1.1 لم تكن جيويل ترغب في توديع المكان. بدأ قصر فالاْسيك هديّةً من أبيها.
عبئاً فُرِض عليهما معاً تحت غطاء "كرم"
الكونتيسة باتوري آنذاك. ومسؤولية وواجب لتمكين جيويل من النمو نحو ألقابها المستقبلية. منحت إيّاه قبل نحو خمسة عشر عاماً، فلم تولِ الأمر قدراً من الاهتمام يوازي ما كان ينبغي لها على الأرجح حينذاك. لكنّه صار وطناً الآن. حتى وإن نشأت في روتشفورد ذاتها وحفظت كل حجر من الحصن القديم بوصفه صديقاً مرحباً به. لقد بُني قصر فالاْسيك لأجلها وعلى مقياس جسدها. جسد ما زال ينمو. وإن بدا ذلك جليّاً الآن فقط بقياس مدخل مكتبها وكل الأحجار المألوفة على امتداده، وحول المنعطف ثم إلى مدخل قاعة الطعام.
حين وضعوا تلك الأحجار كان مثل هذا الامتداد بعيداً عن متناول خطمها إذا كان ذيلها بالكاد يغادر مكتبها المثقل بالأعباء. أمّا الآن وبعد سنوات فصار بإمكانها رؤية كيف تقترب منخرها. لا تبلغها بعد. لكنها اقتربت. مع ذلك جعل الزمان من هذا المكان بيتها. وبعد صباح اليوم سيكون على جيويل من جديد أن تودع أحجارها المألوفة. طالما افتقدت بيتها وأكثر من ذلك حمّامها كلّما اضطرت للرحيل.
ولكن على الرغم من كل الجهود لصقل سرعتها في الطيران، وتوفير حمام الزاجل، وتوسيع قاعات الولائم في القصر، وإضافة جناح كامل للضيوف. ظلّت جيويل عاجزة عن البقاء في فالاْسيك طوال العام. فأولاً، امتلكت كاكيتيه مرافق تفوق بكثير ما يمكن لفالاْسيك وقريتها الصغيرة تحمله قط. حاشية اثنين من أتباعها ستسحق موارد القرية الصغيرة. ناهيك عن الثمانية وعشرين بأسرهم. وحتى لو أنفقت جيويل الفضة لتخزين المؤونة قبل نصف عام، فلن تستطيع المرافق سوى استقبال ثلاثة أو أربعة وفود كهذه في المرة الواحدة.
لذا فحتى مع برج الطيور الجديد الخاص ببول. حتى مع غرف الضيوف المُوسّعة وينبوع الجبل الذي مدّته من سفوح تلال ريدريجز المرتفعة فوق قصرها. حتى مع كل ثروة كونتيتها الطائلة سنوات العمل المكرسة لها. ظلّ فالاْسيك غير ملائم ليكون عاصمة لكرسي حكم جيويل بصفتها كونتيسة فيزنوف. ولذا كان عليها مغادرته مرة واحدة في العام على الأقل. لكنها اليوم سترحل لفترة أطول بكثير. مغادرة إقطاعيتها بعد يومين من أول خضرة ربيعية لفالو ترن.
استمتعت جيويل بغمرة الذكريات حين تداعت هي وتجم معا من جديد. لقد انقضت أمسية واحدة فقط من الفراق لكن ابنتها وفرخها ظلت نائمة بسلام.
نكهة فطورها من لحم الخنزير المشوي القادم من "حظائر الغريفون"
التي شاركت فالاْسيك روتشفورد في تربيتها. بوصفها طريقة لإطعام مطية أخيها في زياراته المتكررة فضلاً عن تخفيف العبء لتلبية نظام جيويل الغذائي الخاص واصلت إنتاج لحم شهي. كان ألكسندر يتناول طعامه هو الآخر. لمسات صغيرة من عادات الفوضى المذهلة للصبي الذي كانه، والتي هذبها قليلاً الرجل الذي صاره. لم يبقَ سوى عصيدة وفتات لحم خنزير مشوي عالقة بلحيته لا على وجهه كله وأذنيه.
