7.2 لم تكن برويزر تعد نفسها ممن يهربن من الخوف. ولو كانت رجلاً من قبل لهوت بلكمة على وجه من يجرؤ على لمزها بذلك، ولأمضت وقتاً طويلاً في تأمل مبلغ ما تستطيع الإفلات به من انتقاص لرجولتها إزاء هكذا إهانة. لذا فقد كانت ثابتة الشجاعة بكل كمال حين أقسمت لجميع الملوك الذين غרسوا أيديهم الدنسة في لحمها وعظمها ألا تجرؤ الكونتيسة اللامعة نفسها، وبشخصها، على دفع برويزر للسفر بقارب الكهوف مرة أخرى!ما خطرت بbال قط أنها ستسعد برؤية ليلة ملبدة بالغيوم تكاد تخلو من أي نجم ظاهر.
لكنها ها هي ذا تبتسم كالمعتوهة من خلف حجابها. لو أنها لم تبتلِ باللعنة إلا منذ عام واحد لأنكرت الدموع المتجمعة في مقلتيها. غير أن عيون الشابات الهزيلات كانت كالخونة شأن سائر وجهها، تفور كالينبوع حتى في أقسى لحظات تجلد أبناء جنسها. وبرويزر أعلم الناس بذلك، فهي من أشدهم شكيمة.
لحسن الحظ أن الفتيان والفتيات النحاف من طاقم روبين كانوا أعقل من أن يعلقوا، وكان البحارة شاحبو الوجه أشبه من أن يشغلوا أنفسهم بالشماتة من جميع «عذارى كهوف محبي الشمس»
اللائي أخذن يبكين تقريباً جنب إلى جنب مع الفتاة الهزيلة. وهو ما نجح أخيراً في تحويل نظرها عن ذلك الفضاء الكئيب البديع من السماء السوداء ووميض البرق الخافت. لا شيء من تلك السماء الزائفة البغيضة والملعونة بأضوائها المحطمة للأرواح. ولا مصابيح الفحم الحمراء الخافتة بوصفها التوهج الوحيد على السفينة لأيام متطاولة وأيام وأيام لا تحصى.
ولا ذلك التوهج المرعب والمهلك لكل ما عداه لـ«ضوء منزل الإرشاد»
وهو يشق طريقه حارقاً أمامهم عبر سواد ذلك البحر السفلي الممتد بلا نهاية! مثل عين حمراء عظيمة تحدق فيهم. ترمش ببطء وثقل نحتهم. كان طاقم قوارب الكهوف وقادتهم مجانين! مجانين تماماً!ما كان لأحد أن يحتمل عن طيب خاطر تلك المحنة التي عاشتها برويزر لتوها طوعاً.ولا مرة. ولا مرتين. بل في كل موسم!
ذهاباً وإياباً عبر ذلك المتاهة الملتوية المرعبة من الأنهار، وتحدياً لذلك الامتداد المظلم السحيق حيث يمكن لأي ضوء لا يماثل الحمر المشؤومة للدماء المسفوحة والنيران المحتضرة أن يلقي بك في «جنون سُكر الضوء»
أو أن يستدعي على ما يبدو ما هو أسوأ بكثير.
لا عاقل سيرى في التحديق داخل ضوء فانوس «برج الإرشاد»
الحارق والمليء بالبغضاء لساعات وساعات طوال أمراً مرضياً. ولا عاقل سيقيم حفلاً للاحتفال وسط تلك الكآبة الحمراء المرعبة!كان الأمر أشبه بقرية غريبة ملعونة تسكنها وجوه شاحبة وصلعاء لرجال ونساء. عيون متسعة وفاهة في الظلام لدرجة تبدو معها كأنها تلك الأسماك المرعبة التي يقتاتون عليها!ارتعدت برويزر تذكرًا للأشياء التي خرجت من الماء على ذلك الشاطئ. وما طبخه سكان الكهوف وأكلوه!
لم تفهم من قبل قط المعنى المقصود من خسة مساكن المسوخ التي تُذكر في الهيكل، أهوال الكهوف والأماكن العميقة. لكن الطريقة التي شوّه بها ذلك الظلام السفلي الأسماك البسيطة والحيوانات الأخرى جعلتها تعجز حتى عن تخيل ما كانت عليه من قبل!
تلك الأشياء البشعة المتموجة التي لعلها سمعت أحد «حراس الضوء»
يدعوها خنزيراً؟ بدت تلك الكائنات البائسة أشبه بالديدان ذات الحوافر المشقوقة مقارنة بأي خنزير رأته! عيون مفقودة أو منعدمة تحت طيات اللحم الشفاف. كلها جلد متموج ومهتز وأوردة زرقاء مسودة! لكن كل ذلك قد أصبح خلفهم الآن. ذلك المأوى الخرافي للمساكن المنفقبة وسكانه المتسللين الشاحبين. الأنفاق المائية التي لا تنتهي. رياح النجوم والسماء اللعينة تعوي مرتين في اليوم! الصوت الأفظع لعبور اللجة السفلى؟!أهوال متضاربة ومتناقضة متراكمة الواحدة تلو الأخرى!أخذت برويزر نفساً ثقيلاً ولم تستطع منع الضحكات من الإفلات من حلقها وهي تزفره.
