10.4 حين بلغت شمس الظهر كبد السماء، بدأت جول تلمس العلامات. تلتف في دوائر حلزونية من النار الزائفة، وتتخلق طقوس. لا عن قصد، ولا في اتحاد فريد. بل في دفعات خجولة وبدايات متقطعة، دارت لفترة وجيزة في هواء الشتاء البارد. تتخبط بألف إيقاع من العدد نفسه من الأسطح والبيوت. وتفيض من قلوب أولئك المحتفلين في الشوارع من حولها. والمزيد يلقون بحياتهم في الهواء بدل بذل جهد متناسق لربط شيء ما وحياكته.
تصاعدت جموح الطقوس في ساحة تدريب الحصن الجداري. وسط خيام المهرجان والمجامر وباعة المعجنات. والأهم من ذلك أنها راحت تتراكم ببطء فوق شوارع المدينة ذاتها. تعلقت فوق الجسور والموانئ. ورمت بنفسها في وجه رياح الشتاء التي كانت لا تزال تعصف رغم دفء الشمس. كانت كايكيتيه تئِن بقوة متزايدة على نحو لم تعهده روتشفورد قط. غير منسقة، بلا اتحاد، لكنها تنبض وتتأرجح وتتحرك بمئة إيقاع وآلاف نبضات القلوب.
وطوال اليوم كانت تتراكم. تتسلل مع كل نفس تذوقته، وتتزحلق على حلقها، وتتدفق كالحرارة صعوداً إلى جناحين وقشورها. جعلتها تشعر بالخفة. مشبعة ومتخمة بينما تختلط بنار تنينها الخاص على نحو لم يحدث من قبل بالكاد استعت جول تتبع الحشود بحين دعيَت لخطبة اليوم. غير أن الطريقة التي كان الهواء يئن بها جعلتها تجد العاطفة والقصد يتراكمان في حلقها على أي حال. كان الهواء يتشبع بغضب عارم غير منسق.
كان ثمة فرح بين الناس. لكن حرارة محرقة أيضاً. غضب يغلي كالماء في قدر فوق نار بالغة السخونة. مكبوت خلف الابتسامات والانغماس العميقة الكؤوس. لكن ذلك لم يقم سوى بكتم صرخات الراحة التي لم تطلق بعد والتي كانت تطن في الهواء. كل ذلك كاد يغرق جول لكن بدل أن يخنق نيرانها، أخذت تحترق بألق أكبر في لهيبها. لم تعد جول تدرك تماماً أكان الاحتراق في نار زائفة أم في رائحة حقيقية. كل ما عرفته هو أن هواء المهرجان كان يملؤها على نحو لم تدركه قط من قبل.
كانت جول قد خططت لخطبة، وكان مفترضاً بها أن ترحّب وتعد بيقظتها طوال الشتاء، وتقرّ بالناس وتريحهم. بيد أن روح المدينة السكرى المقطرة بجهرها الغاضب كانت تتسلل إلى كل نفس تتنفسه منذ الصباح. ربما لفترة أطول حتى. عند الظهر بدأت تلاحظ للتو. لكن كل ذلك كان يندفع في عروقها في سيول عارمة الآن لدرجة أنها بالكاد استطاعت أن ترى أو تفكر من شدته. والآن أخذ يطلق فجأة كلمات غريبة ومألوفة.
صدحت وعكست ألمها هي، وإحباطها. كل العمل الذي بذلته هي وأهل بيتها. في الغضب الفائر لأولئك الذين سعوا لجلب ألم غير مستحق. ومع ذلك كان هناك ما هو أكثر بكثير. تكلمت لكن الكلمات لم تبد كأنها تخصها قط.
"كايكيتيه، يا مدينتي، لقد عانيت طويلاً في خوف لم تستحقيه. لقد انكمشت في الظلام".
لم يكن صوتها مكبوتاً البتة. راحت الحجار ترتج، ورنت الجليديات بحدة على نغمة صوتها. كانت تتحدث بملء حلقها بأسره، واستطاعت أن تشعر به وتسمعه يرتد صدى من عظام وقلوب أولئك في الساحة. وانتقل في الهواء إلى أبعد الحدود. كان ينبغي أن يكون كل ما يخالف طباع جول. كل ما جاهدت ألا تكون عليه. بهيمياً وخاطئاً. لكن رغم عمقه ورنينه كله ظل يخصها. وظل صوت سيدة، كونتيسة. مع أنه لم يكن صوت فتاة.
تحدثت جول بامتلاء الأنوثة في نبرتها تلك التي لم تدرك حتى وجودها.
"لقد كنتم محكومين بالخوف، من أجل بناتكم، وأمهاتكم، وأخواتكم. لقد رأيته في شوارعكم، وشعرت به في مياه نهركم".
أخذت شهيقاً عميقاً مسموعاً، ثم أطلقت نفخة هادرة بصوت مدوٍّ لا يستطيع أي إنسان أو وحش لا يملك حلقاً وخطماً بحجم حلق جول وخخطمها مجاراته.
"لقد سمعته في قلوبكم، وشممته في أنفاسكم. كايكيتيه، يا مدينتي، لقد قيّدكم خوفكم بالسلاسل".
كان الناس في الساحة متجمدين. ولم يقدروا حتى على الارتعاش. لكن جول استطاعت أن تشعر بالنار التي أنفقوها بتهور كسحابة كثيفة تحيط بهم. لامست لهيبها ومن خلاله لامست لهيبهم. هبت كلماتها بريح حاورة فتخثرت والتوت وركبت خطوط الشرر الزائف المتردد الذي قدمته قلوبهم. طارت معه وإليه. واستطاعت أن تشعر بالهواء نفسه كما شعرت بلحم جيم. كانت داخل صدورهم وحلوقهم وهم يتنفسون.
