بدأ إفرين يطيل النظر في أخيه. رفع حازم بصره إليه في إحدى غرف الضيوف بالطوابق السفلى. كانت هذه الغرف، حسب لغة بقية قاطني القصر، مخصصة لضيوف أدنى شأناً من غرف إفرين نفسه، وكانت من الأماكن التي لم يحتج إفرين قط إلى ارتيادها منذ وصوله. أراد أن يعبس، أن يكشر. لم يكن فيزبانش مسروراً، غير أن أمير الذئب كان مهموماً بغضب شديد. لماذا كان أخوه هنا عوضاً عن أن يكون آمناً في موضع بيته؟!
لماذا لم يكن في حيث كان فيزبانش يعمل على تأمين طريق إلى غيرجينتات لعائلتهما؟! فاحت من حازم، من ناحيته، روائح غضب وحزن، ومعهما بصيص أمل محبط أيضاً. كان يرتدي القلادة الآن على الأقل! كادت تلك المعصية تـنزع زئيراً من الفزع من التنين عندما أخبره فيزبانش بأن أخاه قد تركها في صندوق. سر إفرين أن فيزبانش انتظر حتى خلا به ليخبره بذلك. لم يكن ليقدر على تمثيل دوره في قاعة الولائم.
قال: "أخي الأكبر..."
كانت أذنا حازم قد انخفضتا بالفعل، غير أن ارتجافة سرت في شفته وتجعداً ظهر على جبينه، فبدا وضوح رائحة التوتر والإهانة والكبرياء المجروح جلياً في عرقه.
قال: "أخي الأصغر، يسعدني أن أراك معافى، نحن نقلق عليك."
وتلك كانت الحقيقة، فقد يكون أخوه ضال الرأي وأحمق، وقد يفوح منه الغضب وأي عدد آخر من المشاعر، لكن حازم كان يعني تلك الكلمات. في تلك اللحظة. نفخ إفرين بصدره، وكان قادراً على استنشاق رائحة الخمر والتمور في أنفاس أخيه. كان يرى الموضع الذي استلقى فيه بين الوسائد. والعرق الذي بلل عنقه وظهره من جراء إفراطه في كتم فروه وقدميه داخل تلك الأغذية الغبية. ربما صدق أخوه ما قال، لكن دلائل كثيرة في الروائح كانت تكذب تصرفه البحت وفاقاً لذلك.
قال: "لماذا أنت هنا، أخي الأكبر؟"
كانت أذنا أمير الذئب نفسه للوراء، وقد انقبض جبينه بشدة بينما كادت شفتاه تمتنعان بصعوبة عن الالتواء، وكان يعلم أن رائحته كانت مزيجاً من رياح العاصفة والغضب. لم تكن تشبه رائحة عائلته لتلك الحالة المزاجية، لكنها كانت قريبة منها بالقدر الكافي الذي يتيح حتى لحازم أن يدرك مدى اضطرابه. ومدى خوفه على أخيه الأكبر الأكثر حمقاً.
قال: "أنا... لقد جئت لأساعدك يا أخي الأصغر، ل-ليس صحيحاً أن تبقلى وحيداً طوال العام! بعيداً هكذا عن البيت!"
حدق إفرين، واستطاع تذوق طعم الخمر على أنفاس أخيه، لكنه استنشق فوق ذلك فتات المعجنات، ولمحات من الشحوم المألوفة، باردة وأقل نضارة لكنها لا تزال حاضرة. ليالٍ من ذلك في الهواء وعلى الأشرعة والمفروشات. أروما مألوفة لولائم خلت. كان الإخلاص والحقيقة ماثلين في صوت حازم ورائحته، غير أن أمير التنين طالما تعلم كيف يلتقط الأكاذيب حتى حين يصدقها قائلها.
قال: "إن جئت من أجلي يا حازم، فأين كنت إذن؟ لقد كِلانا هنا منذ اثني عشر يوماً وليلة. إن جئت لتؤازرني؟ فأين كنت طوال هذه الأيام؟"
استياء، غضب، ورائحة الذنب الخافتة.
قال: "قال سيّد السادات إنك مشغول يا أخي، وإنه سيأتي بي إليك حينما—"
اضطر إفرين إلى الإمساك بحلقه بقوة، ليحبس الزمجرة داخله، ويجعله مستقراً ومتحضراً. مكنه التدريب الطويل مع رجال البلاط المتآمرين الأشرار من إبقاء صوته رقيقاً حتى مع تصاعد الغضب في قلبه. في الريح الهادرة بصدره. همس بكلمات خافتة لم تلتقطها سوى أذني أخيه.
قال: "الوصي كاذب يا حازم، إنه كاذب ولم يخبرني مرة واحدة بأنك هنا طوال هذا الوقت. أخبرك أبي وأمي بذلك، لا يمكنك الوثوق به يا حازم—"
التوت شفتا أخيه في زجره حقيقية، ونبح صوته بحدة خاطفة.
قال: "أمي وأبي أحمقَان رجعيان يا أخي! إنهما سيرميان بالهدايا التي منحتنا إياها ويبصقان على كل ما تعانيه بمعزل عنا—"
لم يستطع إفرين كبح كلماته سوى عن طريق همس غاضب. لا يزال خافتاً، وجب أن يكون خافتاً حتى مع زجرة أخيه ونباحه مثل وحش.
قال: "يا أحمق يا حازم! الوصي ورجاله كاذبون!"
تجمع لباس أخيه المخنق حول رقبته، وتحولت الرائحة إلى العفونة بغضب طغى على سائر المشاعر. عارياً عن أنسابه، نهض أخيه من الوسادة التي تشربت برائحة أريجه.
قال: "يا حازم الأحمق! يا حازم الغبي! يا حازم الأبله! ما زلت تدعوني بكل هذه الألقاب! تنظر إلي باحتقار، كلكم! كأنني لا أستطيع استشمام الكذب على الرجل! حتى أنت! تنظر إلي كأنني لست أكبر منك بستة أعوام؟! أنت وأمي وأبي وهونور!"
شعر إفرين بشفته تلتوي من تلقاء نفسها، لكنه حافظ مع ذلك على خفض صوت وتهدئته، حتى حين زأر أخوه بصوت علا حتى بلغ المدى.
قال: "يمكن للوصي ورجاله أن يكذبوا ومع ذلك تظل رائحت