9.7 كانت ريح إيفرن تدور في صدره بسرعة كافية لشق أضلاعه. تحدث الأجنبيان إليه حتى وصل ممثل أمة الجان للاستعلام عن حال ضيوف الملك الرفيع. وكان التفاعل بين النساء الثلاث أمراً مثيراً للاهتمام حقاً. بدت أدالين مرتاحة تماماً وهي تتحدث إلى شال حريري فارغ وحبيبات متلألئة، تماماً كما كانت حين تحدثت إلى إيفرن أو أخيه. أما الصوت ذو الأنين العنيف للريح والأرض الجافة؟ فلم يكن ما يدعو للقلق البتة.
كان هافل صامتاً تماماً، لكن إيفرن ظن أن هذه هي طريقته المفضلة في العموم.
تحدثت «المنبوذة»
قليلاً الليلة الماضية، لكن حتى الكلمات التي تفوهت بها، أو بالأحرى تفوه بها، ما زالت ترن وتطنين صعوداً وهبوطاً في جسد التنين.
الإمكانية البسيطة التي تمثلها «المنبوذات».
يستطيع التنين القيام بالسحر. ليس ذلك فحسب، بل بدا الأمر سهلاً لدرجة تجعلك تفعله عن طريق الخطأ.
لم يجد «بذرة فوارة»
طريقه للعودة إلى إيفرن في الصباح كي يناقش الأمر مع مستشاره الصغير. كان الأمر مؤسفاً لكنه لم يكن مستغرباً تماماً. لعله كان منشغلاً بمسعى مهم يحتاج إلى حضوره. سيشارك إيفرن الأخبار ويطرح الأسئلة حينها. كانت أدالين واثقة من أنه يعرف مسبقاً قدرة إيفرن على أداء السحر بالكلمات والمشاعر. لكن لماذا لم يخبره الساحر إن كان يعلم؟
أم لعل إحضار أدالين وهافل للحديث معه كانت طريقة «بذرة فوارة»
في إخباره؟
تحدث ممثل الجان معهم قليلاً وسأل عن «علامات السحر»، وهي التي لوحت لها أدالين متجاوزة إياها بوصفها مجرد «بركة عائلية»
يشاركها هافل. بعد ذلك غادر الجميع الغرفة للمبيت. لقد قطع ذلك المحادثة الرائعة، لكن حتى في صباح اليوم التالي لم تتراجع معنويات إيفرن. وكيف لها أن تتراجع؟! مع أخبار كهذه تلقاها. وهو أمر يتناسب مع ما يعرفه عن ساحر القطط. إن الطريقة التي وصفت بها أدالين وهافل استخدام الكونتيسة للسحر تركته غارقاً في الترقب. بإمكانه صنع السحر، وحسب ما يبدو، فلعله فعل ذلك بالفعل. ففي النهاية، لقد استمع من قبل وطرح الأسئلة على العالم.
وهو قد أتاه بما يعرفه بالفعل. لكنه لم يفكر قط في أن يطلب منه أو يأمره أو يوجهه لأكثر من الكلمات. ولكن أكان بوسعه فعل ذلك دائماً؟ أيمكن توجيه صخور القصر مثل قطيعه؟ أيمكن لأجساد حاشية القصر طاعة توجيهاته؟ أخيراً، يمكن للملك الرفيع المحمي بكل سحره الغريب والباهظ الثمن أن يصبح في متناوله. سيعطي العالم الطاعة. كل ما عليه فعله هو تقرير ما سيخبره به ببساطة. فأي قوة سحرية ستكون مناسبة لإنزالها بكل الرجال الأشرار بين الأمراء، وأي عدالة حقيقية تناسب جرائم الملك الرفيع مراد.
كاد إيفرن عاجزاً عن كبح رجفان الحماس أو منع فروه من الانتفاش مع توتر يشتد ويزداد إحكاماً في رئتيه، ويكافح لشق طريقه خارج حلقه. كان الملك وأمراؤه أشخاصاً مروعين وفظيعين. وكان وصيه نظيراً لهم، ورغم أنهم قد يعانون تحت حكم الملك الرفيع، لم يكن لديه أدنى شك في أنهم سيكونون بدونه بالسوء ذاته أو أسوأ منه. كافح لإتمام كل مواعيد الصباح وهو مفعم بالأفكار لأجل فعله السحري الأول.
