6.6 بعد يومين من السفر بالطواف، فاض الكيل بجويل! استقر معدة جيم أخيراً، لكن هيئتها التنينيّة بدَت خرقاء وثقيلة ومحفوفة بالمخاطر وهي تطفو على قارب فوق الماء لدرجة أنها لم تعد تحتمل! لذا سبحت. كانت بيضاتها الثلاث وعتادها بأكمله مؤمّنة في رعاية سميثسون وجيم بول ومورييل ونصف دزينة من أفضل حراسها. لذا تجرّدت جويل من أي رداء أو لباس قد يعلق بنهر الفاه أو يتبلل بمياهه.
ساورها بعض القلق حيال الأمر بعد تجربتها في التعثر داخل الفاه مطاردةً اللصوص في العام الماضي. لكن حتى حينها بعد أن توقفت عن الذعر لم يكن الأمر سيئاً إلى هذا الحد! كان الجزء الأصحب في الخروج من الماء هو تعلم أنه حين تغوص جويل في الفاه يحب ألا تستخدم قط، وتحت أي ظرف، أي جزء من لهبها التنيني لتخفيف وزن جسدها. كانت الرغبة في فعل ذلك قوية، شيئاً تفعله بالكاد دون تفكير، لكن ما الذي يصنع وثبة رشيقة في الهواء؟
لقد سرّها أنها عرفت من تلك التجربة المخزية وغير المشهودة ما سيحدث. إذ إن أي لهب تنيني في طياتها يدفع جويل للتقلب والدوران بلا حول ولا قوة في التيارات الجارفة مثل وشاح سكران! لكن ما إن أتقنت غريزة ملء جسدها باللهب التنيني؟ صار السباحة ممتعة بشكل لا يصدق! كان الأمر أشبه بالاستحمام في ماء بارد، ومع ذلك لم يكن كذلك قط. حتى في الحمّامات كانت جويل تشعر بالضيق وتضطر للحذر في كيفية مد جسدها أو أطرافها.
لكن في مياه الفاه؟ واسعة وعميقة كما كانت؟ كان هناك متسع حقيقي لتتمدد وتتثنى وتمرح بحرية في الماء! كان الأمر مبهجاً وغريباً في آن واحد. ومتفوقاً بكل الطرق على محاولة حفظ توازنها على الإحساس المتأرجح أبداً، والذي يوشك دائماً على الانقلاب، والذي عاشته على متن الطواف! في طريقها جنوباً من كلياتباترن ملأت نفسها بقدر كبير من اللهب لدرجة أنها اضطرت للتمسك بسطح الطواف الخسبي خوفاً من أن تطفو بعيداً أو تغرق السفينة بأكملها بكل ما تحمل من بضائع وركاب!
لكن في الماء؟ بينما كان ينشد بمرح ويهدر بسرعة بجانبها؟ ومع ذاكرة كانت في عجلة شديدة لدرجة أنها كانت خالية تماماً من الفكر والتدبر وفي الوقت ذاته ممتلئة بلمسات متأرجحة لا تنتهي من الانطباعات لعشرات الأميال من الضفاف والتعرجات؟! كان الفاه حياً وكان يرقص مع جويل حتى وهو يحيط بها! والآن بعد أن تعلمت طرقه من ممارسة العام الماضي (متعثرة ومكافحة للتحرك بينما كانت تطيح بها مياهه) استطاعت جويل أن ترقص مع الفاه!
كانت تيارات الماء تغسلها وتدور حولها في سيل من التناقضات، سائلة وثابتة، يافعة وأبدية، طائشة وحكيمة للغاية. كلها كانت حقيقية في مياه الفاه، وحيث كانت من قبل عالقة في كل ما عجزت عن استشعاره في داخله. الآن؟ الآن راحت جويل تتهلل بكل ما تستطيع! صار من الصعب تقريباً تذكر الصعود إلى سطح الفاه بجانب طواف رفقائها وبصق الماء من رئتيها. نفض وإزالة اندفاعه عن أذنيها. تجفيفه من عينيها.
"هل تستمتعين يا عزيزي؟"
نادى عليها بول من مكانه في وسط الطواف. لم تستطع جويل كبح ضحكتها وفرحتها بينما كان الماء البارد يتدفق من حولها، لقد بدا الأمر أشبه بالتحليق الآن بعد أن كفت عن إجبار نفسها على الططفو!
"بل جلياً! أقول إنه يجب عليك الانضمام يا زوجي، لكنني أعظن أن الأمر بارد بعض الشيء بالنسبة لك."
سارت جيم بتردد نحو حافة الطواف وسبحت جويل بحركة متعرجة مع تيارات الفاه لتنضم إليها. امتزجت الذاكرة والخبرة حين اقتربت أخيراً من السفينة لدرجة أن أفكارهما تقاطعت. نعم، مع سياق حساسية هيئتها الأصغر تجاه الهواء المنعش، سيكون عذاباً رهيباً أن يتبلل المرء تماماً بفعل النهر. مع ذلك لم يستطيعا البقاء على اتصال، فمجرد تلك اللحظة بعيدة عن البيض كانت تكفي بالتأكيد لتسريب اللهب التنيني!
