التنين اللامع الفصل 272

اقرأ التنين اللامع الفصل 272 باللغة العربية على مانجا تايم.

13.6 مشت أديلين في روتشفورد خلف عائلة سيدتها النبيلة. وتعجّبت من تفرّع سبل جلب الأنظار وصرفها. كان الأمر أشبه بالرقص وسط مدينة تتدلى فيها الملاءات لتجف. أو التسلل عبر مبنى مهجور إلى حدّ تملأه خيوط العنقود بطريقة ما. كان أشبه بالانزلاق في حشد مكوّن من أشباح لا يلمسها أحد. كل ذلك مع المحافظة على استقامة الظهر تماماً. والبقاء إلى يمين ورك صِبا سيّدتها بالضبط. ليست متأخرة بالقدر الذي يكفي للفت الانظار إلى ذيلها المتحرك.

كلا، بل في الموضع الذي تكاد لا تحسّ فيه بنظرة واحدة نحوها، وعلى مسافة قريبة كفاية لجنب التنين بحيث تبدو ببساطة غير جديرة بالالتفات. لامستها الأنظار بلا عمق وبلا حدّة. وهناك الثوب بالطبع، إذ كانت ترتدي ملابس طاقم فالاسيكت. وحملت حزمة من العصي والأعشاب العطرية الغنية بروتها الزهرية وغيرها من الأشياء. كان لديها سبب لوقوفها هناك، وما دام خطواتها تتسم برشاقة المراسم المواتية لسيّدتها فإنها تبدو كأنها غير موجودة بالمرة.

بدا احتفال روتشفورد بالشتاء كئيباً بالنسبة لأديلين. بغض النظر عن الأطفال الركضين بأزياء الوحوش. مرتدين فروات ثقيلة تنحني على ظهورهم إما ثقلاً وإما تقليداً لمشيّة المسوخ. وتتوج رؤوسهم بقرون الأيل أو العظام أو أنياب الخنازير البرية. عدا عن ذلك النزر اليسير من العبث؟ لا شيء! لم يغنّوا حتى بأي مرح حقيقي. بل أنشدوا مراثي في بيوت بعينها، وحين أصغت إليهن أديلين وجدتها مناحة على الأقارب الساقطين في كل منزل أكثر من كونها أي نوع من الاحتفال.

كان أهل القرى هؤلاء شديدي الكآبة. لولا ذلك العجوز العاري العازف على الكمان بجوار نار المخيم أمام المعبد طوال الليل لما استطاعت أديلين تسمية الأمر احتفالاً بأي شكل! ابتعدت عن الرجل المجنون في المرة الأخيرة التي حضرت فيها سيّدتها. قالوا إنه مسكون من قبل ملك في هذا اليوم وهذه الليلة وميلها يميل لتصديق ذلك. أي جنون هذا! أي مكان ذاك الذي يدعو ملكاً لينزل ويرتدي أحدهم؟!

ولم تكن الأمور تنتهي دائماً بشكل جيد للشيخ أيضاً. روح نجمية تمتطيك طوال الليل لتعزف على الكمان وترقص خلال أبرد ليلة وأطولها في السنة؟ دهشت أديلين لاحتياجهم لسنوات عديدة في هذا الدور ليموتوا. لكن الطقس كان الطف في روتشفورد على الأقل. فلعلّ في الأمر شيئاً إذن؟ كانت الشتاءات أدفأ هنا في هذا الوادي مقارنة بكاكيتيه. ظنت أنها تخيلت الأمر في المرة الأولى لكنها أيقنت بعد عودتها لشتاء كاكيتيه الحقيقي.

كانت روتشفورد ووادها في الشرق الأوسط من سلسلة التلال تتمتع بوقت أدفأ من مدينتها. ربما يحتفلون بأطول ليلة واحدة فحسب (ويكاد لا يُقال عن ذلك احتفال). لكن لعل لكل الملوك الذين يزعجون الناس بالتراتيل والغناء في المعبد مغزى ما؟ لم تكن كاهنة، لكن الصباح التالي بدا أكثر إشراقاً في المرة الفائتة. لعل الرجل المجبر على الرقص والعزف لنزوة الروح التي ترتديه كمعطف ثقيل قد ساعد بطريقة ما؟

تمسكت أديلين بهديتها الممنوحة من الساحر، منزلقة تحت دائرة الملاحظة عبر الوقوف باستقامة وشرف. واصلت المسير نحو حيث ينبغي لها أن تكون. فكرة مدى بروزها في المرة الفائتة حين حضرت تسببت بانتشار القشعريرة طول عمودها الفقري. لكن لا— لقد لاحظها أحدهم، شيء ما كان يمتصها لا بالرؤية والصوت أو حتى الشم فحسب. شعرت بانتباه في أحشائها، أحست بلمسة اتصال عارفة عبر عظامها. كان هناك حضور يحكّ جمجمتها من الداخل حكّاً يورث الحكة!

استشعارها لمدى سوء ردة فعلها إن تفاعلت، وكمية أهل البلدة الذين سيلتفتون إليها لو أنها ارتعشت وحدها عند ذلك الاتصال. لكن شيئاً ما كان ينظر إلى أديلين.