كان عليه أن يفعل ذلك بالشكل الصحيح، وأن يجد القطع المثالية التي تقص قذارة أسياد ماغارسكا من الصوف الناعم لشعبها. كان الصباح يتحول إلى الظهيرة وحان الوقت للقاء الكونتيسة وبقية الأمراء للمرطبات. ماء الورد المُحلّى بالفواكه، وغيرها من المرطبات الخفيفة. وبعد ذلك ستكون وجبة الطعام. كان حازم متوتراً إلى جانبه حين دخلا. شقيقان معاً، الأصغر يتطاول فوق الأكبر. موضعان حيث أُمرا، وقريباً لن توجد أوامر بعد الآن.
كل ما أخبارته به أدالين عن جويل ملأه بالأمل. كراهيتها للظلم، وقوفها في وجه الطغيان، وعدالتها التي نفذتها حتى على هافل بسبب دوره في الشر. مقابله، رُتبت غرفة العرش بالوسائد وثلاث من أوسع طاولات الطعام المتاحة. وُضعت بالقرب قدر الإمكان لمن تركوا محشورين من كل الجوانب في المنتصف. إيفرن على طاولة، والكونتيسة على أخرى، والملك الرفيع على الطاولة الثالثة والأخيرة. لكن مأساة المساء لن تبدأ قبل ساعة على الأكثر.
كاد لا يطيق الانتظار، سينفذ تعويذته، وسيمسك هو والكونتيسة بمقعد ماغارسكا، تماماً كما فعلت في منزلها الخاص، وسيترك الأرض أفضل وحرة. لكن عليه الانتظار. الآن هو الوقت المفترض أن يتحدث فيه الأمراء والنبلاء. طارت الكلمات والهمهمات من حوله، لكن إيفرن بالكاد استطاع إعطاء الانتباه الذي كان متيقناً أنه مستحق. لقد شد وصل الكونتيسة حواسه، ومن خلال النظرات نحوه وكلام أدالين، فمن المرجح أن حضوره قد جذب تركيزها أيضاً.
كان من الصعب جداً الثقة، لكن أدالين قد أقنعته.
بركة «بذرة فوارة»، وخلاص هافل بالسحر.
لقد بدا الأمر كأسيطورة تتحول إلى حقيقة. والآن، وقع كل ذلك على عاتقه. إن كان عبؤها يشبه ما عاناه هو، فما أروع رباطة جأشها إذاً. طاولات الطعام، برغم اتساعها، وُضعت بقرب كافٍ جعله متأكداً من أن إحداهما ستعاني من الكتمان المرعب للعالم. حاول إيفرن تجاهل مدى شعوره وكأن جرحاً فاغراً في حواسه بوجودها حتى على الجانب الآخر من القاعة.
كانت صديقة لـ«بذرة فوارة»
وحليفة، وستساعده في تخليص العالم من الشر المتمثل في مراد. ساحرها، ذاك الذي يدعوه بلاط ماغارسكا بالجان الشمالي إيرهارد، وقف كتمثال، عائماً بطريقة ما حول المساحة التي يشغلها بشعور من الملل والازدراء لدرجة كانت ستطرد الرجال حتى من دون سمعة أمة الجان المخيفة. وفي انعكاس غريب مع إيفرن والكونتيسة، تمت مطابقته على الجانب المقابل من الغرفة بممثل لأمة الجان ذاتها. حكاية رياح الصحراء، الرمل الراقص الذي يجرف، قبلة الموت المتعطش، مانحة الأمنيات الخلابة.
سيرازاد. بصراحة، لم يكن إيفرن متأكداً من سبب امتلاكها لكل تلك الأسماء المخيفة حقاً، فقد تذكر بصددها إحدى العجائز اللواتي أصرفن بعناد على جز غنمهن بأنفسهن. لكن نظراً لطلبه الخاص بلقب ذئب الأمير، كانت لديه شكوك حول أصلها. لكن لكي نكون منصفين تماماً، بدا ممثل الجان منزعجاً وضجراً كلما رأى الكونتيسة. من ناحية أخرى، كان عليها الاستماع لطلبات الملك الرفيع بشأن وطنها معظم الأيام.
أجل، كان التضجر متوقعاً. بدا الأمر وكأنها نوع من الأعمال الممنوحة كعقاب. عقاب لم يسبق أن رأى إيفرن دليلاً على استحقاق سيرازاد له.
لكنه لم يرى الكثير منها حقاً، على الرغم من إصرار «بذرة فوارة»
على أنها تمْلأ القصر وتجعل حياته صعبة.
