٥.ثانياً. في أقصى الأراضي الغربية والجنوبية على تخوم الإمبراطورية يقع أخدود واسع يسمح بالعبور من أراضي البحر العظيم وقبته السماوية المباركة إلى الصحارى المعادية في الخارج. عند العودة يمكن للمرء سلوك الممر المائي الهادر بسرعة سيالة لكنه منتظم بما يكفي للقوارب الصغيرة وقادة السفن الأكفاء ليصب من البحر الرهيب الذي يملأ النصف الشمالي من هذه العوالم وبذلك يصل إلى البحر العظيم لعوالم الشمس في كانتور.
تُعرف هذه الأراضي البعيدة برمتها بموضعها بين ما كان يوماً نهرين في العصور القديمة قبل أن يلتوي مجراهما أحدهما على الآخر عند سقوط بوابة السماء. قبة النهرين. يُسميان النهر العظيم والنهر السريع. على الرغم من ضياع أصغر النهرين منذ ذلك الحين. كانت هذه الأراضي في السابق ملكاً لسادة الآشور القدماء والزائلين ولا تغطيها اليوم سوى القرى إلى جانب المدينة الوحيدة المكتظة التي سقطت بوابة السماء منها وما زالت تحمل اسمها.
عند وصولك الأول إلى هذه الأراضي تبرز إبرة البوابة المكسورة بوضوح للعين. يمكن رؤيتها جلياً حتى في أبعد أطراف القبة مع أن قاعدتها تبعد عن الناظر تقريباً بقدر أبعد مدى لعوالم شمس كانتور. على الرغم من هذه المسافة لا تحتاج العيون إلى حدة لتمييز البناء المكسور والمشرشر الذي لا يزال شامخاً رغم حالته المتهالكة والمحطمة. في الاقتراب على طول النهر الأكبر يظهر ندب سقوط البوابة للعيان.
تتناثر في حطامها وبمثل هذا العدد والحجم أعمال البشر المتهاوية هذه لتبدو وكأنها سدائم وتلال بحد ذاتها بارزة بفعل الطبيعة أو بفعل مَلِك في خطوطها الدقيقة. تحكي الحكايات المحلية أن هذا السقوط العظيم حدث قبل أربعة آلاف عام وعمّ هذا العالم العريق حتى سفوح جباله وأبعد من ذلك ليترك ندوباً حيث ضربت قمة البرج الأفق الجنوبي الشرقي للقبة السماوية. بين بقايا العظمة المفقودة هذه يعيش أهل النهرين.
ثالث الشعوب كثافة هم الآشوريون الذين حكموا كل العالم ذات يوم ويُنسبون إلى ملكهم آشور. ظل هذا السيّد موجهاً وقاصداً لمن يعيش هنا دائماً. مع أن الآشوريين حكموا كل الأراضي الواقعة بين النهرين في السابق إلا أنهم يتواجدون غالباً داخل أساسات بوابة السماء المكسورة اليوم. تدعي حكاياتهم أنهم أحفاد بناة البوابة لكن كل شعوب النهرين تدعي ذلك أيضاً والملوك صامتون بشأن من هو على حق.
الأوريون هم بفارق كبير ثاني الشعوب كثافة في أرض النهرين وتنتشر طرائقهم فيเกือบ كل القرى المتناثرة. تجلب مزارعهم خيرات من التمر والخس والعدس والبصل والشعير والفول لكنهم في غير ذلك قوم متواضعون لا يقدمون شيئاً يُذكر للتجارة. وأكثرهم عدداً على الإطلاق هم رجال الكلاب المعروفون بالغوتي حيث استقروا على طول شواطئ البحيرة الكبيرة التي تتجمع الآن ضد أطلال تلال السقوط فضلاً عن رعاية القطعان والماشية في الجبال على حافة القبة السماوية لهذا العالم الملعون.
أولئك الذين يزرعون يشبهون الأوريون في تجارتهم وغالباً ما يعيشون بينهم ويعدونهم أهلهم وقومهم. إخوانهم سكان الجبال هم من يطلقون اسم الغوتي على جميع رجال الكلاب (حتى أولئك الذين لحقهم العار فعملوا وحرثوا الأرض بين الأوريون) وغالباً ما يبيعون الجلود ومشروب الحليب المخمر الغريب والجبن والعبيد.
— مقتطف من تاريخ كانتور الطبيعي لأوريون