التنين اللامع الفصل 294 — ٢.٦

اقرأ التنين اللامع الفصل 294 — ٢.٦ باللغة العربية على مانجا تايم.

٢.٦ لم تسمه أمه روبن. حين نجا من شتائه الثاني، نادته رادوميل. غير أن عائلة جون أتت من أراضي سايزون، عابرة بضع عشرة قبة أو يزيد حسب ما حكى. بدا الأمر وكأن التسمية روبن تنطوي على طرفة مضحكة بلغة أسلافه لكونه قاطع طرق. أو لعلّه وجد نطقها أسهل عليه من اسمه الكامل. لم يمانع. كان اسم روبن يناسبه ويناسب حرفته حتّى، إذ حمل جرساً لتهديد أجنبي حاد، ولا سيما حين ينطقه جون. أمّا الرجل الذي سُمّي رادوميل، بناءً على رجاء أمه اليأس بأن يشبّ سعيداً رغم بؤس ولادته، فوجد من الأفضل له ألا يتكلّم كثيراً.

لا لأنه عجز عن الإيفاء بالتهديد والوعيد على منوال رجاله. لكن الصّمت والنظرة الميتة الثابتة كانا أقدر على كبح الأيدي المدصوسة للسيوف من التهديد الأجوف. ألقى نظرة على رجاله، المتقرفصين بين الأدغال الممتدة على حافة الطريق. لقد كانت قطاع الطرق مهنة خطيرة في فيزنوف. لكن الثروات ما فتئت تتكاثر كلما تقدم في العمر والمهنة. كان أبو جون هو من آواه وعلمه صنعة قطاع الطرق. وكان مغرماً بأمه.

أكثر من جلّ الرجال، حتّى إنه لم يضربها قط لإنجابها ولداً من وزر الحرب. كان يضمها إلى صدره داخل الخيمة باكياً في الليالي التي تستحضر فيها ذلك اليوم. ورعى الصغير رادوميل كأنه لحمه ودمه حين اختطفها برد الشتاء. كان في الثانية عشرة.

بطبيعة الحال، امتهن «المهنة».

بدأ هو وجون عملهما مراقبين. دربهما الرعيل الأقدم على استخدام الرمانة، والتلويح بالسيف مهددين. غير أن ذلك تطلب سنوات من التمرس ليغدو السيف خطراً حقاً. بينما يستطيع طفل مصمم بسكين أو رماح الإيقاع برجل أحمق يحمل سيفاً بعد تدريب بضعة مواسم. أمّا القتل المضمون بالسيف فقد يستغرق سنوات من التعلم. بات روبن، ابن خمسة الشتاءات، يجيد استخدام السيف الآن. ويعرف كيف يصيب رقبة رجل بسهم.

لكن تلك كانت أفعال قطاع الطرق الأقل مهارة. وكانت المهارة الحقيقية في عمله تتمثل في معرفة كيف تسلب أحدهم صرّة فضة أو صندوقاً بنظرة واحدة. وكان عملاً، وإن لم يكن شديد الصعوبة، فتساءل إن كان أشقّ على الآخرين. وإن كان ذلك سبب عزوف البقية عن امتهان قطاع الطرق بسطةً. حسناً، عدا عن الانخراط في الجيش. مما لا شك فيه أن أباه المجهول سلب أمه الكثير. دارها، وعون عائلتها. تحرك روبن قبل أن تشق فحيحة حادة أذنه بلطف يزيد قليلاً فحسب عن وقع لكمة صاحبها.

"أيها الأحمق، انتبه!"

ألقى روبن نظرة خاطفة إلى حيث تقف المحطّمة وتحدّق فيه بغضب. وخلافاً لبقية أفراد العصوبة، كانت تقف باستقامة وسط الأدغال. كانت القصيرة أقصر من أن تحتاج إلى القرفصاء كي تظل متخفية. ومثل اسم روبن، شكّل قصر قامة المحطّمة ميزة في قطاع الطرق. لم يصدق الأجانب قط أن ذلك القد النحيل، والقامة القصيرة، والوجه المغطى بالقماش ذي العينين الزرقاوين المخيفتين، يمكن أن يشكل خطورة بالقدر الذي عليه.

