12.8 أرهق الملِكُ العالي جويل بالأسئلة والمجاملات قبل أن يسألها إن كانت قد رأت ما يكفي لتعْلن نجاح جهودهم في ترويض أهوال ياكسا. فكرت في الأمر هُنيهةً ثم طلبت الانفراد بالمخلوق وأن توفر له ثياباً جديدة. خيب ذلك ظن الساحر الغريب وهوسه بمشاهدة جويل وهي تحرق الأشياء بنار التنين وإلحاحه على لمس جسدها الذي رفضته. وعدتْهما جويل معاً بأن تعلن قرارها في الصباح. لم تمنعهم الريبة من ترك المخلوق وحدها بعد مغادرة جويل.
هكذا وجدت نفسها وحدها معه بمعزل عن مزيد من الفرص لمشاهدة لهبها وهو يحيل الحديد والخشب والحجر واللحم بل ومواد أغرب إلى رماد تحت نظرات الساحر الملتهبة. رحل إيرهارد في ومضة عنيفة من الشرر وحديد يتساقط. ما أهمية طريقة احتراق شمع العسل بنار التنين سواء أكان خاماً أم مصبوباً في شموع؟ لم تكن جويل تعلم. ورغم طرحها بضع أسئلة على جثة امرأة كانت تفتقد إيرهارد بالفعل وعجلة فضوله الصارم.
كيف تجدين نفسك؟ جائعة. لا أعني هذا بل كيف حالك؟ أنا هنا. أأنت سعيدة؟ لا. أتشعرين بألم؟ لا. قد يستلزم الأمر أكثر من اثني عشر سؤالاً لتأكيد أي أمر وأحياناً أكثر! كانت تتكلم بأقل قدر ممكن كأنها تريد إغلاق الباب على كل كلمة داخلها. يا له من عناء التحدث معها! لكن جويل ظلت تنقب بين الكلمات بحثاً عن تلميحات وشظايا وحقائق ومشاعر صادقة. شظايا امرأة عاشت يوماً تحت ذلك الجلد ونظرت لتلك العينين وابتسمت لتلك الشفاه.
تعلمت الكثير ورغم انقضاء الساعات شعرت بأنها تعرف القليل جداً. مجرد كومة حقائق يحتاج كل منها إلى مناقشة أطول مما قد يطلبه أي نقابة أو نبيل أو حتى فلاح غاضب! لم يكن شعر المرأة وعيناها حمراوين قبل الطقس الذي صنع منها هذا بل كانتا بنيتين وأزرقا مرسومين. كانت مبتهجة -قيلت ببرود يكاد يخلو من أي شعور- بحياة ابنها الجديدة وتتطلع إلى كل ما يمكنها فعله لرعايته بكامل موارد قصر الملِك العالي الموضوعة تحت تصرفها المستخلصة بخمسين إجابة أحادية المقطع.
لم تكن ترضعه قبيل موتها ولا في الوقت الحالي. لكنها ستجعل لحمها يطاوعها رغم احتجاج جويل ثم بدت مرتبكة حين أدركت أن الشيء الوحيد الذي سيسيل من محاولة عصر ثديها هو الدم. تغير الجواب عندئذ فإذا احتاج ابنها للحليب ستجد مرضعاً. كان اسم المرأة فرانتشيسكا ميلرسدوتير وكم بدا مخجلاً كم استغرقت جويل لتسأل هذا. كان ولدها ليوبوين فرانتشيسون استغرق هذا أربعة أسئلة فقط. لم تعد تشعر بألم أو خوف بعد الآن.
قالت جثة فرانتشيسكا بأصدق ما استطاعت جويل تبينه أنها لا تشعر بشيء على الإطلاق سوى ثقل جائع لخوائها. لم تمانع ذلك البتة بل كان أمراً واقعاً كلون شعرها. لا حب لا كراهية بل جوع كامن يتوق دائماً للأكل ليبتلع الحياة التي انتزعت منه. أسئلة كثيرة كل سؤال خطر ببال جويل لمحاولة استخلاص حقيقة ما فعله إيرهارد وماتِياس والكهنة والمخادعون بالمرأة. لمحاولة إشباع حكمها بأن تلك المرأة ينبغي أن تظل أو تُعدم.
صوت ميت يتكلم بلسان ميت ومع ذلك يتنفس ويأكل ويشرب ويقوم بالكثير من أفعال الأحياء. لكن ما كان يلوح كالضوء المتسلل بين الشقوق والجدران الحجرية هو نور تلك المرأة الحية يوماً. ليس الشخص نفسه بحسب ما استطاعت جويل تبينه. لكن ثمة ما يجاوز الجثة وجوعها شيئاً أمسكت به السعاة والمعجزة السماوية معاً. ولهذا كان عليها معرفة حقيقة ما هو كائن هناك. كان عليها أن تسأل حتى تحصل على جواب.
مهمة جعلت جويل تشعر بالإرهاق حين شعرت أخيراً بأنه لم يعد هناك شيء إضافي يمكنها استخلاصه من الجثة. آخر ما توصلت إليه هو تناقض المخلوق نفسه. لم يكن يكترث البتة بحياته الخاصة. لم يكن يكترث بشيء البتة. ولا حتى بإشباع جوعه. كان الجوع مجرد حقيقة قائمة بذاتها. ولكن حين أتلفت جويل باحتمال إبادته في لحظة إحباط؟ أثار ذلك رداً. أتقسمين على حماية ليوبوين؟ حدقت جويل في الكائن الأجوف الذي ظل واقفاً يبتلع الهواء لساعات طوال بلا شكوى.
