب حمل وقطعان حيوانات تفوق ذلك العدد بأضعاف مضاعفة. تتبعهم إلى فِزنوفه آلاف المؤلفة من الباعة الأجانب. قرى بأسرها، ومدن برمّتها جعلت حاشيتها الأصلية وأتباعها التابعين يبدون ضئلاء للغاية. السبب الوحيد لعدم دك الحقول قبل حصادها هو أن أحداً لم يجؤسر على زراعة المحاصيل جنوب سور فهستريغن.

ثلاثة وأربعون ألف رجل، أغلبهم من المجندين، وهناك مَلِك المزارع، أو كما فضل أن يُدعى "حاصد القمح".

مقارنة بمعظم السحرة بدا شبه عادي، شخص بملابس فلاح بسيطة بلون القش تماماً. قبعة عريضة تقي كتفيه ورأسه حرارة الشمس. يدان مغطّاتان بقفازات من جلد الخراف الناعم وحذاء بمثل ذلك. أمسك بأدوات فلاح وعِدد في إحدى يديه أو تلك لكنها لم تره قط يرفع شيئاً أو يضعه. كان لديه ببساطة كل ما يحتاجه في تلك اللحظة. مجارف، ومعاوِل، وعصي مشي، وأدوات قصيرة النصل لقطع رؤوس القمح للحصاد أو عصا معقوفة لتوجيه الغنم.

رأته أيضاً حاملاً دلائل وأكياس قماش خشنة للبذور. كان طويلاً لكن ليس بطول نبيل، ويمكن بسهولة ضياعه بين أي حشد من الفلاحين العاملين في الحقل. سيما في حقول القمح التي اتخذها اسماً له. لكن إن انحنيت منخفضاً لتستطلع تحت حافة تلك القبعة القشية العريضة فلن يوجد وجه تحتها. سوى ظل داكن تؤطره خصلات شعر شقراء مقصوعة بطول كافٍ لتنسدل على الكتفين. حاصد القمح في كل المظاهر كان مَلِك سحر بحق، يخاطب العالم مع كل خطوة من تلك الأحذية الجلدية الناعمة، يهمس للرياح، ويغني مع شروق الشمس.

وخلافاً لكل ساحر أو مَلِك سحر آخر قابلته قط، كان حاصد القمح قادراً على إنتاج طعام قابل للأكل بسحره! عرض رغيفاً طازجاً ومخبوزاً ومدهوناً بالزبد لكل من اقترب منه ببطن جائع. كان في خيام الطبخ ذات القدر الذي يكون فيه في الحقول، يعمل مع داريوش والأعداد الهائلة ذاتها من الرجال والنساء عند قدور اليخنة لإعداد وجبات الجيش. وكان السبب الوحيد الذي جعل جول تكترث بانتظار كل تلك المدة قبل التحرك.

كان حاصد القمح نعمة للجيش. لكن كرمه لم يكن بلا ثمن.

"حين أفرغ من هذه الأرض لن تكون قادرة على حمل أي حياة لأربعة أجيال من البشر. لكنها ستدر عليكم الآن ثلاثة أمثال غلة العام في أيام".

لم تدرِ جول ما قد يستطيع الحاصد فعله لأجلها في ميدان المعركة. لكن الدعم في إبقاء الجيش ودوابه شابعين كان بالفعل قطعة شعوذة مذهلة، وإن كانت خطيرة. لم تجسر على توجيه الحاصد لاستخدام شعوذته في أي مكان يبتغي شعبها زرعه لأجيال قادمة. لم يزرع أحد شيئاً في الأرض اليباب الواقعة بين ماغارسكا وفِزنوفه على أي حال. لن يكون لترك الأرض عاجزة عن حمل أي حياة أي عاقبة. إن كان من أمر، فتقليل الأشجار والعشب سيحسن أمان الطرق من قطاع الطرق الذين لا ينقطعون بين العوالم.

كان الأمر برمته مفاجأة سارة، مع أنها ما زالت تجهل سبب تطوع مَلِك المزارع. كان رده على استفسارها غامضاً ومعانداً، وأمكنها استشعار انعدام رغبته التام في الحديث أكثر عن الأمر مع كل مقطع صوتي.

