۹.٣ وقف إفرين مستعداً، متخذاً الهيئة التي يظن حرّاسه أنها تمنحه مظهر الشراسة والإبهباء. جناحان منفرجتان قليلاً، عنق مقوسة باعتدال، وجه جامد كتمثال، أذنان منتصبتان. الأربع قوائم مثبتة بعناية، والذيل طليق يتحرك ببطء من جانب إلى آخر. تدرّب على طريقة الوقوف وتلك الهيئة المهيبة أكثر بكثير مما تدرّب على القتال!
على الأقل سُمح لفروه بالنمو طبيعياً لاستقبال الشتاء بعد زوال «الوصي»
البغيض. لا مزيد من قصّ نقوش المهرجانات الصيفية المحرجة لأن أحد النبلاء ظنّها أجمل من الفرو العادي. شيء كان من المفترض أن يكون احتفائياً وخاصّاً بات يترك نمطاً محفوراً دائماً، لكنه وجد عزاءً في ذلك على الأقل. وقف عن يساره الملك العالي مراد، بهيئة متيقظة تساءل إفرين الآن إن كانت مدعومة بإحدى خواتمه اللامعة. أكانت تلك الزينة مسحورة لتصبح منيعة أيضاً؟ أم إنها مجرد صفة في الثياب نفسها؟
لقد رأى الملك العالي يرتدي الكثير من قطع «الزينة»
اللامعة والمنسوجة بالمعدن حتى في فترة إقامته القصيرة حتى الآن. بالتأكيد لا يمكن لمراد الفاتح وحده أن يتحمل تكلفة إرسال جزية تعادل مدناً بأكملها إلى أمة الجن لتمويل خزانة ملابسه ذاتية التنظيف! وعن يمين إفرين، وقف شقيقه متراجعاً خطوة إلى الخلف، ليوفر بذلك بعض التستر على صعوبته الأكبر في الحفاظ على الهيئات الصلبة الواثقة للأمراء الآخرين. أولئك الذين اصطفوا في الباحة محاذاة لملكهم.
كلٌّ بصحبة أفراد مختارين من حاشيته الخاصة. وأمامهم ساحة واسعة مفتوحة، تُستخدم عادة لتوجيه الخطابات إلى شعب ماغارسكا. وقد أُغلقت الآن في وجه الجميع سوى الحراس الشخصيين لكل إمارة والملك العالي نفسه. جنود، مدرّعون ولامعون في فيض ساطع من الألوان.
بعضهم يرتدي ما يُسمى «ألوان بيت»
إفرين، والتي تصادفت تماماً لتكون ألوان فاناند و«الوصي»
السابق. الألوان نفسها مسدولة فوقه ومُفصّلة خصيصاً لتناسب حازم. على الأقل بدا شقيقه فخوراً بنفسه وبمكانه في مثل هذه اللحظة، أكثر من توتر اللحظة أو الرجال المعلقين في الهواء. كان هناك ارتجاف في الريح وفي عمق الحجر الصلب تحت اللوحات الجسدية لساحة القصر. شعور منفصل عن مزاج الحجر نفسه والريح. حضور حاول إفرين التركيز عليه منذ أن أخبره فيزبانتشز أنه يجب أن يكون قادراً على استشعاره.
شيء ينفصل، يتداخل، حادّ. ظنّ أنه يستطيع استشعاره، ربما؟ لكنه كان ضبابياً، غامضاً، يصعب فصله عن الحضور المتمتم للحجارة اليقظة تماماً. ومع ذلك، تراجع كل ذلك حين انفتحت بواتب القصر الداخلي. أعلنت الموسيقى عن الوصول. لكن إفرين شعر بصمم شبه كامل جراء الإحساس الزاحف من تلك البوابة. بدا العالم كأنّه يغدو ساكناً، صامتاً، غائباً بطريقة لم يدرك قط أنها ممكنة. مثل بنك متورم من غيوم العاصفة، تدفق الإخماد إلى داخل الباحة.
وكل حجر يغرق في الصمت تحت لمسته. لم يكن حضوراً مرئياً، ولا هالة كاتمة حقاً. كان لا يزال يسمع خطوات الجنود، المألوفة والغريبة.
صوت رجل ينادي بالاسم، واللقب، والضيف العظيم الماثل أمامهم: "أقدم لكم الضيف المبجل والجبار، جوهرة روتشفورد وباثوري، الممثلة المفوضة لماثياس من شتاين الملك العالي لمملكة كانتور المبعوثة. الهلاك اللامع وكونتيسة فيزنوف".
