13.1 في ذلك الصباح، عثرت جولي في حدائق القصر على الجثة التي كانت فرانسيسكا يوماً. وتسمّرت مكانها من هول ما رأَت. الكائن الذي بدا امرأةً فحسب كان يتهلل، ويبتسامة تفيض بهجةً زائفة. يعتني بطفل يخطو خطواته الأولى مرتدياً ثوب الرضع. صوتها بدا حياً، نابضاً، رقيقاً. لمساتها كانت حذرة. لكن جولي تبينت كيف كانت عيناها ومنخراها وشفاها تزال ترتجف بنهم جائع. وشمت وأحست بالهاوية الكامنة في جوف صدرها داخلها.
ومع ذلك، لم يكن هناك أي أثر للجمود الأبكم في ذلك الشكل الماثل أمامها. راقبتهما وهما تتجولان في الحدائق إلى أن استدعيتا لعم ما فتوغلتا داخل القصر. مسخ آخر في مجموعة الملك الأعلى. مقيد بنوعه الخاص من الزمام. قضية كونتيسة فيزنوف في العاصمة انقضت، والعام يلفظ أنفاسه والخريف على وشك الحلول بتمامه. لم يعد لها عمل هنا في الوقت الحالي، وكاكيتيه على الأرجح — على الرغم من رسائل الطيور المؤكدة عكس ذلك — يحترق في السر.
كان عليهما الرحيل إن لم يرغبا في المخاطرة بطريق السماء في عز الشتاء. مع أن ثورزو أكد أن الفصول بالكاد تؤثر على درجات الحرارة في مثل تلك الارتفاعات. لذا ستغادر جولي قريباً. لكن كان أمامهما يوم آخر قبل العودة إلى الديار.
ووجدت أن استكشاف الحدائق التي تأوي أعضاء مجموعة ماثياس «الأكثر أليفة»
يثير في النفس شعوراً بالسكينة والاضطراب على حد سواء. وزاد من ذلك كمية الكائنات القادرة على الكلام من بينها. مع أن جولي وجدت أغلبها بسيطة إلى حد ما. حين سمعت عن حديقة الحيوان وتخيلتها من قبل، تصورت حظائر وأقفاصاً، كالتي تُحَبس فيها الكلاب أو الدجاج. تصورت أقبية وحفراً وسلاسل. لكن ما وجدته في العاصمة كان حدائق وسماءً مفتوحة ومرافقين. حتى وحوش الحرب التي لم يُسمح لها بالتجول بحرية مُنحت التوجيه بعناية تحت السماء المفتوحة.
الشيء الذي هدّدت به الكونتيسة باتوري جولي وعائلتها كان مكاناً هادئاً بشكل مزعج. فردوساً مزعوماً يعج بكائنات ليست تنانين بالضبط، غير بشرية ومختلفة، لكنها قادرة على الكلام مع ذلك. أخذ المشهد يرسم صورة لسبب عدم جلب القدرة وحدها على المحادثة الاحترام من كل الغرباء الذين تقابلهم. إن كان العالم يضم مثل هذه الكائنات؟ عائلة ثعالب بوجوه بشرية لا تغني سوى بأناشيد ملتتوية وغير مفهومة.
تضحك وترقص، لكنها في غير ذلك تأخذ في التهام الفئران بدموية وسعادة كأي كلب صيد. شيء أبيض ناصع بعينين بنفسجيتين صافيتين وعُرف لا يسكن قط، بأربع قوائم ومتشبع بتدخل سماوي حتى إن كل شعرة فيه وقرنه البارز يَشُقان الهواء شقاً لدى مرورهما. ذلك النصل الأبيض الساطع كلياً الناتئ من جبينه بدا وكأنه على وشك استدعاء السماء ذاتها في أي لحظة. خطواته ذات الحوافر المشقوقة تجر الزهور والسراخس لتزهر من آثار أقدامه.
