13.7 انطوت جيل في زاوية الغرفة. تذكّرت حين كان الصغير إمري يرتجف خوفاً منها. غير أن الماثل لم يكن ابن صديق أرادت ألا تفزعه، بل شقيقتها. أحست بارتعاشة كفّ غوين وهي تبادلها الضغط برفق، باعثةً بالطمأنينة عبر يد جِم إلى شقيقتها وخالتها. لم يتوقف ببطء نمو جسد وليدتها. على الرغم من أنها أطول ممّا كانت عليه، بدت أصابع جِم الدقيقة كفّها الصغيرة ضئيلةً بجانب كفّ شقيقتها. لكن جِم لم تعبأ بهذا التفاوت.
أتاح لها ذلك الاحتفاظ برابط مع الفتاة كانت تستميت في طلبه. حتى وإن أوهنه الغياب. لم تشعر غوين بالأمان يوماً قرب جِم. ليس منذ ليلة ثورتها. لكنها ظلّت تعامل جِم بثقة. وعبر الكثير من الطمأنة التي قدمتها جِم، وهي تصارع إخراج كلماتها المتعثرة ومخارج حروفها المتشابكة (وبشيء من الدروس الحذرة بلغة فالاسيك)، استطاعت جِم أن تغرس في روع شقيقتها أن حجمها كتنينة مهما بلغ فلن يمنعها من حمايتها.
وأنّ ما قد تفعله «أمّها»
لن يتجاوز جِم أبداً. لم يكن الأمر كذباً، لا كقصة الزعفران برمّتها. مع أن تلك أيضاً حملت شيئاً من الحقيقة، إذ كرهت جِم التوابل، غير أنّ إمري لم يخفَ قط من أكل جِم له دونها. لم تخف غوين منها بقدر خُفْيَة إمري. لكنها ظلت شقيقتها، وحتى القدر اليسير الذي تنأى به عنها الآن خنق لهيب تنينتها كغطاء مبلل يطفيء جمراً ملتهباً. إلا أنها تثق بجِم، وهي ابنة روتشفورد. شجاعة. تمنت جِم لو أنها لم تضطر لمصارعة الخوف من شقيقتها ذاتها.
انتزعت جِم الكلمات من حنجرتها الضيقة على نحو مزعج. قلبت كل مقطع على لسانها وأسنانها. جاءت خرقاء، تعثرت في الأصوات. لكنها ستفعل هذا من أجل شقيقتها.
— الأ-الأمر ب-بخير يا غ-غوين.
أ-أترين؟ خطوتا خطوة أخرى، كانت جِم أشدّ ثباتاً في أطرافها وعضلاتها ممّا كانت قط، لكن غوين كانت قد نمت إلى حدّ تستطيع معه إن أرادت ألا تتقدم أن تثبت قدميها فحسب، وحينها لن تستطيع جِم بجسدها الاصغر فعل الكثير. لا بغير انطلاقة ركض. أخذت شقيقة جِم نفساً مضطرباً.
التفتت لتواجه مصدر خوفها، تلك التي تفضحت بسرها مع «ابنة أختها»
الصغيرة على حدة. أمور قيلت حيث لا يسمع بالغ البتّة، ولا حتى أمّ الشقيقتين.
— أ-أهلاً، أ-أهتي.
أبقت جِم وجهها جامداً، لكنها تألمت وهي تسمع شقيقتها تصارع الكلمات بالقدر ذاته الذي تعانيه هي مع كلام وليدتها. تكلمت بهدوء، باذلةً أقلّ صدى ممكن: — أهلاً يا أختي، شكراً لحضورك. عليّ قول شيء. ضغطت جِم على يد شقيقتها وخالتها. لم تكن جِم متأكدة بعد من موافقتها بيثيكا الرأي في أن حرمان وليدتها من مكانة في أسرتها الخاصة أمر غير منصف. لكنه كان أفضل لشقيقتها في الوقت الراهن وهذا كل ما يهم.
— م-ما هو؟
انتفضت غوين عند حديثها على الرغم من حرص جِم الشديد على اللطف. غير أن الفتاة صلبت قامتها بعد ذلك، ومع وميض دموع في عينيها، واجهت جِم مباشرةً بكل جدية فارسة تلتقيها في ساحة المعركة. لقد تهاوى بارونات وكونتات ورجال ونساء أعلى رتبة أمام نظرات جِم. كم فخرت بشقيقتها التي ما زالت تنضح بالرعب. ما كان في ألكسندر في كثير من الأحيان ثقة حمقاء تتجاوز الحدّ. الشجاعة التي دفعتهم لحمل عبء إيريف غريفون في كل جيل سنحت له الفرصة.