سحبت جويل أدنى أثر للهب ليقتصر على صدرها وعنقها فحسب، ما يكفي لجعلها تطفو بجانب الطواف في رحلته جنوباً ثم توازن عنقها خارج الماء لكي تلامس جيم أنفها بأطراف أصابعها. مجرد ما يكفي لإعادة ملء لهب هيئتها الأصغر. ثم سارعت هيئتها الأصغر بالعودة إلى وسط القارب لكي تلتقط لهبهما وتديره عبر البيض. ألقت جويل نظرة على مورييل وسميثسون في موقعيهما حول أثمن ما تحملان. موجهة أمراً مسموعاً بما يكفي ليسمعه الطواف بأكمله.
"أظن أنني سأسبح بجانبكم حتى نتوقف طوال الليل. الفاه منعش للغاية."
وحينها نزلت إلى الأسفل مرة أخرى، زافرة الهواء من رئتيها وجاذبة الماء البارد. متقلبة فوق نفسها تحت الطواف. محتضنة جيم وصغيريها الآخرين داخل بيضيهما في ذلك الغلاف الغريب لوجودها. مكتفية بمشاركة شعور كل ذلك مع كل جزء منها. كان تيار النهر ينساب حولها ومعها تماماً كما فعل دمها الخاص. بل وأكثر من دمها! منساقاً مثل الوجود المتوهج بلا نهاية لهيبها التنيني. متدفقاً على طول طياتها.
ولم يعد متوهجاً في المقدمة إذ لم تكن ترغب في أن تخف لدرجة تغلب النهر عليها. لكنه كان حاضراً على أي حال. مستمراً في الدوران عبر هيئتها التنينية وجيم والبيض. ومن خلال العالم نفسه. كان الفاه حياً، أكثر من مجرد الأشياء التي تعيش في داخله. أكثر من النباتات والأسماك والكائنات الزاحفة وكل ما عداه مما شعرت به لكنها لم تراه. أدركته لكنها لم تفهمه. ذاقته لكنها لم تعرفه. كلا، لقد كان حياً بالطريقة التي تكون بها الرياح والحجر والعالم من حولها حياً دائماً.
لكن حيث كانت الرياح عابرة لدرجة أنها بالكاد تحمل فكرة. وحيث كانت الحجارة بطيئة جداً وبطيئة في التغير لدرجة قد تفوتك أفكارها في طحنها التدريجي. الفاه؟ نهر فيزنوف؟ كان واسعاً، مضطرباً وبطيئاً ومتغيراً وثابتاً. لقد كان كل تلك الأشياء وبطريقة ما بدا فيها أكثر حيوية بلا شك. وليس أي جزء وحد، ولا أي جدول أو تيار منفرد. بل معاً كله. مع ركض جويل والتفافها على طوله، تقريباً مثل مجرد تيار آخر من تدفقه الأعظم.
لقد كان الأمر جميلاً للغاية هنا في الأسفل، حتى مع كون الماء عكراً ومظلماً ويصعب رؤيته حتى لعينيهما. صوت كل ذلك وحضوره. لماذا لم تسبح جويل في النهر من قبل قط؟! لم ترغب في مغادرة الرقصة الآسرة واحتضان المياه حين وصلا أخيراً إلى مرفئهما للمبيت. لكن جويل لم تستطيع إنكار واجباتها أو عائلتها وأصدقائها.
أكدت لها جيم من مكانها المتوسد بين البيض أن «والدتها»
معهم ولم تُترك خلفها. لقد كان مغرياً للغاية البقاء هنا في تيار الماء، تركه يغسلها طوال الليل وطوال اليوم، وترك المياه تندفع حولها لمواسم! لكنهم كانوا يفرغون الطواف لإقامتهم في فيشويل. يوم كامل على النهر ومضى في لمح البصر، في لحظة، في حاضر أبدي لا ينتهي! وثبت جويل من الماء إلى الرصيف، متخلصاً من الماء بفضل الإرادة المحضة. مبقية الماء في جداول مسيطر عليها تنزلق من كل حرشفة وخصلة شعر في لبدتها.
ولا قطرة شاردة تسقط على حزبها أو المتفرجين اللاهثين المتراجعين عن ظهورها المفاجئ. بسطت جويل جناحيها واتخذت وضعية. مستقرة في كل اتزانها ووقفتها المعتادة، متفحصة رعاياها بنظرة هادئة لتجعلهم يدركون أنها تعترف بهم ككونتيسة لهم. رغم أن ما كان يجب أن يكون ابتسامة هادئة أبى أن يظل صغيراً ومتحفظاً، بل انفتح بدلاً من ذلك عن البهجة التي ما زالت تفور من سباحتها في ذلك اليوم.
وجاء صوتها بالمثل مفعماً بالحيوية أكثر بكثير مما تفعله عادة.
"تحياتي يا منعطف فيشويل! من الجيد رؤيتكم مجدداً!"