"لقد ارتكبتِ خطأ جسيماً بحق من كنتُ مدينًا لهم بالعقاب. لذا سأصنع صواباً جسيماً في العبور".

حسنًا، لقد سهلت خدمته بداية الحرب على الأقل، وليت كل شيء في هذا الجهد يسير بمثل تلك السهولة، كأنشغال أبيها.

"ليس صحيحاً إحضار الأطفال إلى الحرب يا جول!"

تنهدت بحناجرها الأربعة كلها.

"جيم بالكاد طفلة رغم حجمها يا أبي، والتوأم أطول منها بذراع وضعف قوتها!"

بدا نهم نتاجها الأخير عازماً على تعويض الوقت المستقطع. فبعد نوم طويل في بيضاتهم صار لديهم جوهر نهم لا يزداد سوءاً إلا مع المواسم، ونمو يتماشى مع ذلك الابتلاع. عظام متألّمة، عضلات موجعة، كل صباح تشعر وكأن معدتها تحاول مضغ نفسها ضعف المرات. تشعر بمثل الضعف سحباً ودفعاً من كل الاتجاهات حيث تتخالف الأطراف دوماً وبشكل طفيف عن الموضع الذي تتوقعه فيه. ومع ذلك، رغم كل التغير المستمر والتشوه الموجع في أطرافهم؟

لم يكن لديهم أيضاً أي من ذلك التخبط الذي عانته جول في جسد جسد جيم. رشاقتهم رغم الارتباك اليومي كل صباح سرعان ما عادلت نتاجها الأول ثم تجاوزته مع نمو عضلاتهم أقوى، وأطرافهم أكثر مرونة، وتوازنهم الأضمن بكثير. كان ضغطاً مستمراً ساحقاً آخر للوقت على حواسها. كيف يُعقل أن يحدث كل هذا الكم من الأمور دفعة واحدة ومع ذلك تواصل الأيام الإفلات منها!

"جول؟"

انتفضت لتركز بعيونها الثمانية كلها لتحدق في أبيها، الذي بدا وجهه قلقاً وهو ينظر إليها.

"ماذا؟!"

فتح فمه، ثم أغلقه وأومأ لسبب ما.

"أنتِ كونتيسة فِزنوفه، لكنكِ أيضاً ابنتي... كـلّكنّ بناتي".

تنهدت وعرضت عليه ابتسامة من كل خرطوم من خراطيمها. شعور التوأم كان طبيعياً أكثر بكثير من خطم جيم الأقصر. حتى بعد كل هذه السنوات ما زال يصارع طبيعتها وطبيعة جيم. لكن رغم معرفته بأنه لا يفهم الأمر حقاً فقد كان يحاول.

"نعم يا أبي، وبما أنهم أنا فهم ليسوا أطفالاً أبرياء. نحن جميعاً نعلم ما هو آاتٍ والابتعاد عنهم طوال الحملة سيكون ألماً لنا أعظم من الخطر. لذا أرجوك لا تقلق سأبقيهم في المعسكر. لن ندعهم يمسيرون إلى ميدان المعركة".

تنهد ثم أدى التحية لها بصفتها كونتيسته قبل أن ينصرف ليتفقد زيفيرفامب.

"حسنًا إذن، كيف تجد حربك الثانية حتى الآن يا سميثسن؟"

نفخ وهز كتفيه.

"ليست مختلفة بذلك القدر عن الأولى، ركض وحديث وأوامر أكثر من المرة السابقة. كيف تجدينها أنتِ، أيتها الليدي جول؟"

تنهدت جول ورمت بصرها بعيداً عبر تلال الخيام وغابة الرايات من كل أنحاء مملكة كانتور المبعوثة. تناثر صاخب للأصباغ يمتزج فيها صباغ العامة لكل وطن او قرية للمجندين. ألوان باهتة في مواجهة إعلان النبيل. أسود وأصفر يتباينان ببريق مع الألوان الأخرى. دعم ماثياس فوق كل ما عداه. أصباغ النبلاء الأكثر شيوعاً بين الرايات والخيام كانت الأسود والأحمر لفِزنوفه. ثم تليها الأزرق والأبيض لأرفا وأخيراً صباغ الرايات المتبعثر في شمال غرب ريدجتيلز لكونتات مستقلين.