الكلمات القليلة التي تبادلها مع الجنيّة قبل الليلة الماضية كانت مجرد «مجاملات»
متمرسة. أما الآن فبدت أكثر تركيزاً على الأجانب دونه. ربما بسبب أمر مراد. لا تقلقي، يا امرأة الصحراء الغريبة وريحة الجان، فإن يوم مراد الأخير قد حان. بدت عازمة على أن تكون القوة المعارضة لجمود إيرهارد الصلب. ومع ذلك بدت مطابقة مثالية بشكل ممتع. فعلى الرغم من كل الطرق الملتوية التي تدور وتتدفق بها الرياح والرمل والحرير حول فراغ شكلها في حركة دقيقة لا تنتهي، كانت تشع بمزيد من الملل أكثر من إيرهارد بذهول.
حول انتباهه من الأمراء، من الرجال البغيضين المستحقين للعقاب، إلى أصل كل مشاكله. إلى منفذ ألم عالمه وعوالم كثيرة غيره. الملك الرفيع مراد. الذي وقف في ملابسه الفاخرة وكأنه منحنٍ بدهون، وجلد مترهل، وعضلات واهنة، ممثلاً دور العجوز المسن والعاجز بينما كانت عيناه حادتين وبراعته مدعومة ومحمية بالسحر. الرجل الذي سينتهي بفعل إيفرن السحري الأول. كان للمسخ ثماني خواتم في أصابعه لتلك الوليمة.
ثلاثة منها كانت ذاتها التي ارتداها أثناء الليلة التي شاهد فيها «بذرة فوارة»
أمير فاناند السابق يُسحق إلى عصارة وعظام متكسرة. شق التنين طريقه ببطء ليتوسط بجسده بين الملك الرفيع وحازم. لقد حان الوقت تقريباً، كان بحاجة لأن يتواجد الجميع في غرفة واحدة. إن كانت كلمات هافل صحيحة، فكلما ابتعدوا طال الوقت المستغرق. وكلما زاد استنزاف طاقته. دارت رياحه، وبدو العالم منتبهاً، وصخور القرفة متأهبة. وكان خشب وقماش الوسائد حريصين على الاستماع إليه. كان يمتلك السحر، ليس أي سحر بل سحر التنين، وقادراً على فعل شيء يحول ألف رجل إلى منبوذين مثل هافل!
كان آخر الأمراء الأحد عشر يصل للتو. لقد حان الوقت. يمكن لإيفرن تصحيح هذا. كان يجب أن تكون الخطة.
لقد أرشدهم «بذرة فوارة»
معاً لكي يعرف سر السحر لهذه اللحظة بالذات. كان كل أمراء ماغارسكا في هذه الغرفة، وكل واحد منهم كذاب سيء بطريقته الخاصة. الملك الرفيع بنفسه، الذي ارتدى تعب عشرات الآلاف في أصابعه. كذابون، لصوص، رجال كتبوا كتباً تقول إنه يجب إطعام أخيه القمامة. رجال أرسلوا الجنود في الشوارع لضرب الأمهات ودفع الأطفال للفرار طلباً للسلامة عند عنق التنين. حاول حشد القوة، متحدثاً مثلما قالت أدالين إن جويل تحدثت به إليها.
باحثاً عن الكلمات في رياحه.
في قوة ما سمتها «اللهب».
راقب إيفرن الملك الرفيع، مستمعاً إلى أكاذيب الأمراء وحاشيتهم المختلفة. لكن الكلمات كانت تغرق بواسطة الرياح في صدره. وارتفاع عويلها في أذنيه. هناك! استطاع الشعور باللهب يتحول إلى أكثر من مجرد كلمات. استطاع الشعور بالعالم يلتفت نحوه. الصخور المصقولة، ما زالت خامة ومقطوعة حديثاً بقدر ما تخصها. استطاع الشعور بالكلمات تبنى في الرياح، مصفرة في حلقه. تكاد تلمس لسانه، لتصبح بياناً، إعلاناً، أمراً.
لقد أمسك السحر في فكيه وأخيراً كانت كل شرور العالم في مكان واحد لكي يقتلها. مثل هؤلاء الرجال البغيضين في كارس، لكن بشكل أعظم وأكثر رعباً بكثير. أعادته يد حازم على كتفه، محولة نظره عن الملك الرفيع.