لم تكمل شتاءها السادس، ومع ذلك واجهت غوين خوفها وأومأت. جادة بطريقة بدت نادرة بشكل مدهش بين الكبار، رغم أن جِم عاينت جذوة القوة تلك تظهر جلية في أكثر من عشرة يفع. لكن ذلك لم يكن كافياً بعد. فتابعت: — أنا آسفة جداً يا أختي، ما كنت أريد إخافتك أبدا، لقد تحدثت بغضب وسخط إلى أبينا وأفزعتك. لقد كان غضباً صغيراً وأحمق. لقد آذاك وآذى عائلتنا وأنا خجلة لفعلتي. ارتجفت شقيقتها غير أن جِم استطاعت تبين معدن روتشفورد جلياً.
ما يمثل عند ألكسندر ثقة حمقاء مفرطة غالباً. الشجاعة التي جعلتهم يحملون عبء لورد الغريفون مع كل جيل تتاح له الفرصة. حتى في شتاءها السادس وبعد واجهت غوين خوفها وأومأت. حازمة بطريقة تبدو نادرة بشكل مفاجئ بين البالغين، ورغم ذلك رأت جِم ذلك النواة من القوة تظهر في أكثر من عشرة شبان. لكن ذلك لم يكن كافياً تماماً. فاستمررت.
— أنا آسفة جداً يا أختي، ما أردت قط إخافتك.
أقسم بلهيبي أنني لن أؤذيك أبدا. نفخت لمسة واهية من لهيب التنينة في الكلمات. شعور بنارها تتضخم وتضرب جذورها في عظامها ولحمها. تلسع للحظة كوخس الخطافات. لكن الأمر استحق. شعور بنعومة السحر وهي تستنزف نارتها. تكاد تكون معدومة. امتصت جِم من لهيب التنينة أكثر من هذا كل مساء. لكن القوة الكامنة خلف السحر لم تهم مقارنة بصلابته. باليقين. بحقيقة صداها في الغرفة. وجدت غوين كلماتها أخيراً.
— أعدك؟
أومأت جِم برأسها نحو شقيقتها وضغطت بيدها اليسرى بكفي جِم معاً.
— أعدك.
تتلاشى رائحة الخوف لتسيطر العزيمة والصرامة تماماً على وجه شقيقتها. تتقدم بخطى حاسمة نحو حلقات جِم. جارة جِم خلفها، ولا تتوقف إلا حين تصبح على قرب يسمح لها بلمس بطن التنينة. عينا جِم لا تفارقان عيني شقيقتها. الفتاة الصغيرة التي وإن فاقت جِم طولاً برأس، ظلت أقصى طول يتيح لها بالكاد الرؤية فوق عرض بطن جِم، بدموع في عينيها ونظرة غاضبة محتدة قبل أن تشرع في الصراخ وركل بطن جِم.
لا يؤلمها، فالقدم الصغيرة ترتد في الغالب عن مرونة حرابها. كانت جِم بخير، لو ضربها أبوها برمحة لأحدث الضرر ذاته. لكنها فاغت فاهها بوجه شقيقتها حين علا الصراخ وتلته قدم صغيرة بقبضة مشدودة أولاً ثم يد أخرى انلت من قبضة جِم المرتخية. لم تلبث شقيقتها أن راحت تصرخ بأعلى صوتها وتضرب وتركل بطن جِم بكل ما أوتيت من قوة. مطلقة غضباً كان سيبدو مخيفاً لو لم يكن عديم الضرر تماماً.
وما إن فرغت غوين من صراخها وانهارت مستندة إلى بطن جِم لتبكي داخل الحلقات المنيعة حتى كان كل فرد في البيت إما داخل الغرفة أو يختلس النظر عبر الباب. تقف الأم والأب على حذر من ابنتيهما. وقد انضم إليهما ألكسندر أيضاً. مورييل وسميثسون أقرب قليلاً. لكن أحداً لم يجسر على الاقتراب كثيراً من غوين أو جِم. اكتفت جِم بالتحديق في شقيقتها التي كانت تبكي -بعد أن أفرغت غضبها- ضاغطة بوجهها ومحتضنة بطن جِم بكل ما تستطيع.
أعلى بقليل من خصر التنينة. ما كان لأحد غيرهما في الغرفة أن يتبين طلب شقيقتها المكتوم والمغرق في الدموع: — لا تصرخي في وجه أبي بعد الآن، فهذا مخيف. مسحت الفتاة الصغيرة المخاط عن وجهها ثم حاولت تجفيف كفيها اللزجتين على حراشف جِم. لكن الأمر لم يجد نفعاً في الغالب. فحراشف التنينة لم تكن بالماصة للكثير، وبطن جِم كانت ملساء لدرجة تعجز عن الإمساك بهما وكشطهما عنها. لم يكن أمام كونتة ڤيزنوف سوى أن تقول لشقيقتها شيئاً واحداً: — بالطبع.