ويتحدث بلغة لا يفهمها سوى حشد صغير من العلماء الذين يتبعونه. كان نتن الروث والسماد العضوي خانقاً وثقيلاً إلى حد الاختناق في أرجاء الأرض التي سُمح له بالتجول فيها. والتربة بعد مروره كانت تترك طعماً كرماد جاف عتيق تحت حياة جديدة ناشئة كلما نُقل إلى مكان آخر. شפت جولي عجوزاً متنحية والكائن الأبيض يخوضان نقاداً غير مفهوم على طول أحد الممرات. لم تكن متأكدة تماماً من أصله لكنها ظنت أنه قد يكون محاولة لمنعه من وطء الحجار وإتلافها بنمو نباتي مفاجئ.
لم تكن دري ما الكلمات المنطوقة لكن التكرارات المفرطة للعبارات ذاتها كانت أكثر من أن تجعلها تحكم بأن هذا كان نقاشاً معقداً بشكل خاص. كان أبو الهول ربما أحد أذكى وحوش حديقة الحيوان بأسرها مما قابلته جولي. لكن حتى بعد التعامل معه لبضع أمسيات خرجت بشيء من خيبة الأمل. الحديث مع الهر المفرط في الضضامة ذي الأجنجة السوداء الضئيلة جعل جولي تفكر فيما قد يقوله زيفيرفام لو امتلك الحلق والكلمات لأجله.
كل وحوش الحديقة، خطرة كانت أم أليفة، انطوت على طابع أورث جولي اضطراباً. بيثيكا كان يمكنها مناقشة أولئك العلماء وإحراجهم استناداً إلى ما تعلمته بمحادثتهم. سيلسوس؟ قد تضطر جولي فعلاً إلى توجيه الدعوة لبعضهم لمحاولة مقارعة الثور في الحكمة. لا. لم يكن هناك شيء هنا يشبه ما توقعته جولي. ولا هي بالوحوش البسيطة تماماً. ولكنها ليست أيضاً ممن يمكنها وصفهن بنظيراتها. شعرت جولي بقواسم مشتركة مع الفلاحين تفوق ما تجده مع هؤلاء المحميين لدى الملك الأعلى.
على الرغم من إصرار أبي الهول على مخاطبة جولي وكأنها تربطها به صلة قرابة ما. لا. الحدائق كانت ممتعة لكنها كانت بقفص وسجن بقدر ما نسجت كابوس جولي. القيود لم تكن واضحة لكن السلاسل كانت ما زالت هناك. مع ذلك، راع جولي كمُّ القيود التي بدت مجرد حقيقة جعل قاطني مجموعة الملك الأعلى سعداء ومسترخين. لو لم تتدخل باتوري لتبقيها مع عائلتها ونشأت جولي هنا بدل روتشفورد؟ أكانت ستغدو بهذه البساطة والرضا مثل أبي الهول؟
ألعبرها قادرة على الكلام والمنطق وما هو أبسط، لكنها محاصرة بجهلها وبلادتها؟ أم لعل ماثياس — شأن الجثة الحية الرهيبة — كان ليستخدم عائلتها وحبها لهم؟ ليزينهم بالثياب الفاخرة والبذخ لكي يعملوا قضبان وسلاسل لسجن جولي؟ أقياداً خفية لتنويمها إلا من نداء عابر للحرب؟ أكانت جولي التي تُربى في جمال هذه الحديقة وسلامها لتختار العيش كما تفعل الآن؟ أكان ليعنيها أمر الرجال الذين طُلبت لتدميرهم من الأساس؟
سرى قشعريرة صعوداً وهبوطاً في لفائفها عند تذكر ذلك. توهج لهيبها الداخلي بحدة أكبر في وجه التهديد الخفي.
وذكرها بكلمات تسولوغوثلان عن «أخت»
جولي الكبرى. تنينة الفئران بلا اسم التي ما زالت تعيش راضية مع عائلة القوارض التي تخصها. تُحفظ صغيرة وسعيدة وبسيطة كأي حيوان بفعل الظروف. ارتجفت جولي مرة أخرى، وأحست بتموجات حراشفها تتلظى متهامسة صعوداً وهزولاً قبل أن تنفض أجنحتها وتهز رأسها. لم تطيق صبراً على العودة إلى الديار.