7.4 كان لياندرو يعرف دروب الشمال. لا الطرق المتعرجة والمسالك التي تكاد كلها تلتزم بالممرات العالية المواجهة للشمس، كما يستطيع معظم الناس أن يسلكوا. بل الدروب التي حفرتها السلالات القديمة وشقتها من شقوق في أعماق الأرض، حين كانت إمبراطوريتها قد بسطت سلطانها على العالم المعروف كله وممالكه. الطرق السفلى المظلمة، حيث بدت النقوش والعلامات تحت ضوء الفوانيس كأنها لم تجف بعد.
لم يكن وحده في نقابة التجار الذي يعرف هذه الدروب. لكن أمثاله في هذه المعرفة كانوا قلة. لذلك، حين وصل عقد لإيصال قطيع من الماشية إلى الشمال في الوقت المناسب، لقاء أجر سخي على نحو خاص للنقابة، كان لياندرو الوحيد المتاح. وبالطبع، لم تكن الماشية وحدها ما سيتولى نقله. كان نظيره، الذي يؤدي دور راعي القطيع، قد جاء من الريف وهو يعرف ذلك، وكان يحمل بسخاء مؤنا ليسلمها إليه لقاء فضة جيدة، بل ذهبا، الآن وقد انتهت المرحلة التي قطعها من الرحلة.
أخذ لياندرو زيت الزيتون مسرورا، وبعض حزم التوابل القادمة من أبعد البلاد. وكان سيبدل بعض المصنوعات التي تصلح للبلدات والقرى. مجرد تجارة جوالة في الطريق، إلى أن يحين موعد التسليم الأخير. لكنه في الغالب كان يراقب الأبقار. وكان ذلك العمل مألوفا له ورائعا حقا. ففي صباه، حين كان يكبر مع أبيه متنقلين بين المراعي المباركة بالشمس، كان يستمتع دائما بالإصغاء إلى الثيران الفلاسفة الحكماء.
كان بعض الناس يهينون تلك البهائم أو ينكرون عنها هذه الصفة، وكان لياندرو يرثي لهم ما كلفهم إياه غرورهم. فالثيران لا تتحدث إلى من لا يحترمها. وفي صباه، وبثمن الصبر البسيط أو حفنة من الحبوب، كان قد سمع ملاحم مملكة السلالة الشمسية، ورحلة هوميروس، ومنها سقوط طروادة. وبكى للحزن الذي تغنت به الأناشيد على غرق مينوس القديمة وجزيرتها الشقيقة التي لم يسمها أحد. أما الذين أهانوا الثيران، فحرموا حكمتها وأغانيها.
وحرموا حضور أعيادها وولائم قرابينها. وحرموا أكل لحم الحكماء. كان لياندرو قد نال ذلك، مع أنه لم يكن كاهنا ولا ابن أسرة نبيلة. كان مجرد ابن بائع جوال بسيط. وبصبره ولطفه، استحق حق حضور وليمة ذبح أحد الثيران. وقد سمح له الثور نفسه، بأمر منه، أن يكون هناك. شاهد السكين وهي تهوي والدم وهو يسيل. وشهد نهاية حياة ثور حكيم، ورأى في موته استدعاء ملك يهبط في وضح النهار. تحول الدم إلى نور حين احتساه الملك السماوي، ثم ارتفع القلب وسائر الأعضاء فيه أيضا.
وأكل لياندرو شريحة اللحم المقدس، محروقة ومالحة، فيما أعلن ملك الحصاد أن حياته عاشها على خير وجه، وأن قوته بركة على الأرض. وها هو الآن هنا، حارسا لثور آخر. لم يستطع حتى أن يتخيل الثمن الذي دفعته المراعي لقاء سفر حيوان جليل كهذا إلى هذه المسافة البعيدة.
قال الثور: "ليس من شأني أن أسائلك عنك وعن طريقتك معنا، لكن شيخ عشيرتي أخبرني أن قطيعا في أقصى الشمال يحتاج إلى هبة الحكمة، ولم يبق فيه من يتحدث باسمه إلا بقرة واحدة. ما زلت شابا قويا بما يكفي لقطع هذه المسافة. أما الآخرون فقد شاخ معظمهم، واقترب أوان تسليمهم إلى الملوك."
كان الثور يتكلم ككاهن، بكلام التراتيل المقدس الذي يردده المنشد القديم في المعبد، لا بلغة التجار أو رجال البلاط أو أهل القرى. كانت لغة تفتح الأبواب بمجرد معرفتها، وكان في وسعها أن تمنحه مكانا تلميذا لكاهن لو أراد. وكانت تلك هبة أخرى يدين بها لياندرو الطفل إليهم. فأين كان ابن تاجر سيتعلم لغة الإمبراطورية الغابرة؟ ولهذا ظن لياندرو أن هذه قد تكون أمر رحلة في حياته مرارة وحلاوة.