"أخي، هل تشم رائحة امرأة أدالين؟ أنا لا أراها... لكني ظننت-"
أومأ وأخذ نفساً بطيئاً من الهواء، المختنق بالأعشاب المحترقة والتوابل المعلقة من المجامر لتفضيل الأمراء الآخرين والملك. نعم، عليه الانتظار حتى يحضر حلفاؤه جميعاً قبل أن يضرب. كانت رائحة المرأة الشمالية الغريبة موجودة بالفعل، لكن إن نظرت عبر الحشد فلم تكن في أي مكان تُرَى فيه؟ التفت ليقحص مجموعات الاختلاط من الملابس الفاخرة اللامعة وبضع شخصيات ترتدي الأسود الحالك.
هكذا تحدث «بذرة فوارة»
عن الأمر، أليس كذلك؟ لماذا لم يكن هنا؟ امرأة الرمل، سيرازاد، الجنيّة لا بد أن تكون هي. لذا فالأمر متروك له، مثل المخادع الذي يتغلب على العملاق. كان عليه فعل ذلك بمفرده دون مستشاره الصغير. كان رجل يقف بجانب الكونتيسة، وقد غيم إدراك إيفرن له بسبب كتمان الصمت الذي يحيط بالتنين الآخر. تحرك الأمير حول التنين الآخر ببطء، بخطوات هادئة مثلما يتحرك حول قطيعه، ليس بافتراس، بل بوضوح، هدوء وود.
لكي لا يقلقهم حتى وإن كان ذلك بسبب بحثه عن مصدر نفحة من ذئب جبلي أو غريف بري. ومثل أغنامه، لم يلاحظ الأمراء ومجموعاتهم الصغيرة من النبلاء الآخرين منه أكثر من نظرة عابرة. أطلقوا أصوات تحية حسب المناسبة وبادلهم إياها. مقدماً حازم لبعضهم. لكنه لم يدع أخاه يمط في الوقوف أبداً. كان حازم يعرف خطر الابتعاد عن إيفرن الآن.
اختفت أفكار الأمراء «الرفقاء»
بمجرد مروره، كان يبحث عن خطر، أو صديق. آه، ها هي ذا!
رئيسة نقابة التسول، حليفة «بذرة فوارة».
كانت ترتدي ملابس تشبه كل الشماليين. الألوان السوداء والحمراء هي الغالبة مع نبلاء فيزنوف، قاتمة وملفتة في آن واحد. وغريبة ضد وفرة الأخضر والأزرق والأبيض والأصفر اللامع المزين بخيوط فضية وذهبية وتطريز دقيق. كادت تجعل حزب فيزنوف يبدو عقلانياً ضد بذخ الملك الرفيع. لكن حتى امرأة التسول هذه كانت ترتدي من الصوف الفاخر ما يكفي لجعل أمه تغار. على الأقل قبل أن يجدوا ثرواتهم الخاصة بفضل إيفرن.
كان ذلك أكبر عدد يمكنه الأمل به. أخذ الخطوة الأخيرة التي استطاع إجبار نفسه عليها في الاقتراب من التنين الآخر، النقطة التي استطاع فيها الشعور بصمت العالم من حولها ينثني حول ما قالت أدالين إنه يخصه. التفتت الكونتيسة لتواجهه، خافضة رأسها.
"إيفرن، أمير فاناند."
كان الصوت أنعم، وأرق مما سمع آخر مرة التقيا فيها، لكنه حمل، ليملاً الفراغ بينهما. لم تعد ثخانة الهدير الشمالي ساحقة جداً في كلماتها، ولم تعد تترك تلك القسوة المرعبة لنبرتها مع خطاب بلاط ماغارسكا. لقد تخلصت من لقب مراد له.
أي إشارة أفضل يمكن أن توجد «للمؤامرة»
التي كان «بذرة فوارة»
يحاول دائماً تعليمه إياها؟ استمد إيفرن من صوته الخاص، مبتلعاً بصعوبة رياحه، فعلى الأقل حتى الآن لم يفعل الهلاك اللامع به وبأهله شيئاً. لم يكن قصدها إعمائه وإصمامه عن العالم، وإن استطاع ثقة كلمة سيدة التسول فهي تزعجها بالسوء ذاته. لكن النظر إلى تلك العيون السوداء الصلبة في ذلك الوجه الأفعواني؟ لم يكن الأمر سهلاً للتذكر.
"جويل، كونتيسة فيزنوف."
خفضت رأسها نحوه، والطريقة التي تحركت بها عنقها لإنجاز ذلك جعلته يشعر بالخرقاء. والطريقة التي سبحت بها أدرك أنها يجب أن تكون من رياحها الخاصة. لا تستخدم فقط للحفاظ على نفسها تحت عبء الملابس، أو للسرعة في نزال، بل لتكون حرة ورشيقة فقط. كان يأمل بعد أن يلعن الأمراء أن يتحدثوا عن الأمر ويمكنه التعلم منها السر. استمرت في التحدث.