لم تكن ترتجف، بل كان زفيراً خشناً وخاماً مشبعاً بالارتياح! ولم تعد تبالي حتى عندما بدأ المطر ينهمر على وجهها، ولا عندما بلل شعرها فاصتصقه برأسها. وتشرب ثيابها. وكيف نهش جلدها بالبرد. لكن حتى لو كانت قطرات الماء تلسع بمرارة في صقيع الجو، فقد كان الأمر أفضل بكثير لأنها خرجت وصارت حرة تحت سماء مفتوحة حقاً! لكن ما هو أفضل من ذلك كله؟أبعد حتى من طريقة تبللها لدرجة تكاد ترتجف فيها تحت عاصفة حقيقية تلي مواسم بدت وكأنها دهر قُضي تحت الأرض؟إنه قرب تخلصهم من هذا القارب البغيض وحضور ذلك الطاقم اللعين المريب لقارب الكهوف هذا!
أيام على أيام محبوسة على متن ذلك القارب اللعين أو في ردهات الفنار الأحمر الملعون المتعرجة! لو أنها لم تر الأهوال التي سبحت عبر المياه ذاتها التي رأتها تتدفق من الكهوف من خلفها، لربما قفزت من القارب هناك وحاولت اختبار حظها بالسباحة نحو أضواء الوهج الأصفر الحقيقي الأكثر جمالاً من الذهب على بعد ميل واحد فقط أمامها. لكن ذكريات ذلك الرجل الوحيد السكران بالضوء هي التي كبحتها.
ومع ذلك فقد جذبتها المدينة المتألقة بجمال ذهبي بطريقة لم تكن صلة لها بكونها ما أسماه بحارة الظلام الملعونون «محبوبة الشمس».
لقد كانت مجرد لياقة عادية لأي رجل أو امرأة أن يرغب في رؤية العالم مضاءً بشيء آخر غير الفحم شبه الميت وما عسى يكونه فحش ذلك الفار الفاجر المسمى بالفنار الأحمر!ألم يكن ذلك أمراً غير طبيعي، ومؤكدًا أنه يلقي بلعنة على ما تحته؟ جذور سوداء تكاد تتلوى في الوحل والقذارة، وخنازير ديدانية مرعبة تمضغ بأسنان غير مرئية.
سوائل لزجة تحيط بـ«وجوهها»
المخفية تحت اللحم. تنقب في تلك القاذورات وتتكسر على العظام. كادت برويزر تلكم حين استقرت يد على كتفها، ولم تدرك إلا في اللحظة الأخيرة أن الشكل الذي بجانبها لم يكن سوى روبين، مرتدياً رداء مسافر كرجل عاقل بدل الوقوف بقميص وسروال يتبللان في المطر القارس كأي فتاة هجينة رعناء. فناولها الرداء الأقصر بكثير والمصمم على مقاسها دون كلمة واحدة. أصدرت همهمة له، ولربما لم يصل الصوت إلى أذنيه مع اشتداد هطول المطر.
وهو ينهمر بقوة ليصطدم بالأمواج المتصاعدة من حولهم. لتلعن الآلي والأقدار برويزر، أترى سيكون بمقدورها حتى الوقوف على أرض جافة دون ترهل بعد هذا؟ بالكاد لاحظت صعود السفينة وهبوطها تحتها، حتى مع تصاعد الرياح لتبلغ ما بدا عاصفة قبيحة بحق. أصوات البحارة وهي تنادي بأشياء ظلت حائرة فيها. أمور تتعلق بالحبال، الأشرعة، والمقاذيف. كل تلك التعاويذ الغريبة التي تتيح لهم تحويل الريح العاوية والمنحدرات المائية الهائجة في نفاق إلى حركة بالاتجاه الذي يبتغونه.
أبداً لن تعود. لن تسافر برويزر قط عبر تلك الطرق المظلمة مرة أخرى. على حياتها! نطق روبين أخيراً بصوت علا بما يكفي ليُسمع فوق الهطول المفاجئ والرعد.
"لننزل إلى جوف السطح وندع القبطان وطاقمه يقومون بعملهم. لقد انتهينا منهم تقريباً."
لم تجرؤ برويزر على الرد، فالارتعاش الناجم عن انعدام الدفء والبلل العميق كان يجعلها ترتجف. كانت ستصبح حمقاء إن بقيت خارجاً وسط العاصفة، بغض النظر عن مدى جمال تلك السماء الملبدة بالغيوم. لم تدرك قط كم يمكن للسماء التي تخلو من النجوم أن تكون مضيئة. لكن على أية حال، كل شيء سيبدو ساطعاً بعد الظلام القابع تحت الأرض. فلا زفت ولا سخام يقارنان بسواد تلك اللجة. التي زادها عمقاً بطريقة ما تلك الأضواء الزرقاء الرهيبة الكامنة في جوفها.