2.8.
سُرّت «مهشّمة»
لأنّ الفتى استمع إليها حقّاً. لكنّها، الحقّ يقال، ربّت هذا الأحمق طوال نصف عمره تقريباً. لذا بدا منطقياً تماماً أن يذعن لكلامها في نهاية المطاف. أمر مضحك حقّاً، تربية طفل.
كانا يشقّان طريقهما في نهر «الفا»
على متن قارب تجاريّ غُنِم بعد ظهر ذلك اليوم.
لزمت «مهشّمة»
صمتها المعتاد، وهي تراقب الفتى الأحمق ابن العجوز «نصف-ويلي».
فتى أعملاق بشعر أصفر وعينين زرقاوين. أشبه بأبيه تماماً. وروبن؟
كانت «مهشّمة»
تُذهل كلّ يوم كيف يمكن لمن هو بمثل هذا الذكاء والفطنة أن يكون بهذه الغباوة المذهلة. لكنّ الفتى كان ذكيّاً، وها هو ذا يستمع إليها أخيراً.
أفضل ممّا فعلت «مهشّمة»
مع أبيها، أو أمّها أيضاً. لمَ كان الأمر هكذا؟
حين كانت رجلاً في السابق، لم تفكّر «مهشّمة»
قطّ في الأطفال. كأنّهم يحدثون عفوياً بعد قضاء وقت ممتع. لكن حين كانت رجلاً، لم يكن ذلك يعينها بشقّ عصا. كانت النساء يتولّيات أمر ذلك كله. تساءلت إن كان هذا جزءاً من لعنتها. على الرغم من كلّ جهدها، أتحوّلت لتصير أكثر أُنوثة في هذا الأمر؟ ألتترسّخ فيها مشاعر تجاه هؤلاء الحمقى طويلي القامة؟
لم تكن «مهشّمة»
تظنّ ذلك.
كان «نصف-ويلي»
(بغضّ النظر عن النكات حول فحولته) مغرماً جدّاً بهذه الزمرة من الأطفال الحمقى. ولم يكن سوى واحد منهم فقط ابنه (أو كاد يكون يقيناً). لن تمنح اللعنة هذا الفضل. كانت تعتني بهم لأجل نفسها. لا بسبب سحر التنين الملعون. لم تكن لتُخبر أحداً منهم بذلك بالطبع.
كان لا يزال لدى «مهشّمة»
شيء من كبريائها. ومع ذلك، رؤيتهم سعداء هكذا؟ كان الأمر لطيفاً.
لم يكن روبن يعلم ما فقدته «مهشّمة»، ولم يحكم عليها بسبب ما عادَت عليه أو ما اقترفته.
كان فتى طيّباً. ولا يزال أصغر من أن يخوض غمار هذه المهنة. هذا المهر الطويل الأملس من أشباه الرجال لم يكن يتذكّر حتى كيف كانت الأيام تحت حكم الكونتيسة القديمة. أصل هؤلاء اللقطاء لم يكن بالنسبة إليه سوى حكاية تُروى من أيام طفولته، لا حدثاً مريعاً وقع بالفعل. حكايات حانات تضخّمت وتبدّلت لدرجة تجعله يرتاب منها كلّها بحقّ. وكان ذلك مريحاً، ألا تجد حولك من يتذكّر هيئتك القديمة.
كان هو وابن «نصف-ويلي»
يعدّان بسعادة الفضّة التي سلباها من ذلك القارب التجاري الصغير صباحاً. وكان صاحب القارب الذي يهديهما مجرى النهر يرمق القطع النقدية بنظرات جانبية. وربّما كان يفكّر في كمّ المال الإضافي الذي كان بإمكانه طلبه.
سدّدت «مهشّمة»
نظرة حارقة نحو الملّاح حتّى انتبه إليها، فالتفت بسرعة إلى المياه أمامه كما كان عليه أن يفعل منذ البداية. لم يلاحظ الأطفال شيئاً حتى. حمقى. كان روبن شديد الثقة بالآخرين. أصغر بكثير من أن يكون قاطع طريق.
أو لعلّ «مهشّمة»
كانت هي العجوز أكثر من اللزوم. لم تشعر قطّ بأنّها تقترب من الخامسة والأربعين. بصراحة، ومنذ أن صارت لقيطة، لم تشعر قطّ بحال أفضل. كانت تلك هي المزية الوحيدة التي قد تشكر اللعنة عليها على مضض. أمّا عن كونها أقصر من طفل، فلتلك غصّة.