كان لياندرو يعرف دروب الشمال. لكنه لم يحبها. لم يكن يسر كثيرا بقضاء يومين في ظلمة طريق تحت الأرض، وبالعبث المستمر كي لا يخمد الجمر، وإلا تحمل العواقب. كان يخاطر بأن يجد نفسه محاصرا، أعمى في ظلام دامس، بعد يوم من السير تحت الأرض. ومع ذلك، كان يعرف في هذا الطريق كيف يعثر على الجدار المبارك المنقوش، الذي يستطيع، حتى من دون ضوء، أن يقود المسافر المنكوب إلى ضوء الشمس.
ولم يكن لياندرو يستسيغ كثيرا أن قبة السماء في المملكة الشمالية منخفضة أكثر مما ينبغي، حتى إن ذروة الصيف كانت تحمل إحساسا بالبرد والقسوة. وكانت الليلة قادرة على جلب الصقيع حتى في الخريف. وكان يمقت، بصراحة، أولئك الناس الغريبي الأطوار ذوي العيون المرتابة. يكره قصصهم وشائعاتهم عن الوحوش في الغابات المظلمة. وحديثهم عن أطفال مزقتهم أمهاتهم إربا. وعن مجاعات مروعة يأكل فيها الرجال بعضهم بعضا.
وعن حكايات ريح الشتاء القاتلة، وعن مصاص الدماء، الزيفرفام، الذي قد يتدحرج من فوق الجبال فيقتل الرجال والبهائم حيث تقف. وكان يكره أن المرتزقة الذين يستأجرونهم هناك يصرون على حمل كل ما يحتاجون إليه من ماء لأيام السفر. وكانوا ينظرون إليك إن لم تفعل مثلهم، كأنك رجل ميت لا محالة، لمجرد حماقتك في أن تشرب. وكانوا ينفرون خرافيا من أي بئر مجهولة. يطعمون ماءها للكلاب أو الطيور قبل أن يجرؤوا على شربه بأنفسهم.
وكانوا يحدقون فيه بتجهم. كان في الأراضي الباردة الكئيبة الغريبة لجبال ذيل الحافة، وفي الغابات المترامية والمزارع الممتدة على مد البصر، الكثير مما يستحق الكراهية. أما عاهرات فيزنوف، فكن أشبه بالكهنة أو الرهبان، من شدة ما يتوارين عن الأنظار. أمضى لياندرو أعواما طويلة يألف هذا الطريق الشمالي، وصار يعرف المخاطر التي قد يتعثر بها تجار آخرون قادمون من موطنه. لكن ذلك لم يكن يعني أنه أحبه.
غير أن الثور سيلسوس جعل هذه الرحلة الشمالية بالذات أيسر كثيرا. كانت لديه حكايات وقصائد يشاركها معه، وبفضل اضطرارهم إلى إطعامه الحبوب في الغالب، بدلا من الرعي الذي كانت البغال تعثر عليه في معظم الليالي، إلا في الطريق تحت الأرض حين كانوا يطعمونها علفا مثل الماشية البكماء، صار سيلسوس يملك من الوقت للكلام أكثر بكثير مما تتيحه عادة لأبناء جنسه. أما الآن، فقد كانت هذه الرحلة الطويلة، الحلوة المريرة، التي أعادت لياندرو إلى صباه، تقترب من نهايتها.
كان الحيوان الرائع الذي أوكل إليه سيترك هنا. في قرية نائية عشوائية، تحيط بها جنود مسلحون من كونتيسة فيزنوف نفسها، بحيث لم يعد حتى التفكير العابر في التراجع عن الصفقة ممكنا. كان سيلسوس سيقضي بقية أيامه هنا. في أرض جليدية مخنوقة السماء، ملعونة النجوم، تعصف فيها رياح تعض حرفيا، وتمتلئ بنساء مجنونات يلتهمن أطفالهن. وكان على لياندرو أن يتخلى عن حيوان حكيم طيب، ونبيل أكثر مما ينبغي مثل سيلسوس، لينضم إلى قطيع من الماشية الوضيعة، كي يستمتع بعض النبلاء البرابرة بحداثة وجود حيوانات تتكلم في أرضهم.
وربما لم يكن لديهم حتى الملوك المناسبون لتقديم الثور قربانا لهم حين يحين أوانه. ضبط لياندرو ملامحه، وبذل جهده كيلا تظهر حنقه. كان نبلاء الشمال أشداء القسوة حتى بمقاييس النبلاء. وكان من الأفضل ألا يهين هذا النبيل حين يصلون. لفتت السيوف المستأجرة التي شد أصحابها قبضاتهم عليها عينه إلى الطريق. حان وقت أداء عمله وكسب فضته.
لكن منظر الوحش الهائل، الذي كان يجر خطاه خلف سيد الأرض بلا شك، مرتديا درعه الأسود "الشمالي"
إلى أقصى حد، جمده في مكانه. شعر لياندرو بذكرى غامضة من خبر وشائعة، ترفرف حرة عند حافة ضباب النسيان. آه. إذن كان هناك تنين فعلا!