أغبياء. لكن الأمر كان مفيداً كلما لمحوا قافلة أجنبية تفتقر إلى أدلاء محليين يرشدونها بحكمة. وفي الجنوب، طالما نجحت الحيلة مع السكان المحليين أيضاً. كانت الفتيات القصيرات نادرات خارج كاكيتيه. وتكاد أخبارهن تنعدم وراء حدود فيزنوف. تلك أمور بالغة الأهمية لمن يمتهن قطع الطرق. يبدو أن الأمر ينطوي على لعنة من نوع ما وأنه لم يتبق منهن سوى ألف أو نحو ذلك في هذه الأيام؟ لم يكن يعلم سوى ما تقصه الحكايات.

سحر قديم لا يحب أيّ منهم الخوض فيه، يعود إلى ما قبل مولده أو ما شابه؟ كانت المحطّمة أكبر سناً من أَبِي جون الراحل. لكنها ظلت في مثل نشاطها المعتاد. رأى روبن فتيات قصيرات مكشوفات الوجوه في كاكيتيه مرة أو مرتين، وبدت بشرتهن صافية وناعمة كبشرة الأطفال عادةً. بيد أن جميع اللائي عرفهن حقاً ارتدين أقنعة من هذا النوع أو ذاك. لم يشهد وجه المحطّمة قطّ إلا وهي تأكل. وبصراحة، كان الأمر مقلقاً بعض الشيء.

لا قبيحاً تماماً، بل غاضباً على نحو يلتوي فيه الوجه بما يجعله عرضة للخطأ فيه كأنه كذلك. خبث متموج في كل طيّة. حواجب مقطّبة. لقد امتثل لشعور الامتنان تجاه قناع القماش والقلنسوة اللذين تفضلهما أصغر عضوة في عصابته وأكثرهن خطورة. لم يكن بحاجة لمعرفة المزيد عن الفتيات القصيرات سوى ما تفصحه عنه. فقد وازنت خبرة المحطّمة كفّة العصابة حيث ترك غياب أبي جون فراغاً. لم ينقب روبن عن سبب احتدام الغضب في ذلك الوجه بينما بدت وجوه اللائي بلا أقنعة طبيعية.

وعن سبب امتلاك بعض الفتيات القصيرات وجوهاً ملساء وخالية من الهموم كأيّ طفل. لديه هو الآخر أمور لا يحب الحديث عنها. لم تحب المحطّمة قط الحديث عن أصل الفتيات القصيرات، أو صويحباتها بينهن، وتعلّم الجميع في عصابة روبن تجنب إزعان تلك العفريتة الصغيرة التي تفوق أغلب الرجال قوة وتتمتع بالطول المثالي لتسديد لكمة في عانة أحدهم. ناهيك عما تستطيع فعله بسلاح. كان بمقدور تلك الهراوة المعلقة على كتفها إطاحة ساق رجل من الركبة بيد واحدة.

ولم يكن ذلك بطريقة نظيفة. إذ تتحطم العظام ويهرس اللحم. لقد رأى ذلك بعينيه. مع ذلك، ما كان للتابع أن يسخر منه بلا عقاب. كانت هذه عصابة روبن وليست عصابة المحطّمة.

"أنا منتبه، ليس لدى الجميع عيون بحجم بيض الدجاج تملأ رؤوسهم".

أثار ذلك سخريتها المستخفة. وعلى الرغم من كلّ ألم الخصاء المحدق المحيط بنبش ماضي المحطّمة، كانت تكاد تعشق نكاتها اللاذعة حول مظهرها. بل إنها كانت تطلق أقذر الشتائم بحق كل ملامحها وعيوبها متى بلغت منها السكر مبلغاً. والحق أن شتم عيون الوحش الصغيرة الساخرة بطريقة مبالغ فيها كان سبيلاً ناجعاً لتهدئة روعها. مخلوقات مجنونة تلك الفتيات القصيرات. أو لعلّ الأمر يقتصر على المحطّمة وحدها.

"تباً لحظ النجوم، أنت لست كذلك حقاً. إياك وأن تنسى ذلك، لذا فمن الأفضل لك أن تبقي تلك الحبات الصغيرات اللاتي تسميهما مقلتين مفتوحتين جيداً أيها الصبي".