"تخبرني أدالين أنك حارس غنم؟ عائلة أرض روتشفورد معروفة بجودة رقوقها لأجيال، وإقطاعيتي الشخصية تستضيف العديد من القطعان الصحية. في الواقع، أنا أقدم هدية من قماش الصوف المغزول الخاص بي إلى مراد الأول."
كانت الكلمات لطيفة، لكن طريقة حديثها؟ لم تكن تلك طريقة الراعي في الحديث عن حيواناته. لقد هددت بالتعلق بالشكوك المحيطة بها، لتأكيد الكذبة التي أراد لكل هذا أن يكونها. مع ذلك لفتت كلمة انتباه إيفرن.
"أنت تغزلين؟"
لقد أشعلت رياحه بالأمل، وأخمدت شكوكه. كان الأمراء الآخرون وحاشيتهم يشكلون ببطء ممراً بينهما. مراقبين بفضول التنينين بينما يقفان بعيداً عن بعضهما، ويتحدثان كأنهما في سرية وثيقة. أصوات تكاد تكون همساً ومع ذلك تُسمع بوضوح، استطاع إيفرن شعور عيونهم وهي تعتبر المسافة بينهما. أومأت الكونتيسة مرة أخرى بتلك الانحناءة الطفيفة للغاية للرأس على عنق منسيح، لم تتحرك مثل إيفرن على الإطلاق، وكلما راقبها أدرك أكثر أنه على الرغم من كون الشكل العريض لهما متشابهاً فهي تفضل حركات تشبه الغريف.
كان العنق مائعاً للغاية، والانحناءات مجبرة إلى حد ما، متأرجحة أكثر من كونها مائلة.
"أه، نعم! حين أستطيع إيجاد الوقت، صوف روتشفورد المغزول بالتنين يُدعى كذلك لسبب. أقوم بالفرش والغزل كلما أتيحت لي الساعات مع دوائر النساء في فالاسيك."
وهناك تغيرت النبرة، أصبحت أكثر ثخانة بعض الشيء وأكثر شمالية، فقدت النعومة التي اتخذتها، ولكن أكثر من ذلك كان هناك فرح بها، رضا عن عملها الخاص. نبرة كانت لأمه ودوركا الصغيرة، حول موضوع لم يستمع إليه هو وأخواته سوى عابرين. شعر إيفرن بأنه متجمد لحظياً، لقد قالوا إن الهلاك اللامع كونتيسة، امرأة، لكن إيفرن لم يكن قد فكر تماماً بما يعنيه ذلك، رؤية الحراشف اللامعة والأفعى المجنحة ذات أجنحة الخفافيش تتطاول فوقه حتى من عبر الغرفة متحدثة مثل أمه؟
أدرك أنها امرأة حقاً. وهي لم تكن مثل هؤلاء الأمراء البغيضين. كانت هناك حركات جر وهمهمات حول الغرفة من الأمراء وسمع إيفرن أكثر من ضحكة خافتة ببطء.
"هلاك فيزنوف اللامع، غازلة خيوط؟"
"سمعت أن البرابرة سلّحوا نساءهم، لكنهم يتركون وحوش حربهم تغزل وتصنع الملابس؟!"
قبل أن تتزحلق الهمهمات إلى اتجاهات مهينة بشكل خطير، صفق مراد الأول بيديه وأشرق بأسنان بيضاء متألقة. تصلب إيفرن. لقد كاد ينسى دوره.
الفعل الحيوي الذي كان عليه فعله، لأجل جويل، ولأجل «بذرة فوارة»
وكل العمل الذي فعلوه من أجله!
"مسعى نبيل وهدية جميلة. أتطلع لشعور لمسك في ملابسي الخاصة، للحصول على قماش مصنوع يدوياً من كونتيسة فيزنوف؟ بغض النظر عن البهجة التي ستشعر بها زوجاتي لحصولهن أخيراً على الكنوز الأسطورية. الكلمة التي أسمعها هي أنه حين يتم التعامل معه بالشكل الصحيح فهو يضاهي أو أفضل من حرير الجن."
راقب كيف تصرف الأكبر ضد أرذل رجل قابله إيفرن على الإطلاق. خفضت الكونتيسة رأسها للملك الرفيع مراد ثم تحدثت، بصوت ناعم ولطيف بالمثل، وإن كان مع فولاذ حازم فيه.