بلا أي إرادة ظاهرة وقد تقيَّد جوعه هكذا. لماذ تسألين؟ لقد اعترفتِ جهاراً بأنك لا تبالين به. تحرك الكائن حركة تجاوزت ما أتاه طوال الليل. مرر لسانه على شفتيه ورمق حلقات جويل صعوداً وهبوطاً بنظرة حسابية جائعة. كان عهدي أن يبقى حياً. وإلا فهلاكي واحتراقي. حدقت جويل في الكائن الذي أبى أن يجعل هذه المشكلة سهلة عليها. كنتِ هالكة لا محالة ولا يهمك إن هلكتِ أصلاً فما الذي يعنيه لك هذا؟
وهنا حل صمت مطبق. بدا وكأنها تتجمد لكن اضطراب حضور الأعمال السماوية والسحرية أظهر أن شيئاً ما كان يحدث في داخليتها. لا أستطيع ائتمان الملِك العالي ماتِياس على حماية الصغير ليوبوين. وهبت حياتي لعشيرة أشيرة لإنقاذ ابني لكن الملِك العالي سيستخدم حياته لاختبار ولائي. كانت كل كلمة باردة لا يشوبها ذلك الأثر المتقطع لروح المرأة الميتة التي ما زالت جثتها ماثلة أمام جويل.
سددت نظراتها الهائمة لتواجه جويل وجوع عينيها ومسامها وكل جزء فيها ينهش السطح. والسحر الملتوي واللاهوت في لحمها كعاصفة تكاد تمزق كل خيط من خيوط جوعها. لكنك كنتِ ستنهين حياتي قبل أن أتمكن من إيذاء ليوبوين. لقد رابك أمر الملِك وساحره وكلماته. الكائن الذي مفترض أنه لم يكن سوى حفرة خاوية من الجوع ولا دافع له سوى الالتهام. الذي يمص الهواء لينهب حيويته. الكائن الذي بدا كحفرة سوداء مرعبة لزينة محاطة بتخريم من السحر والمرسوم السماوي أمامها؟
لقد توسلت من أجل حياة طفل لمجرد أن ذلك كان جزءاً من العهد الذي صُنعت به. الأمنية الأخيرة للمرأة التي كانتها. قالت جويل الكلوة الوحيدة الممكنة. سأحميه إن قضيتُ عليك. ومثله انحنت وركعت وراحت أجزاء من لحمها وتلك الحفرة السوداء للقلب تلتوي. لم يكن الجوع ليرغب في الاستسلام حقاً. تذوقت جويل ذلك الخواء وهو يقاوم أي تلميح للخضوع. لكن المعجزات في جوفها وازنته. بقيا على هذه الحال زمناً لا تعلم جويل مدته بدقة لكن الشموع في الغرفة كانت قد ذابت أكثر من مستواها المنخفض حين أعطت وعدها.
ومع الوقت انكسر الصمت بينهما بكلام الكائن. ما دمتِ لن تقضي عليَّ فيجب أن أرحل. سيفتقد ليوبوين أمه إن استيقظ مبكراً. سأحتاج للعب معه وتعليمه وقص القصص عليه وإطعامه اليوم. والأيام التي تليها. ما لم تقضي عليَّ. حدقت جويل ههينة قبل أن ترد أخيراً. إذن اذهبي فلابنك حقوق عليك. وبعدها اختارت شبه صامتة وهرعت إلى الممرات المظلمة كظل طائر أثناء طيرانه. ألمت جويل عظامها وهي تفك التواءها من ضيق الغرفة.
كانت كل واحدة من أطرافها الستة تؤلمها وهي تشق طريقها عبر ظلمة الليل البهيم. نظرة إلى النجوم أظهرت لها أن الساعات المتبقية للنوم أقل بكثير قبل أن تبدأ محن الصباح التالي. لكنها ستأسر ما تستطيع من نوم في هذه الليلة الرهيبة. كان الطريق واضحاً فقد كانت تشم أثر مرورها وقد سُمح لها بجولة في الأرجاء سابقاً. كانت صامتة يغمرها لهب التنين حين عثرت أخيراً على غرفة نوم عائلتها.
كانت رقيقة وهادئة قدر الإمكان وهي تتسلل إلى الغرفة لتجد موضعاً حول زوجها وصغيرها في عتمة غرفة نومهما. استقرت بأبطأ وأحرص ما يمكن بين الوسائد. تتنفس بعمق وببطء. لتطابق اضطرابها الداخلي مع أحلام جم المستكينة. ونفس زوجها المنتظم. يا له من يوم رهيب. ويا لها من ليلة فظيعة. لكن جويل استطاعت أن تحس بشيء في لهبها طليقاً وحراً. كان لديها جواب ماتِياس بشأن المرأة المسكين وأي عمل سحري وسماوي مروع استُخدم لتحويلها إلى ذلك المخلوق.
تمنَّى جزء منها لو أنه لم يستحسن حكمها. لكن حين راحت في سبات الأحلام قطبت شفتيها وحاجبيها. على الأرجح لن يفعل.