8.i من بين الرؤوس الأربعة التي قسمت إليها طبيعة الحق وقوته، يمتلك الرأس الأول، المتمثل في معرفة الحقيقة، الصلة الأوثق بالطبيعة البشرية. فنحن جميعا ننجذب وننجرف نحو رغبة المعرفة والحكمة، حيث نرى التفوق فيهما أمراً مثاراً للإعجاب، في حين يعد الإخفاق، والخطأ، والجهل، والتعرض للخداع، شراً وعاراً معا. وفي سعينا المحمود والطبيعي هذا وراء المعرفة، ثمة خطآن يجب اجتنابهما؛
أولهما اتخاذ الأمور المجهولة معلومة وإبداء الموافقة عليها بتهور شديد، وهو خطأ سيمنحه من يرغب في الإفلات منه -وعلى الجميع الرغبة في ذلك- الوقت والاجتهاد للتأمل في الموضوعات المعروضة لبحثه. والخطأ الثاني هو بذل بعضهم حماساً مفرطاً وجهداً ضخماً في أشياء غامضة وصعبة وغير مفيدة في آن واحد. وبجتناب هذين الخطأين، فإن أي جهد وعناية يُبذلان في موضوعات تليق بالعقل الفاضل وتستحق المعرفة، سيحظيان بالثناء العادل.
وهكذا نتعلم أن كايوس سولبيسيوس كان متبحراً في علم الفلك، كما عرفت بنفسي أن سيكستيوس بومبيوس كان متبحراً في الهندسة، وكما أن الكثيرين متبحرون في المنطق، والكثيرين في القانون المدني؛ وكل هذه العلوم تعني بالتنقيب عن الحقيقة، لكن السعي ورائها لن يسمح للمرء بالانحراف عن الإدارة النشطة للشؤون. لأن سمعة الفضيلة تكمن بأكملها في الحياة النشطة، التي توجد منها مع ذلك استراحات متكررة، وتتاح فرص وفيرة للعودة إلى سعي المعرفة.
في الوقت نفسه، قد يبقينا النشاط العقلي، الذي لا ينقطع، دون جهد واعي، في تأمل موضوعات دراستنا. غير أن الفكر والنشاط العقلي أجمعين يجب أن يشغلا إما بتقديم المشورة بشأن الأمور القويمة التي تنتمي إلى حياة طيبة وسعيدة، أو في سعي الحكمة والمعرفة. لقد تحدثت هكذا عن المصدر الأول للواجب. -رسائل في الواجب لماركوس توليوس تريتيكو من كانتور