في بيت آخر قد يكون غير لائق بدء فطور بلا سيدة البيت. لكن مكانة جيويل بوصفها واحدة هي اثنتان مدت الأعراف وفتلتها قليلاً. على الأقل بقدر ما قرر داريوش تفسير الأمر ولم تكن جيويل تمتلك سبباً للاعتراض. تقنياً كانت جيويل قد وصلت بالفعل إلى الفطور. لذا لم تكن هناك حاجة تقنياً للتأخير ريثما تشق ذاتها التنينية وبول طريقهما إلى قاعة الطعام. تقنياً.
قالت: "آه، أخي! من الجيد رؤيتك مستيقظاً وناشطاً هذا الصباح؟ هل كل شيء جاهز لفترتك بصفتك سيّداً على إقطاعيتي؟"
التفت ألكسندر نحو جيويل حين دخلت وأومأ. ممسداً العصيدة خارج لحيته.
"بالتأكيد أيتها الأخت. كما كنا نناقش."
وبّخت جيويل بصفتها تجم أخاها على الكذبة بإشارة حادة من إحدى يديها ولسان ناتئ. قبل أن تطلق ضحكة مكتومة على عبوسه خفيف الروح المليء بالخيانة.
قالت: "حسناً، لقد كنا نتحدث غالباً عن حال أهل فالاْسيك."
قال: "أصدقائي تقصدين."
حول ألكسندر نظراته من جيويل إلى تجم بنظرة حسابية.
"بين كليكما، كل كائن حي تقريباً هو صديقك أيتها الأخت."
نفخت تجم وخرّجت زفرة مظلومة.
قالت: "أوه حسناً..."
ضحكت جيويل بدورها بالبهجة الكامنة تحت نبرة فرخها المحبطة. كان الأمر غريباً أن تكون شابة وعجوزاً في آن واحد. رغم أنها كانت تزداد حيرة بخصوص العمر المفترض لتجم بدقة. بالكاد نمت ابنتها لتصل إلى ثلاثة أقدام ونصف طولاً، وحدث أكثر ذلك قبل عامين. ومع ذلك ورغم طولها كانت ابنة جيويل تمتلئ وتمرن جسدها كأن لها خمسة أو ستة شتاءات تسبق أقرانها في القرية. وهو ما خلق لدى جيويل، حين دمجته مع حقيقة أنها هي نفسها تجم، شعوراً مربكاً للغاية بالسن.
ولم يساعد الأمر في شيء أن ابنتي بيثيكا كانتا تُعتبران بالغتين تماماً ولم تكونا لتضاهيا عمر تجم مجتمعتين! أين تقع تجم تحديدا بين الأبقار والرجال والتنانين في باب السن والرشد؟ لم تكن جيويل تعلم. ضحك أخوها على نوبة حيرة جيويل الجماعية. لكن نبرته كانت رقيقة ومطمئنة ولينة تجاهها.
قال: "أمتأكدة أنك لا ترغبين في إبقاء إحداكِ هنا؟ لقد فعلتِها من قبل."
نفخت جيويل وهزت رأسها. متحدثة نيابة عن كلتيهما.
قالت: "ليس لمثل هذه المدة، وعلاوة على ذلك تستطيع تجم ارتياد أماكن لا أستطيعها."
مشيرة بتجم من ذاتها الأصغر إلى امتداد ضخامة جيويل وهي تستقر تحضيراً لوعي عصير صباحها. تنهد أخوها وأومأ قبل أن يعود إلى فطوره.
قال: "إن كنتِ ترين أن هذا هو الأفضل، لكنني رأيت كيف يهدئك وجودك هنا أيضاً أيتها الأخت."
أومأت جيويل لألكسندر. شاكرة أطفال داريوش وهم يجرون فطورها إلى قاعة الطعام بينهم. كان العمل يضفي عضلات معتبرة على الجميع. حتى أصغرهم.
قالت: "أعتقد ذلك، لكن شكراً لك ثانية على اهتمامك أخي."
وحينها شرعت جيويل في آخر فطور تحتمله في بيتها لمدة لن تقل عن عام كامل. اليوم بدأت كونتيسة فيزنوف جولتها الكبرى.