التنين اللامع الفصل 307

اقرأ التنين اللامع الفصل 307 باللغة العربية على مانجا تايم.

3.8 استمع بول إلى الخدم وهم يتحدثون عما بات متفقاً عليه بين الجميع باسم وليمة الجن.

"نور السماء، والألوان!"

"بلى ولكن أرايت مؤخرة تلك المرأة أنانا؟ منظر يدفئ الرجل شتاءً كاملة."

في الصباح فكّوا المخيم وسلكوا الطريق المنحدرة بلطف نحو الشرق والشمال عائدين صوب الفاه.

"بعضنا لم يكن يملي عينيه من مؤخرتها."

"أحمق منكم من لم يفعل تلك كانت مؤخرة تخص السموات!"

فكر بول في كل ما شهدوه. ما كان جزءاً منه. ما زالت أصابعه تحكّه وتوخزها غلالة الإحساس بآلته بين كفّيه. لمس جزء منها لشفتيه. طريقة تنفسه.

"أنا حقاً كنت مشغولاً بحفظ الإيقاع. ما ظننتني أصلح للعزف يوماً... ولكن هذه القطعة بدت ملائمة تماماً بين يديّ. وذلك الصوت الذي صنعناه؟"

"نعم، طالما رغبت بالعزف، لكنّ أبي كان ليحلق جلدي لو رآني أكلم المغنين الجوالين حين يمرون."

ما عدا المشاهد والرؤى والطعام الذي دار على ألسنة جل الرجال. الموسيقا. مُنحوا جميعهم آلية وعُلِّموا العزف عليها بفظاظة تلك الليلة ذاتها. عزفوا كلهم موسيقا. بات الأمر ضبابياً الآن في الصباح. لم يفكن يدرك جل التفاصيل الصغيرة عن كيفية فعله وقتها. لكنه لم يكن عسيراً أيضاً، كالتدريبات العسكرية، كالخطوات الأولى للكارولا. كان يتبع فقط ويكرر ما عُرض عليه فخرج الصوت والموسيقا من الآلة.

مدفوعاً بأزواج أخرى عديدة من الأيدي تفعل مثله. بصوت جنيّ يغني.

"لم يكن الأمر صعباً حقاً أليس كذلك؟"

"كلا بالنظر إلى الضجيج الذي أحدثته هذا الصباح فقد كان صعباً للغاية، مجرد سحر جنّي يساعدك في المضي. ككل شيء آخر البارحة."

صنعوا ما اضطر لموافقة ألدر عليه بوصفه أغنية حقيقية حقاً. وإن كان مجدداً وكما تذمر الرجال، فإن أية موهبة كشف عنها الجن لفترة وجيزة قد تلاشت منذ زمن مع شمس الصباح. تاركة الجميع باستثناء قلة ممن تلقوا تدريباً موسيقياً يتخبطون محاولةً استعادة حتى جزء ضئيل مما صنعوه مع الجني والنار وتلك الحجار الغريبة التي توهجت بنور وصور لم يُرَ مثلها قط. أهي الرؤى؟ أم ذكريات؟ أم تعاويذ سحرية صُبّت عليهم جميعاً؟

أم مجرد نور وظل بحرفة بارعة؟

"أنا بصدر النسوة أحرص بصراحة. أشد الأشياء انتصاباً."

"أكنت الوحيد الذي لم يحدّق في المرأة!؟"

"لا أرى كيف لم تفعل! كانت هناك تماماً على الحجر بارتفاع خمسة عشر قدماً!"

سمع حنجرة المخلوق الجني تتشقق وتتكسر أسىً في النهاية هناك. غنّت لوهلة لكنها ظلت تتألم وتتوجع. ثم فرت. كان شيئاً جذبه في كل ذلك كطقس في معبد. تلك التي تحضرها عائلة جويل كل شتاء. لكن بأكثر من ذلك بكثير. صارت الأحجار السموات ذاتها. السموات الأصلية؟ هكذا زعم الجني. وتلك الاشياء...

"قد تكون غنيمة وعطية لعيون الرجال أجمعين أو لا، لكن ليت الجني أظهر منها أكثر مما فعل."

بدت كمدينة. لكنها مدينة من كوابيس. كائن متموج جائع يترك كل ما حوله خراباً لأجساد جائعة ناحلة. بدا لفظها رعباً حياً على لسانه الآن. أوروك.

"أتظن ما رأيناه حقيقة؟"

"وكيف لي أن أعلم؟ هذا شأن الكونتيسة ورجليها."

نفض بول عن نفسه. علّمه عيشه مع جويل ووقته في الوصاية ما هو أفضل. كانت الأهازيج والتباهي دأب البلاطات كلها. سواء أكانت للجن أم لبشر، أو لتنين أم لوحش ناطق. روى سلسوس قصصاً خيالية حتى لتهيل أن الرعي والتغوّط في المروج لثماني سنوات مهمة ملحمية لحفظ دعائم السماء ذاتها في مكانها. استطاعت جويل نفسها أن تنسج حكايات تضاهي أحسن الفرسان ورغم أنها لم تكذب قط إلا أنها لم تروِ يوماً تمام جلاء ما حدث فعلا.

مضيفة زخارف متبسطة على الأحداث ظنّ بول أنها نادراً ما كانت مبررة. ركّز بول على تلك الحقيقة. أنه على الرغم من كل السحر والعجائب في العالم. وعلى الرغم من كل الأساطير والأساسيات حول جن العالم وقواهم العجيبة. يظل التباهي على الولائم تباهياً على الولائم. ذلك المكان، ذلك الشيء المرعب الذي رآه وسععه في أغنية الجني حتى لو وُجد فربما لم يكن أبداً بالفظاعة ذاتها التي أرتْه إياها الرؤية.

كان ثمة نوع جليّ من الدم البغيض بين ألدر وتلك الأوروك.

ولعله كان مجرد ما يلقاه مصير كل "مستوطنة ملعونة"

من الأساطير في النهاية. بعد ألا يُترك حجر على حجر وتُنسى الأراضي. كانت نكاية الجن الأخيرة أن يصوروا تاريخهم كله بوصفه مكاناً شيطانياً مرعباً. أن يلقوا بكل شرور العالم ومشاكله عليهم. بدا ذلك منطقياً فحسب. كان لزاماً أن يكون منطقياً. ارتجف بول وحاول تأجيج شجاعته في دفء شمس الصباح الباكر. ركّز على ركوبه وعلى الإحساس في أصابعه. ذكرى العزف كيفما وُجّه، كانت تناديه. فكرة أنه يستطيع فعل ذلك حقاً.

حتى بعد تجاوز سن الشباب المعتاد حيث يتتلمذ المرء عادة لأجله. نعم. سيأخذ ذلك الجزء من هبة الجن ويدع البقية تهدأ لتتلاشى في التباهي المعتاد وأنصاف الحقيقة لأهازيج البلاط. ذكرى مسلية لا أكثر. فضلاً عن ذلك ووفقاً لكلمات الجني نفسه لم يعد هناك مكان يسمى أوروك. وسواء أكانوا أجداداً أم لا فلم يبدو أن ثمة ضغينة أُضمرت ضده إزاء أي تعدٍّ ارتكب منذ أمد بعيد. ومع ذلك ظلت رؤية تلك المدينة تطارده.

الأجساد المتكاثرة حتى تدحرجت الجماجم كحبّات الرمل. الجدران البازغة كمطرقة على وشك السقوط على رأسه. الكلمات الأخيرة المفارقة على هبوب الريح.