لم يملك إفرين إلا التحديق، بينما خطت إلى المساحة رفقته، بجسد يشبه الثعبان، وحراشف تلمع كالذهب في شمس الظهيرة المبكرة. جناحان غريبان ملتويان كالأصابع مع صفائح من الجلد مشدودة بينهما. قرنان حادان متراجعان إلى الوراء لا يشبهان أي مخلوق رآه قط. يكادان يكونان كقرني عنزة، لكنّ طول كل منهما يكفي ليكون سيفاً! تحركت بخفة جعلت الأرض تبدو وكأنها بالكاد تسمح لخطواتها بلمسها.
تتحرك كغمامة، كحلم، ككابوس مرعب. كانت ترتدي ثياباً، ولكن حيث كان هو مزركشاً بعبء ثقيل من المعدن والقماش المسدل؟ كانت الكونتيسة الدودة عارية تقريباً! مجرد حقائب جلدية رغم دقة صنعها بالكاد تبدو مناسبة لمخلوق بهذه الضخامة والفظاعة! وبعض الرايات السوداء الباهتة المتدلية فوق الحقائب الجلدية الأربع المربوطة بجانبيها. لكن ما عدا ذلك لم تكن ترتدي أي زينة على الإطلاق! ومع ذلك، لمعان حراشفها، وتلك الجودة الزيتية السوداء لذلك العرف الخشن؟
لم تكن أقل إرعباً بسبب حالة تعريها تلك. وتلك العيون، عيون سوداء نافذة ولامعة، كأحجار أوبال مصقولة تحدق فيه. تحدق من علٍ! كان طولها يقارب ضعف طول إفرين، ومسكت عنقها منثنية للوراء بحيث علت عيناه بسهولة. وكان لطولها باع جناحين يطابقه إن كان مقدراً له الحكم على غريف، فبامكان الزوائد المطوية أن تمتد بسهولة لتساوي بقية جسدها. مثلما هو الحال معه، بدا الباقي كأنه يمتتد من أحد الطرفين إلى الآخر بنفس مسافة الأمتداد من الأنف إلى الذيل.
كل ما فيها غريب إلى هذا الحد، متشابه إلى هذا الحد! اقتربت بخطوات أقل بكثير مقارنة باتساع خطواتها. قدم واحدة بالكاد تلمس الأرض في أي لحظة معينة. وحينها كان تدفق العالم الصامت يقترب منه وفجأة هبطت بثقل كالحجر. اتسعت تلك العيون السوداء قليلاً جداً في ذلك الوجه الغريب. أفعوانية وليست كذلك، أشبه بغريف من أي شيء آخر. أين فروها؟ ولماذا هي مخلوق أفعواني؟ أهل تربت على يد قوم رؤوسهم كَالطيور مثلما حمل أهلُه رؤوسَ الكلاب؟
إن كان الأمر كذلك، فأين ريشها ولماذا تبدو أجنحتها غريبة وقبيحة إلى هذا الحد؟! والأهم من ذلك، ماذا فعلت بالعالم؟! كان يستطيع استشعاره الآن، أمامه مباشرة! لو مدّ عنقه لاستطاع نقره بلسانه أو ملامسته بخطمه. لم يصب بالصمم، بل كان العالم هو الصامت. ليس حتى مكتوماً بل ميتاً في سكونه، غير مسموع تماماً. ولأول مرة في حياته، كان بإمكانه التحديق في الحجارة أمامه دون سماع أصواتها، حتى وهي ترقد تحت ما تُسمى الدودة اللامعة أمامه (أتراها انتفضت في باطنها من هذا الاسم كما يفعل هو؟).
استطاع استشعار تلك الفجوة المفاجئة بينهما حيث توقف العالم عن الغناء له. حيث تخلت عنه الريح نفسها. بدت الحدود الحادّة وكأنها سرقة! راحة عزى بها نفسه لسنوات تخونه! الشيء الصامت الغامض أمامه والذي يُفترض أنه نظيره، بل وأكبر منه سناً، كان يعيد التحديق فيه، رامشاً ببطء. ثم استدارت عنه، كأنها تتجاهل كل شيء يخصه. كأنها لم تلاحظ قط كيف انتزعت منه شيئاً لم يدرك يقط أنه كان يثمنه!
الصوت الذي صدر عن شفتي الدودة اللامعة لفيزنوف كان غريباً، حاداً، قاطعاً وثخيناً في طريقة تشكيله للكلمات. كان يئز بحدة كطنين النحل في مواضع كان يجب أن يصفيرّ فيها. صوت أنثوي لكنه ناضج، امرأة أجنبية تبدو كلماتها مع ذلك مقيدة بصعوبة. قوة كامنة تحتها يمكنها تحطيم الجبال ورغم هذا القيد كادت تجعل الحجارة ترتجف.