"لقد امتلككم خوفكم. لقد جرّ أصابعكم حول السكاكين، وجذب النصال إلى لحم عائلاتكم. لقد دفعت سيادة الخوف ببساطيركم إلى حناجر رفقائكم".
كانت عيونهم شاخصة نحو جول، كلها، استطاعت أن تشعر بآذانهم وهي ترتشف كلماتها كأذني جيم تماماً، لكن التيار، والغضب، والكرته، وألم المدينة. غضب وسخط ملفوفان بالاحتفال والفرح. لم تكن كايكيتيه تشبه روتشفورد في شيء. كانت روتشفورد تبدو كعائلة مقارنة بمدينة كايكيتيه. هذا القبر المتخثر للغرباء الأحياء. هذه المسلخة لمخزن باثوري. حشد يعج بالسجون المحبوسين معاً، مقيدين ومسورين برعب أقدم من جول.
خوف وألم عميقان لدرجة أن جلّ ما استطاعوه هو دفع الظلام بعيداً كل عام.
"لكنكم أحرار يا كايكيتيه. ما تخافونه قد زال، لقد ماتت الكونتيسة الدموية باثوري".
كان ينبغي على جول أن تقدم الاحترام للروح الراحلة. لكن اندفاع المدينة وأمواج كرهها العارمة تخلطتا في رغبتها الملحة المغلية في التحرر. كل ما لم يُقل احترق متجاوزاً حتى مجرد التوقف للتفكير في قول هكذا كلام فورا على لسانها. كاد يرتجف في عقله لفترة وجيزة قبل أن تدهمه الكلمات التي أرادت أن تصرخ بها من فوق السماء إلى المدينة بأسرها طوال مواسم!
"لكن لم يكن بكلمتي، أو مخلبي، أو أسناني، أو أنفاسي تم القضاء عليها!"
أسرى لكل كلمة، ساكنين في ضوء المساء المبكر، قبيل أن تغطس الشمس وتتجاوز العمود الأول من القبة السماوية الغربية. لم يملكوا إلا الاستماع إلى جول الآن. كان عليهم الإنصات. جعلت رضى التيقن أخيراً من أنهم سيفهمون ويعرفون الحقيقة قشورها ترتجف. كل المنادين، كل الإعلانات السابقة. لم يصدقها أحد. ولمَ لا يفعلون؟! لقد كان المنادون أفواه الكونتيسة الدموية باثوري! لكنها أمسكت بكايكيتيه بثقة وانتباه كما لو كانت وحشاً بين فكيها بطريقة ما.
استطاعت أن تشعر بذلك. كان عليهم سماعها. لكن النار الهادرة في داخلها دفعت للأمام، لتجر الكلمات الأولى شقاً جديداً.
"لقد كان بأيديكم أنتم! لقد كان بإرادة كايكيتيه مقتل الكونتيسة الدموية! بفعل القلة التي انحنت لكنها لم تنكسر تحت سلاسل خوفها".
بدت الصدمة والدهشة مربكة في الغالب. لم يفهموا بعد. لكن جول استطاعت أن تجعلهم يرون.
"لقد كان بفعل قلة من شركاء الكونتيسة الدموية الآثمين مقتل خوفكم. على يد أولئك الذين عملوا كأيديها في مذبحة بنات كايكيتيه لقيت حتفها".
أثار ذلك انتباههم أخيراً. التفتت الوجوه نحو صدمة متسعة الأعين، ورمقها آخرون بنظرات حانقة. لكنها استطاعت مع ذلك أن تشعر به، كانت المدينة ترقد فعلياً على لسانها.
"لقد حاكمتُهم وحكمتُ عليهم لدورهم في عهدها. ولكن بفضل هؤلاء المساكين أُنقذتم هذا العام من سلاسلكم".
كانت الشمس تغطس خلف عمود القبة السماوية. بدأ ظلها يجتاح المدينة. حين يحل الظلام تبدأ الليلة الأطول. مساء مبكر وبداية للاحتفال. كان ذلك مهماً. ما زالت جول تشعر بالاندفاع يتصاعد ويشتد. كان فوضى وغضباً. حريق غابة من الشغف العابر يفيض في المدينة، مدينتها.
"افرحي يا كايكيتيه!"
بدا الإعلان أشبه برعد يزهر في حلق جول لشدة ما انطلق في الموج المتنامي للنار الزائفة في ساحة الحصن الجداري.
"ابتهجي وامرحي أخيراً، فقد صرت حرة أخيراً!"
قوّست عنقها إلى الخلف، لم تكن هذه هي الخطة لكن كان ثمة الكثير من نيران التنين تملأ جسدها، محاولة شق طريقها عنوة إلى حلقها. الكلمات الأخيرة تتحرر بينما كانت القوة الحارقة كالثلج تفيض من شفتيها، مكبوتة بالكاد خلف أسنانها.
"لقد ماتت الكونتيسة الدموية!"
وحين انزلقت الشمس تماماً خلف العمود الغربي للسموات وحل الليل، أطلقت سيلاً صارخاً من اللوعة في السماء. عمود شديد السخونة وأنقى نيران التنين. يحمل لوعتها الغاضبة الخاصة ثم يجرف الكرد البشِع والبؤس لعقود من الرعب صعوداً إلى خارج المدينة. استطاعت جول أن تشعر بكيف جذب ذلك الاندفاع قلوب كايكيتيه وأصواتها. زئير الآلاف يردون على ندائها الخاص.
"ليحيا التنين اللامع!"