"أخشى يا ملكنا الرفيع مراد، أن أضطر لإعلامك بخداع. لأنه إن كان ما ترتديه الآن يُدعى حرير الجن؟"
إن لم يكن واثقاً من برها لكاد يظن أنها انحنت باحترام حقيقي. أعطى مراد إيماءة محتارة.
"إذاً فإن الباعة الأجانب في ماغارسكا يزخرفون ويتباهون تماماً كما يفعلون في فيزنوف. فبينما صوفي المغزول بالتنين هو شيء مصنوع بدقة فإنه يبهت تماماً أمام حرير الجان الحقيقي. لأني رأيت شيئاً مرتدياً من قبل أحد هؤلاء الجان، وعلى الرغم من أن ملابسك أفخر من أي شيء رأيته مرتدياً من قبل الرجال الفانين فهو ليس حرير جن."
هاه!
لابد أن هذا مزيد من مؤامرات «بذرة فوارة»!
لقد أهانته بمديح، لم يجرؤ إيفرن على ذلك حتى! لقد بدا وكأنه نية حسنة حقيقية. اقترب الملك الرفيع بعد ذلك، عبر الغرفة جارفاً الأمراء ليتخلفوا في أثره. خطواته صلبة وقوية، ومع ذلك أخف مما ينبغي. سحر تلك الخواتم، التي لا يمكن كسرها سوى بتنين بريء. تحرك متجاوزاً إيفرن، قريباً بما يكفي للعض، وقريباً بما يكفي للضرب، لكن لم يكن مؤكداً القتل.
لقد حذر «بذرة فوارة»
من ذلك القدر. سحر كنوزه سيحمي الرجل على الأرجح من أي ضربة جسدية. كان هذا بالطبع لماذا يجب أن يكون سحراً، ويجب أن يكون إيفرن! تحركت أدالين بجانب الكونتيسة، منزلقة خلفها حيث لم يستطع إيفرن رؤيتها، خطوات مضعفة لتكون غير مسموعة، لكنه استطاع شمها حتى مع كتمان الكونتيسة لإسكات العالم. استمر مراد في الحديث، ببريق، وتبجح، مصطفاً نفسه أمام إيفرن، خطواً إلى الممر الفارغ الذي انفتح بينهما.
مصطفاً بصرياً مع «تنينه».
"حسن- يبدو أن هذه قصة ممتازة للسماع قبل أن نبدأ الوليمة. لقد مضت سنوات طويلة منذ أن تحدثنا آخر مرة أيتها السيدة جويل، ولم تكوني قد قابلت جنياً وقتها!"
أكانت هذه هي اللحظة المناسبة؟ لا، عليه الانتظار حتى يعطى إشارة واضحة.
لقد أخبره «بذرة فوارة»
بمدى أهمية عدم كشف المؤامرة مبكراً جداً، لم يبد هذا هو الوقت المناسب. كان بحاجة للانتظار. انسابت الكونتيسة في حديثها بسهولة كما بدا أنها تفعل في أي شيء، متبجحة وحاكية القصة كما زعمت أنها تفعل مع الصوف. كان كل شيء يتعلق بلقائها مع جني، شيء بديائي، مخلوق أجنبي وقديم. زعمت أن لها معقلاً في الشرق، بمدن مصنوعة من غابات برية ومنحوتة في أعلى جروف الجبال. لقد كانت قصة غريبة.
ظاهرياً الشيء الذي بيع للجميع على أنه «حرير الجن»
كان مجرد تقليد مههر؟ لا بد أن ذلك كان إلهاء لكسب الوقت. عاد تركيز إيفرن إلى الملك الرفيع، غير ناظر إليه علانية بالطبع، بل محتفظاً به في انتباهه، قادراً على النظر إليه من زاوية العين. محسوساً في الهواء القريب، ومشموماً ومسموعاً. كان هناك شعور بالهمسات حول الرجل، من الخواتم في أصابعه، من ملابسه، قريبة جداً لدرجة استطاع إيفرن تمييزها بالكاد. همسات عنف، صلابة، سرعة، رشاقة.
سحر سيكسره إيفرن!
"كشف رائع ومرحب به أيتها الكونتيسة، لكن قبل أن نستقر لنأكل فهناك أمور شرف واحترام لائق مستحق. لقد رُحّب بكِ إلى مائدتي وعبر أراضيّ كضيفة مُعطاة كل ضيافة وفي هذا تجرأ آخرون لإخجالي."