أومأ روبن برأسه وألقى نظرة عبر الطريق باتجاه الأدغال حيث يبذل جون جهداً مشهوداً للاختفاء بين الشجيرات. كان شقيقه في كل شيء ما عدا الدم عملاقاً بين الرجال، وبدا الأمر أكثر إمتاعاً لمدى السكون والهدوء اللذين يمكن أن يبلغهما. لو لم يكن قاطع الطرق يعلم بدقة أين ينظر، لبدا ذلك البليد الأشقر خفياً تماماً. وشكّل ذلك الخطأ الثاني شديد الفائدة الذي غالباً ما يرتكبه ضحاياهم.

فإما أن يحدقوا طويلاً في الرجل الأطول بين أفراد العصوبة نظراً لمدى تهديده بينما تتخذ المحطّمة موقعاً لكسر السيقان. أو يفقدون أثر جون تماماً. همّ روبن بإطلاق مزحة أخرى حين سمع وقع الصوت. صوت خيول تسير ببطء وعربات تئزّ ثقيلة تحت أحمالها. سكن كل من استطاع رؤيته على هذا الجانب من الطريق وتحرك في مكانه. ولم يتبق صوت سوى صوت الغابة نفسها. سُحبت الأوتار بصمت، وانحنت الأقواس لتتخذ وضعية الاستعداد والثبات بحذر شديد.

أّتّ النيران بالكاد تحت الأيدي الحذرة حين وُضعت السهام في أماكنها. لكن روبن أصغى السمع. كان الأمر توازناً دقيقاً، فإقامة كمين محكم على الطريق قبيل مرور قافلة تجارية قد يجدي نفعاً في الترهيب. ولكن ذلك لا نجاح له إلا إذا توافرت لديه عصابة تضمن أعداداً ساحقة وفتكاً وشيكاً. كان جون رجلاً ضخماً، لكن عصابة روبن لم تكن تضم سوى اثني عشر مقاتلاً يبدون حقاً أهلاً للمهمة. كانت المحطّمة بارعة في العنف ولكنها عديمة الفائدة غالباً في الترهيب.

وهكذا لم يكن هناك سوى حجم معين للمجموعات المسافرة التي يمكن لعصابة روبن قطع طريقها على النحو الأمثل. فأي شيء يزيد عن ذلك يحمل خطراً كبيراً يتمثل في استبسال التجار بالقتال حتى النهاية. وإن اعترضوا مجموعة أصغر من اللازم، قلّت الفضة وخاطروا بنشر مكان وجودهم بدقة للبارونات وغيرهم من النبلاء. كما أن ترك الفقراء يمرون بسلام يسهّل الاستراحة في إحدى القرى لاحقاً أيضاً.

أصبح روبن زعيماً لأنه أظهر براعة فائقة في اختيار أفضل الضحايا. السماح لمن هم أفقر من أن يُعبأ بهم أو أشد تسليحاً من أن يُخاطر بمواجهتهم بالمرور. ولم تكن هناك أيّ تعاويذ سحرية في طريقته. كان على روبن أن يصغي وينظر. فرغم حجم عينيها، لم تكن المحطّمة ترى الأمور أفضل بكثير من أي رجل عادي. بل إنه ارتاب في أن بصرها أسوأ قليلاً، نظراً لمدى رداءة أسلوبها في استخدام المقلاع.

لذا وقع العبء عليه، في الإصغاء والرصد. كانت قافلة ضخمة. ومحملة بأثقال. لكن صواعق الدروع تلك كشفت عن عدد وافر من الحراس بما لا يروق له. أطلق صفيراً، تغريداً يشبه طيور الغابة التي قطنت هذه الأشجار ولكنه يختلف عنها تماماً. الإشارة التي تعني لرجاله ضرورة الانخفاض والسماح لهذه القافلة بالمرور. حلّ أوتار أقواسهم والاستقرار وسط الأدغال. سيتعين عليهم انتظار صيد سمين. لا طائل من المخاطرة.

فتلك، بعد كل شيء، هي الطريقة التي فقد بها أبو جون حياته. قاطع الطرق المتعجل هو ميت لا محالة.