حتّى لو أنّ «جون»
كان سيبدو عملاقاً إلى جوارها حتى حين كانت «مهشّمة»
رجلاً سويّ التكوين. لا مفرّ من ذلك. الحياة حياة. تماماً كما كان على أمّ روبن أن تمضي قُدماً؛ فالحروب تفرخ دائماً أبناء زنا عقب كلّ حملة. تتكاثر كالأعشاب الضارة. إحدى حسنات الذهاب إلى الحرب بالنسبة لبعض الرجال. لكن عادةً ما يُقال إنّ أهل القرى يعاملون نساءهم أفضل منها. بحق الجحيم، ربّما عاد معظم الجنود ليتزوّجوا فتاة بصورة لائقة بعد ذلك.
سمعت «مهشّمة»
على الأقلّ أنّ بعض رجال الحرس القديم فعلوا ذلك بعد إحدى الحملات.
لكنّ الأمور لم تسرِ على هذا النحو بالنسبة للمسكينة «أدا».
أُبعد المسكين روبن وأمّه.
واكتفت «مهشّمة»
بتلك القصة ليلة بعد ليلة. وهي تستمع إلى الفتاة المسكينة تنشج في ساعات الظلام بعد أن يخلد ابنها الرضيع إلى النوم.
لقد أثار هذا النوع من الأمور دهشة «مهشّمة»
في البداية. أن تُعامل كامرأة على هذا النحو. أن تُلَج في أسرار لم تكن تدرك حتى حدوثها. ومثل غالبية حياتها الجديدة، كان الأمر صدمة، إلى أن بطلت الصدمة. ففي نهاية المطاف، طالما كانت أذناً صاغية لرجال أغرقوا أنفسهم في الجعة من قبل.
ولم تكن «أدا»
تختلف كثيراً عنهم. يبدو جليّاً أنّ الرجال والنساء لا يختلفون حقّاً عن بعضهم البعض.
تأمل «مهشّمة»
بعد كلّ شيء. لم يعد هناك أيّ مبرر للرثاء لحالها الآن، خصوصاً بعد سنوات من التعامل مع هذا العدد الهائل من الشباب.
لكنّ «مهشّمة»
لم تكن معتادة على ذلك في ذلك الحين، ولا سيّما أن يصدر الأمر عن متكلّمة شابة وأنثوية إلى هذا الحدّ. لتعنها الأقدار، لم تكن الفتاة المسكينة أكبر بكثير ممّا هو روبن الآن!
وقد أسدلت «مهشّمة»
قناعها. وحين يكون لك وجه كهذا؟ وجه لا يملك إلّا أن يكشف حقيقة قلبك؟
أجل، فحتى من دون هراء «الأخوة النسائية»
الذي يتحدثون عنه، كان الناس يتحدثون إلى اللقيطات سافرات الوجوه.
لهذا فضّلت «مهشّمة»
إبقاء قطعة القماش على وجهها. كان بعض رفاقها يعجبهم كيف يسكب الناس أحزانهم بمجرد إظهار القليل من التعاطف.
أمّا «مهشّمة»
فلم تكن تحبّ ذلك. لكنّها نالت نصيبها الوافي من الثرثرة على أيّ حال.
مع ذلك، المسكينة «أدا»، فقد كان تقديم أذن صاغية أقلّ ما يمكن للّقيطة فعله.
لاسيما وأنّ «نصف-ويلي»
كان شغوفاً بها إلى حدّ كبير.
وفي النهاية، وجدت «مهشّمة»
نفسها تعتبر أمّ روبن صديقة لها أيضاً.
بالقدر الكافي الذي يجعلها تعتني بابنها بعد رحيلها، تماماً مثل ذلك الألفع العملاق «جون».
ها هي الآن مع روبن، بعد أن ماتت أمّه بسبب الهواء الفاسد والرئتين المليلتين. ومات أبوه بالتبنّي الذي كان رفيقها في الشراب قبل زمن طويل بطعنة غير مبررة. لقد ثأرت له بسرعة، تاركة جمجمة الحارس الذي فعلها سماداً على الطريق.
لكنّ ذلك لم يعيد «نصف-ويلي»
حيّاً. ومع رحيله، وُضعت هي في دور شبيه إلى حدّ مزعج بدجاجة ترعى صيصانها.