حل الصمت على كل الحاشية والأمراء. التفتت الكونتيسة إليه، بموقف فخور وجهد هادئ.
"أمر توبليت ودفاع أوراد؟"
خفض الملك الرفيع رأسه نحو التنين الذي تطاول فوقه.
"هكذا تماماً، أن تُهاجمي مجموعتكِ على الطريق من قِبل مسوخ ولاشرف بلاكيا؟ إنها خزي على ضيافتي. براعتكِ وشرفكِ في الدفاع عن شعبي مستحقان للاعتراف!"
استطاع إيفرن شعور الأكاذيب في كلمات الرجل. لكن لم تكن هناك إشارة على وجهها بأن الكونتيسة تستطيع استشعارها. لقد كان الأمر بارعاً منها!
"لقد كنتِ دائماً داعمة لمعاناة شعب ماغارسكا تحت لعنة السماء من قاتل الآباء تيبس. والآن حاربتِ باستقامة ضد الأهوال التي تكتنفهم في الليل وسفكتِ دماءكِ الخاصة في دفاعهم. على الرغم من أنكِ لستِ من مملكتي، فماغارسكا تدين لكِ بمعروف لئلا نُصاب جميعاً بالعار!"
بدت الكونتيسة وكأنها اعتبرته بعناية ثم خفضت رأسها منخفضة بما يكفي لمقابلة عينيه، مرتفعة مرة أخرى بانسيابية، وانقضاض مخل. وكانت هناك نظرة مؤلمة لتلك العيون السوداء الصلبة، عبوس وحتى تلميح بالتطهر للحواجب فوقها. انسحب للداخل، كانت هذه هي، استطاع رؤية كل شيء يجتمع معاً، لابد أنها اللحظة المثالية للضرب.
ستجهز جويل المسرح له تماماً كما شرح «بذرة فوارة».
"لا، ليس ماغارسكا وحدها التي تمتلك تعويضات لعملها، لا أستطيع قبول أي معروف حتى يكون هناك توازن مصنوع، فلاديمير تيبس هو مسخ مصنوع بواسطة أعمال كانتور ريبون والملك الرفيع ماثياس وباعتباري ممثلاً مكلّفاً يحمل سلطة صوته أنا—"
"كذاب!"
أخذ إيفرن لحظته. رياح ثائرة هائجة داخله تفجر للأمام، أكثر بقثير مما استطاع احتواءه. تقدم للأمام، مثل بطل، مستعد لقتل المسخ. صدى صوته في صمت الموت للغرفة. جسده ملتف لإحاطة أخيه بأمان من كل الجوانب. الجناح يتوهج على مصراعيه، والريش ينتصب، والرقاب ترفع والشفاه تلتوي نحو أنين. تم دفع ضغط حضور تنين الكونتيسة للخور بواسطة الغضب المتصاعد في حلقه الخاص. خطواتها تأخذها خارج خط النار، نعم كانت هذه اللحظة المناسبة!
كان سيفعلها! لم يظهر وجه الملك الرفيع قلقاً لكنه تراجع للخلف والتفت نحو إيفرن، ظاناً بالخطأ أنه يتحدث إلى الكونتيسة؟ قامت بأداء غضب لمصلحة الأمراء، ثم يد أدالين وهمس لم يستطع إيفرن تمييزه هدأها ظاهرياً. خرجت كلماتها متوترة وقاسية وهي تحدق إيفرن بتلك العيون السوداء المتألقة كالفحم.
"أعتذرك يا أمير فاناند؟"
أداء مثالي! خفض رأسه منخفضاً لها، ضغط التنين الآخر، وجودهما الاثنان المتداخل جعل مجرد الوقوف في مكانه يشكل محاولة للتسلق عالياً جداً. لكن كان عليه فعل ذلك!
"أعتذر أيتها الكونتيسة اللامعة، لكني لا أستطيع الوقوف لأجلك أو لأجل أرضك لتُغش بواسطة—"
كان الملك الرفيع قد عبر الغرفة بالفعل، فالصخر ينشق تحت قدمه بينما قפب عالياً بما يكفي لملامسة القبة، ثم انزلق لأسفل عمود الغرفة ليبطئ سقوطه.
"أمير ذئب فاناند! ستسكت لسانك!"