"تحياتي لك، أيها الملك العالي مراد الأول، فاتح أوريستياس، ومُعِيد بناء ترمينوبوليس، أشكرك على قبول طلبي للقاء بك وبالأمير الشاب إفرين فاناند".
استطاع إفرين الشعور بذلك الصمت الرهيب الذي يحيط بها وهو يتموج ويتزلزل بينما تتحدث، استطاع الشعور بالحجر تحت أصابع قدميه يرتجف ويصمت قبل أن يعود للهمس برقة له مرة أخرى. تخبطت الريح في رئتيه، وخدشت حنجرته. فهم الآن ما كان يحدث، ولم يستطع سوى بالكاد تدبر ردّ حين حثّه الملك العالي مراد على تقديم نفسه. حاول التحدث بلغة البلاط العالي بكل ذرة سلطة تعلمها. وأن يلفظ كل مقطع بقوة يمكنه حشدها.
كان التقدم للأمام جهداً أشقّ من أي شيء حاول القيام به قط. بدا ضغط الصمت حولها وكأنه يعتصره وهو يقترب أكثر. لكنّه واصل الضغط، بكل الرشاقة التي تدرّب عليها وتعاليم كيفية توجيه الضربات تحرك. بكامل وزنه لا بقدم واحدة فقط. اندفع بكلماته، ليحاول استعادة بعض صوت العالم منها. كانت الكلمات ذاتها التي أُمر بقولها.
قالها بقسمه، لكن صوته ضرب العالم: "أنا إفرين، أمير فاناند، حامي شعبها. أحييك وأرحب بك في منزل ملكي العالي وأتمنى أن..."
عاني، حتى محاولة الدفع ضد حضورها بدت كأكل الصخور بلا ريح لتحدّد أسنانه وتثبتها. بالكاد أعاد العالم صوته إليه ولو لبوصة واحدة في المساحة التي استولت عليها دون أدنى جهد عابر. لكنه رأى منخريها يتسعان، وبدا الوجه ساكناً عدا ذلك لكن العنق انثنى بخفة، والجناحان انفرجا قليلاً جداً. والالتفافات تبدأ بالانحناء والقوائم تتحرك. ليس بوضوح كافٍ ليراه أي شخص آخر، فكر إفرين، أو على الأقل ليس من لم يرا قط دودة تستعد للضرب.
"أ-أتمنى أن كلماتنا ت-تستطيع الحفاظ على السلام وتعزيزه".
تلك العيون السوداء الفارغة والخاوية اللامعة في الشمس كانت خالية تماماً من أي تلميح لشعور. لا شيء سوى الحساب البارد وانعكاسه الخاص يقبع هناك، والرائحة المنبعثة من الهلاك اللامع كانت رائحة عاصفة تحطمت على تربة جافة. لا شعور، لا رائحة، فقط صمت خانق وعيون سوداء لدرجة أنه استعاد معها كل الحكايات المرعبة عن وحش الشمال ذي العيون المطابقة لقلبها. وقفا هناك أمام بعضهما البعض، شعر كأنه ابن عرس، لقمة صغيرة تحت عيون غريف فرسان كاملة.
عيون خالية من الملامح تخترقه بفضول منفصل. لقد علق. لم يستطع إفرين الاقتراب أكثر، لم يرتجف، لم تتألم عضلاته، لكنه لم يعد قادراً على التقدم. لم يعد بإمكان صوتة جذب العالم أمامه بقوة أكبر. بكل جهده استعاد مجرد ثلاث بوصات من لوحة الباحة الفسيفسائية من المساحة الشاسعة التي ابتلعتها الكونتيسة وصمتها. ثلاث بوصات واستطاع شعور ريحه وهي تصارع، ترتجف كغصن على وشك التحطم.
أجاب الصوت الشمالي الثخيق لامرأة تقود الآلاف من الرجال إلى الموت: "أنا أيضاً أتمنى أن نجد السلام".
تدفقت الكلمات فوق إفرين والع العالم، وتحطّم عزمه، واضطر للتراجع ثلاث خطوات للخف. حاول إخفاء ذلك بانحناءة لطيفة، ببعض علامات التذلل. بعض الاستسلام للمخلوق المفترس الذي يتحرك كصياد. مما جعله يشعر وكأنه ابن عرس صغير للغاية. تراجع بعيداً عن الحجارة التي انقلبت ضده بأصواتها. ومن الحدود شبه المستحيلة للمكان الذي تخلى فيه العالم عن إفرين، وخدم الكونتيسة.