مجرد «مهشّمة»
رفقة حفنة من الأطفال الذين شارفوا الآن على إدراك أنهم قد يصبحون رجالاً ونساء يوماً ما. لتشكر النجوم لأنّ الفتى الأحمق لا يزال يستمع إليها أحياناً! كان ذكيّاً وحذراً. لكنّه أصغر من أن يُدرك الحقيقة بنصف عمره، إذ كان يحافظ على حذره بصورة صحيحة أثناء العمل فحسب. وما إن يتوقّف روبن عن العمل حتى يفقد نصف عقله السليم. وكأنّ ما من روح تتمنّى له الأذى ما دام لم يشهر نصله في وجوههم أولاً!
وكان الفتى غبياً تماماً فيما يخصّ التنين الذي يتربّع على عرشهم جميعاً. لم يسبق له أن التقى بالكونتيسة، ولا يعلم ما الذي يمكن لكلماتها وحدها أن تفعله بالرجل. أصغر وأشجع وأحمق من أن يدركوا متى أطالوا المكوث في الطريق.
لكنّ «مهشّمة»
كانت تعيد كلامها. لقد استمع على الأقلّ حين خلعت قناعها وتوسلته بوجهها العاري بالأمس.
توسلت إلى الفتى الأحمق ليخرج الطاقم من هذه الغابات قبل أن ينقضّ عليهم «التنين اللامع من فيزنوف»
كالصاعقة من سماء صافية. لقد ازداد ثقة بنفسه بعد أن أفلت من لوردات الغريفون اللعينين بفارق ضئيل! لقد أصرّ روبن على تنفيذ مهمّة واحدة إضافية لملء حقائبهم بالفضّة قبل التوجّه جنوباً. أيّها الفتى الأحمق.
لقد رأت «مهشّمة»
وميض الحراشف في السماء قبل أيام، وسمعت أحاديث تتناقلها القرى التي كانوا يبيعون فيها غنائمهم الأقلّ سيولة. كانت الكونتيسة قريبة.
أتطلب الأمر حقّاً أن تكشف «مهشّمة»
عن وجهها وتُري روبن مدى رعبها الشديد لكي تقنعه الليلة الماضية؟! أيّها الفتى الأحمق!
لكنّهما كانا في طريقهما أخيرً نحو «نهاية النور».
لم يسبق للكونتيسة أن سافرت إلى هذا الحدّ جنوباً في فيزنوف من قبل. وبقليل من الحظّ، استطاعا التواري عن الأنظار وربّما إيجاد طريق آخر لممارسة تجارتهما. أو ربّما الالتحاق بمرتزقة يتوجّهون إلى مناطق أبعد؟ أيّ شيء.
لو كان الأمر بيدها، لحملت هذه الزمرة من الأطفال الحمقى عملتهم وشقّوا طريقهم خارج سلسلة «ريدتايلز».
مستخدمين أحد قوارب الكهوف نحو قبو آخر تماماً. لكنّها ظنّت أنّ الفتى الأحمق لن يفعل. كانت في عينيه نيران مشتعلة.
وألقت «مهشّمة»
باللائمة على قصص أمّه العزيزة الراحلة.
تلك الفتاة الحمقاء «أدا»!
التي أخبرت ابنها عن ذلك اليوم! حين حلق التنين فوق قريتها. حين جمّدهم زئير واحد في أماكنهم. وهي تحكي لابنها عن اليوم الذي سبق أن أخذها أبوه فيه تلك الليلة في معسكر حربيّ. حماقة زرعها المرء في رأس صبيّ.
كلّ ما أملته «مهشّمة»
هو أن يستمع إليها بما يكفي مرّة أخرى قبل فوات الأوان، وقبل أن يواجه لعنة تنين تخصّه وحده. حتّى ذلك الحين، كانت ممتنّة لقطعة القماش التي تغطي فمها وللقلنسوة التي تخفي حاجبيها. كانت تستشعر لحم وجهها المتموّج، ولم تشأ حتى التخمين كيف بدا عليها غضبها وخوفها على الفتى. ذلك الخليط المضطرب من الرعب. الكراهية. وقليل من الكبرياء. كان روبن فتى أطيب من أن يعمل قاطع طريق.
لكنّ «مهشّمة»
ظنّت أنّه سيصير أستاذاً في هذه الحرفة يوماً ما.