كان الأمراء الآخرون يتحركون، مبتعدين إلى الخلف بعيداً عن إيفرن وجويل. هاربين من وسط القاعة الذي كان على الأقل حتى تلك اللحظة هادئاً. توتر حازم ضد فرو إيفرن، لكنه كان محاطاً الآن، مغطى من الأعلى بأجنحة أخيه وكل السبل الأخرى للهجوم بفرو وحراشف أقوى من أي درع. كان يملك أيضاً تعويذته السحرية. لكن في العاصمة يستطيع رجل عجوز يبدو واهناً ركل محارب لائق إلى لب أو القفز عبر غرفة العرش.
وقف إيفرن في وجهه وقال الكلمات التي شعرت وكأنها صحيحة في رياحه.
"الملك الرفيع، مراد الأول، أعلنك كذاباً وناقضاً للعهد!"
كان صوت الملك الرفيع هادئاً وحاداً.
"أمير ذئب فاناند، بعهودنا للسماء والنجوم ستطيع و—"
زار إيفرن في وجه الملك.
"أرسلت حشداً من مصاصي الدماء ضد كونتيسة فيزنوف الذين ذبحوا المئات من شعبك!"
كانت هناك في العراء تماماً، تماماً مثلما أرادت جويل و«بذرة فوارة»، لقد حان الوقت!
كانت رياحه مرتفعة، لقد كانت خارجة في الهواء، رن العالم بكلماته. همست الصخور بالمقابل له، حتى في هالة الكتمان المكتمة للكونتيسة استطاع إيفرن شعور صدى ناعم لكلماته وصحتها. كان أمراء ماغارسكا متوجين جميعاً للتحديق في مراد الفاتح، أول اسمه. بدا أمير أربادوك مصاباً، ثم أضاءت عيناه ببطء في الغضب. حول إيفرن كلماته المقصودة، ربما يمكن إعفاء أحدهم. أخذ أحد حاشية الملك الرفيع خطوة نحوه.
"أبي، فعلت هذا؟! بعد ما فعله الأشرار؟ بعد ما فعلوه بابني؟ زوجتي!؟"
كان وجه الملك الرفيع مسطحاً. العيون تمسح الأمراء وضيوفهم. مناخره تتسع وهو يحط بنظره على إيفرن.
"هذه خيانة وغدر، هذا يكسر عهدنا للسماء يا طفل اللقيط."
سحبت الشفاه مرة أخرى إلى ابتسامة براقة.
"أنتم جميعاً أمرائي ومقيدون بميثاق مقدّس بالسماء. ماغارسكا مقيدة بعهودنا للنجوم. هذا التنين المربى ككلب قد كسر ميثاقه! أيها الأمراء والجنود أدوا واجبكم!"
تحركوا، حتى أمير أربادوك خطى كواحد مع الآخرين، محيطين بالملك الرفيع، الأيدي جاهزة، وهمسات تتوهج وشرارات معنى ترتفع من حولهم. ليست بنفس كثافة أو قوة تلك التي حول مراد، لكنها لا تزال ملحوظة. لكن الأكثر إدانة كانت الكلمات، الطريقة التي بدا فيها العالم يترنح في أجسادهم قبل أن يطيعوا. شر ما فعله هذا الرجل، صنع طوق حتى للأمراء! استطاع إيفرن شعور اللحظة، العالم متلهف للاستماع.
لقد أثارت كلماته اهتمامه بحقيقة منها بالفعل. اندفعت رياحه من حلقه مع كل نفس. لتملاً الهواء خفية. رعى الخونة والكذابين المصطفين ضده. جاهزين لحكمه. سيعفي معظمهم. لكن كان على مراد الدفع! ربما كان البعض مقيداً كرهاً لخدمتهم الآن. لكن معظمهم ما زالوا يغلقون الصفوف بدون رسن السموات، على الحواف كان الجنود ينزلون الممرات. كان لدى إيفرن سحر، واستطاع شعور العقاب المناسب لهم جميعاَ.
عند الطريقة التي بصق بها الملك الرفيع كلمة «كلب».
أظنوا عائلته مسخاً لهذه الدرجة؟ سيظهر لهم إيفرن معنى المسخ! أخذ نفساً للداخل وبدأ يقول الكلمات.
"مراد الفاتح، أنت و—"
ومن ثم، مثل بطانية مبتلة أُلقيت فوقه، اختنقت كلماته، توقفت، أُخمدت. دُفع للأمام بينما غُمس في صمت عابر وشلل لكل شيء في العالم. ماذا؟ ما الذي يجري؟! أُخمدت كلماته بعيداً وامتلاء العالم بإعلان رعدي واحد لأمر أجنبي.
"توقف!"
لماذا بدا ذلك يشبه صوت جويل؟!