رائحة عرق الحيوانات والرجال، نتانة المراحيض وفضلات أخرى تتجمع بالفعل في حرارة اليوم. كل ذلك تحت إمرة جول لتوجيهه جنوباً.

"إنها أكثر بكثير من المرة الأولى".

اكتفى سميثسن من جهته بالايماء فيما كانت جول تتأمل درب الحرب أمامهم. من أجل دفعهم الأول إلى ماغارسكا سيكون كل شيء كجيش واحد، مسيرة جنوباً لاكتساح بوابات القلاع ثم تأمين مدينتي بليلاتين وبيرينين التوأم. بعد تأمين تلك الغنائم ينفصل الأغلبية للاستحواذ والسيطرة على المدن تحت القيادة المزدوجة لأبيها كجنرال في الجو لأربعين من فرسان الغريفون وجنرال ماثياس المختار على الأرض للقوات.

ستأخذ جول بقية الغريفونات ككشافة وحراس للمسيرة فيما تعمل كرمح للدفع جنوباً في ماغارسكا، مؤمنة القرى والمدن حتى يتمكنوا من اللقاء بـ"حلفائهم"

المزعومين من أراضي فلاش. إن سار كل شيء على ما يرام سيتركهم ذلك بجبهة مؤمنة ضد بقية ماغارسكا وقدرة على الاستجابة وردع مساعي مراد لاختراق وتخريب فِزنوفه أو شعب الكونت تيبس. لم تكن جول متأكدة إلى أي مدى تستطيع هي وأبوها الصمود في ذلك الخط. إن كانت مسألة أعداد بسيطة فستكون ماغارسكا الفائز الأكيد. حتى مع وجود ألف مصاص دماء في جيشه لم يتمكن الكونت تيبس سوى من تأمين وطنه.

وكان ذلك حين التفت معظم ماغارسكا لأمور أخرى. لم تُرفع سوى ثلاث إمارات لقتاله خلال الاضطرابات قبل أن تتكشف كلفة الاشتباك مع مصاصي الدماء. كان مراد يحشد بالتأكيد إمارات الدعم الإحدى عشرة الباقية الموالية له من أجل هذا. كانت الأخبار شحيحة من ماغارسكا الآن لكن ما وصلها من شائعات كان هناك ما لا يقل عن ضعف عدد الرجال الذين تحشدهم جول جنوباً. ثمانون ألف رجل، وربما حتى مئة ألف بحسب بعض الشائعات.

مع ما لا يقل عن نصف ذلك العدد من وحوش حرب الغريفون. أغلب أولئك من الصنف الأصغر، لكن جول يمكنها توقع رؤية ما يفوق المئة من فرسان الغريفون إن اختار مراد جلب كل ما يستطيع حشده عليها. في مواجهة أعداد كهذه كانت فِزنوفه والمملكة ستعمدان عادة إلى تعزيز ممر قبو وتحصينه بالسحرة. اثنين على الأقل. لكن جول قبلت تحالفاً مع الكونت تيبس. ولم تكن أراضي فلاش تمتلك ممرات قبو بينها وبين مراد تقي فيها أعداد ماغارسكا بأمان.

قال جنرال ماثياس إن عليها تأمين المدن الحصينة على طول الحدود الجنوبية الغربية. حتى إن استطاعت جول دحر أو قتل آلاف الرجال في معركة فإن الأعداد الهائلة لهجوم ماغارسكا الشامل ستزيل جيوشها ثم تحيط بها في وحوش الحرب على أرض مكشوفة. احتاجت جيوشها تلك المدن والأسوار لتقف بندية أمام كامل بأس ماغارسكا. مع قليل من الحظ سيجبر تمرد إفرين في الجنوب مراد على تقسيم قواته نوعاً ما.

ألم تكن إمارة فاناند قريبة من العاصمة؟ بالتأكيد لم يكن بمقدوره تحمل إرسال كل جيوشه شمالاً. تماماً كما ادعى ماثياس أنه لا يستطيع ترك أراضي المملكة الغربية بلا دفاع. أحاطت روائح المعسكر بجول فيما نظرت جنوباً نحو حيث تعلم بوجود مدينتي بليلاتين وبيرينين التوأم. كانت تأمل ألا تعاني الحمامات سوء الحصار.