ومع ترحيب عائلة روتشفورد النبيلة وسيدتها بـ "فيليس"

كما فعلوا من قبل أدركت أديلين من يكون. ما هو. تحولت هيئة رجل بسيط نحوها بعد أن تحدث إلى البارون وزوجته، وبعد تبادل كلمات لا تكاد تتجاوز ثلاثاً مع كونتيسة فيزنوف وزوجها. حدّق إليها بابتسامة مألوفة حتى الوجع وأمال رأسه بالطريقة التي افتقدتها. طريقة ظنت أنها ستفتقدها دائماً الآن. تقدمت خطوة وجعلها غشاء العيون السابح فوق بشرتها ترغب في الارتجاف لكنه لم يكن شيئاً قياساً بالطريقة التي رآها بها ذلك الشيء جسداً من الداخل والخارج.

تجنبت أديلين المعابد في كاكيتيه، فهي تمنح القليل للمتسولين والأقل للّصوص. ربما تطلب الأمر إنفاق الكثير من الفضة على أعمال إزعاج الملوك. أطفال بلا آباء لائقين لا ينالون انتباه الملوك، هكذا ظنت. التفسير الوحيد لأي شيء. لكن أديلين استطاعت إحساس نظرة ذلك الشيء خلف عيني الرجل الآن. الطريقة التي رآها بها كلسان يمر عبر العضل والأوتار. وكان يتحرك كما اعتاد. مثل جدها القديم جينتر.

مبتسماً بذات الطريقة، ومومئاً بالطريقة التي اعتادها حين كان ينتظر منها الاعتراف بشيء أحمق بعد أن أنقذها من ورطة. وقفت أمامه وابتلت عيناها. سالت الدموع خطوطاً على وجنتيها مع ما أقسمت أنه ليس سوى ثلج مذاب. حاولت الكلام لكن كلمات أكثر من اللازم استقرت في حلقها. الكثير مما لم تقله أبداً للرجل الذي رباها، وعلمها كيف تعيش في الشارع. من لم يكن يملك شيئاً يدعوه ملكه في بعض اللالي ليقاسم نصف رغيف خبز مع طفل جائع عديم الفائدة على أي حال.

لم تستطيع سؤال أي لعين مبارك كما يفترض بالجميع. لكن لسبب ما بدا انتباه عيون القرية نحوها عابراً، منزلقاً كأنها جُرّدت عارية أمامهم. كأنهم خجلون من التدخل فيما كان يحدث. انبعث صوت نحيب في حلقها، وخرخرة عجزت بالكاد عن تخفيف الضغط المتراكم في حلقها وصدرها. لكن أخيراً صوت عجوز غريب ولطيف، لم يكن صوت جينتر على الإطلاق لكنه تردد بصدى منه بطريقة ما.

"أديلين، أدي الصغيرة، الفتاة الغبية الحمقاء. لم تتعلمي بعد كيف تفكرين قبل الأمر لا بعده. تورطتِ في أعمال أكبر من رأسك. لكن انظري إليك تسبحين ضد التيار على أي حال. الجد العجوز جينتر فخور بك يا فتاة. لا شك في ذلك البتة. إنه فخور".

كانت كلمات بسيطة، أشياء سمعتها من قبل. أشياء ظنتها. لكنها تركتها ترتجف وتلهث طلباً للهواء لسماع صوت غريب يقولها تماماً بالطريقة التي كان سيقولها بها. عجزت عن التركيز في الانزلاق تحت دائرة الملاحظة. أخذت لمسة لطيفة التقدمة المقدسة لفيزنوف من يديها قبل أن تسقطها. استقرت يد لطيفة وقوية على ظهرها ومسكت كتفها. لكن فراغاً من عدم الاهتمام، ومن تفادي النظر إليها بنشاط في تلك اللحظة أحاط بها.

لم ينظر أحد لكنهم أقروا بوجودها. بدا أخف وأنعم من الرؤية. تعثرت وحاربَت للحفاظ على قدميها. بدا صدرها كأن أحدهم فتح قفصها الصدري. عجزت عن التنفس باسترشاد. احترق حلقها بالدموع المتدفقة من عينيها. لم تستطع الرؤية حتى وهما يدخلان المعبد. لكن بطريقة ما في تلك اللحظة عثرت على صوتها حين ملأت الكلمات الأجنبية الغريبة الأغنية. وبينما غنَت وبكت لفقدان جدها استطاعت أديلين استشعار نور في داخلها يدفع الظلام.

دفئاً نارياً محتدماً غاب في المرة الأخيرة التي حضرت فيها مراسم أهل القرى الغرباء تلك. شعرت بثقل سماء الشتاء الجائعة الضاغطة عليها، لكنها دفعت بها عائدة إلى الوراء بصوتها. لا وحدها، بل مدعومة بالجميع في ذلك المعبد. محاطة ومحمية تحت أجنحة سيّدتها. التنين اللامع لفيزنوف.