٦.ثالثاً يُثير سماع أصوات خُدّام شيالتزا الاهتمام حقّاً. أصواتهم ناعمة وخشنة. أنفاسٌ تغلب النبرات. لا تُصمِّم أصواتهم طئيناً، بل تصفيراً، ورغم جمال وقعه، يجعل هذا لغة الكولكور لديهم عصيّةً للغاية على المتابعة. الصراحة تُقال، فهم يعتمدون في تعاملاتهم مع أبي على إشارات اليد أكثر من الكلمات، رافعين أصابعهم للعدّ، ومومئين برؤوسهم إيجاباً أو سلباً. مع ذلك، بئس التاجر المسافر من تُوقِفُه قلة الكلام عن التجارة وحسن التبادل!
ما دام خُدّام شيالتزا يفهمون جانبنا من اللغة على الأقل، وما دام لدينا تأكيد بأنّ لديهم سلطة التنين المَلِك لتحديد الأسعار، فالعمل يمضي قُدُماً وبسرعة! لا يسعني إلا افتراض أن شيالتزا أطلع خُدّامه بعد مغادرتنا على تفاصيل أعمق تخصّ رغباته، إذ حققت عدة سلع لم نذكرها بالأمس أسعاراً مذهلة الارتفاع. كان بعضها عجائب صغرى مألوفة وكرات ميكانيكية. ورغم أنها تظل رهاناً رابحاً دائماً لجني أسعار طيبة في الأراضي الأجنبية البعيدة عن البحر الأعظم، فقد اشتراها الخُدّام بعطاء صادم من تالين الذهب الخالص!
ومن الاهتمامات المدهشة الأخرى بذور محاصيل عادية كنا نتوقع توزيعها طوال رحلتنا لقاء الطعام والمأوى بين المزارعين حين يتعذّر وجود زبائن أغنياء. دفع الخُدّام ثمن هذه أيضاً بسخاء بلغ عشرة أضعاف السعر المعتاد! أثار كرم مضيفنا الجديد شيئاً من القلق لدى أبي، فبعد تقديم فدية بطريرك من الذهب مقابل الكيس الثالث من حبوب القمح البسيطة، أصرّ على أنه لا يستطيع كتاجر أمين قبول هذا العطاء.
بدا ذلك مسبباً للتباس لدى الخادم المُرتدي للرداء واللثام الذي نُقايضه، لكن بعد بضع إيماءات وتصفيرات همسية بينه وبين رفاقه، حُسم الأمر ووافقوا على السعر المعقول بكثير بموازين الديناري. مع أن أبي جعلني أستخدم الميزان لإيجاد المعادل نظراً لأن قلة قليلة فقط من الفضة التي امتلكها شيالتزا على ما يبدو جاءت على هيئة عملة مألوفة. لقد كان عطاءً مدهشاً لطريق غير مطروق بغالبيته نحو الشرق الأقصى.
ستتضاعف ثروة المعدن ثلاث مرات على الأقل بحسب حسابات أبي حين نبادلها بحرير الجِنّ المتقن والتوابل الأجنبية ثم نعود إلى الديار بالغنائم. سنحتاج على الأرجح إلى شراء المزيد من الدواب للقافلة، وإلى مرتزقة مغامرين يمتلكون ما يكفي من الشغف بالترحال لضمان سلامتنا في طريق العودة كي يتعاملوا وحداتهم مع هذا الوزن الثقيل وحده. أتساءل إن كان التنين المَلِك شيالتزا يحب الحرير بقدر حبّه للحلي؟
- مقتطف من سجل رحلات بيثرا العرقيّة