5.i اليوم أشعر بالراحة، لكن جسدي لا يزال يؤلمني من تسلق ما يربو على جبل من الدرج. غير أنني صرت في حال تسمح لي بأن أدون على الرق ما قيل بحضور الملك الحية، رائي جبل شالتزا، وفي المناطق المحيطة به. عدا العذاب الذي سببه الصعود الحاد فوق درجاته، بدا بناء الدير نفسه من الخارج أشبه بحصن. كان منحوتا من الجبل بقدر ما كان مبنيا حجرا فوق حجر. دخلنا بعد صعودنا حديقة مستوية، عبر ممر لا يسده حاجز من خشب أو معدن.
جاءت سكينتها المثالية بعد مشقة الطريق صادمة بعض الشيء. وكذلك الدفء الذي استقر في الداخل خلف الجدران الواقية. أربكني غياب الحراس في بادئ الأمر، لكنني بعد يوم من التأمل فهمت السبب. لو حاولت أي قوة مسلحة غزو ذلك الدير، فأنا على يقين الآن بأن الصعود وحده كان سيستنزف كل ما لديها من قوة للقتال. كان هذا الملاذ المحاط بالأسوار على قمة الجبل أشبه برواق فسيح، جدرانه شاهقة أقيمت لتحميه من الريح أكثر مما أقيمت لصد أي هجوم يمكن تصوره، تتخلله أبواب وممرات كثيرة تؤدي إلى أبنية أو حجرات أصغر، فيما ازدهرت الحدائق وتعهدتها تلك الشخصيات الغريبة المكتسية بالأردية، وهي تتحرك بسلاسة من حولنا.
وأكثر ما لفتني هدوء الريح وصمت جميع الحاضرين. عبر هذا القسم الخارجي اقتيدنا إلى الداخل في طريق مستقيم. وكانت الدائرة الداخلية للبناء وراء جدار آخر، وقد ازداد فيها الهواء سكونا. كذلك رأيت أن أيا من الخدم المرتدين تلك الأردية من حولنا لم يتكلم، بل لم يبد أن أحدا منهم يتنفس، إذ لم أسمع لهم نفسا، ولم يرسلوا أي إشارة بأي طريقة، مع أنهم كانوا يتحركون ويتصرفون في تناغم.
لم أر في أرجاء المكان وجه أحد سواي وسوى أبي. ومع ذلك كانت الأرض والنباتات تحظى بعناية حسنة، عناية سادة حاذقين بفنهم. وراء حدائق الخضروات، كانت أشجار صغيرة كثيرة تشذب في أشكال بديعة أنيقة، وتوضع في مواقع تسر العين بين الممرات الكثيرة والأبنية الأصغر. كان المكان باعثا على السكينة، حتى ونحن نساق على الطريق ونصعد سلالم أخرى ملعونة بالنجوم. بعد أن صعدنا إلى المستوى التالي من الدير، بدأ أبي وأنا ندرك ما الذي استدعانا.
فعلى الرغم من أننا كنا على مسافة لا تقل عن أربعين قدما، في طريق مستقيم يمتد من المبنى المحيط به، رأينا الملك الحية. كانت حلقاته البيضاء تلتف وتتحرك ظاهرة فوق جدران البناء المركزي وجناحيه، وقد انبسطت ريشاته الفضية الخالصة نحو السماء إلى مدى عجزت عن تقديره بدقة. كان برد قبة السماء قريبا جدا في هذا المستوى من الدير، حتى إننا لولا لطف حلول الظهيرة والجدران التي آوتنا لتجمدنا حتى العظام.
وازداد قرب القبة حين مررنا تحت أقواس أنيقة في الفناء نفسه. ولو لم أكن مخطئا، لقلت إن المنشآت والسقوف الحجرية ذاتها كانت تحمل ثقل قبة السماء! وإلى هذا القرب من السماء الأبدية اللانهائية أعزو استحالة وصف الملك الحية في كامل امتداده. فقد ملأ شالتزا، رائي الجبل، الفناء بحلقاته، ودفع السماء المشمسة نفسها إلى الخارج وإلى أعلى حين انتفخت جناحاه. كان وجهه يشبه وجه حصان إلى حد ما، أو ربما وجوه الأيائل الجنوبية ذات القرون الحلزونية.
كانت عيناه سوداويين، وعلى رأسه عرف أبيض مضطرب يتحرك حتى في الهواء الساكن الميت لذلك المكان. وانحدر خط من هذا العرف إلى الخلف على طول عنقه، ثم امتد بمحاذاة كل حلقة ظاهرة من حراشفه البيضاء اللامعة. وحين تكلم، دوى صوته كالرعد. وأقر بأنني لم أسمع كلمات التحية الأولى، مع أنها كانت، على الأرجح، واضحة ومفهومة. تحدث بلغة كولكور بالغة التهذيب. وهنا استطعت أن أتبين أن أبي نفسه، رغم موهبته في اللغات، كان يكافح لفهمه.
كانت الكلمات غريبة حادة، لا تشبه شيئا مما عرفه أي منا، أما ما استطعت متابعته منها فكان عتيقا شاذا في مواضع ألفاظه. لكن مع مضي الحديث، أخذ الملك الحية يبسط كلماته ليكون فهمه أيسر. وبعد أن تمكنا من أكثر من مجرد التحديق في عظمته، انتقلت المسائل إلى شؤون مألوفة من تجارة أبي. كانت اهتمامات الحية تنصب أساسا على حكايات موطننا، والطرق التي سلكناها، وحال العالم وراء واديه.
وقد دونت كثيرا من ذلك هنا في سجلاتي، وأعترف بأن انتباهي كان يتشتت وأنا أتأمله. كان الفناء الذي استضافنا فيه الملك الحية، بحسب تقدير عيني، يبلغ ثلاثين قدما على الأقل من كل جانب، غير أن نهايته البعيدة حجبتها حراشف الرائي البيضاء اللؤلؤية. وبحساب تقريبي شديد التقريب، أقول إنه كان لا بد أن يبلغ طوله مئة وخمسين قدما على الأقل لو أنه انبسط بكامل طوله. ومع ذلك، طوال الوقت الذي حدث فيه أبي عن موطننا والأماكن التي زرناها والسبل التي سلكناها للوصول إليها، لم أر الحية يغير كثيرا من استرخائه المتمدد الذي كان عليه عند وصولنا.
وبعد أن انتهى استجوابه عن رحلتنا، عرض الملك الحية أن يقايض بأي سلع أو تحف تهمه، مقابل ما يستطيع تقديمه من ثروة. فأقر أبي بأننا لم نحمل إلى الدير كامل مخزون كنوزنا، إذ إن صعودا كهذا ونحن مثقلون بالأحمال كان شاقا جدا على ظهور الفانين وحدها. وكان ذلك مفاجأة أخرى! ومن كل ما استطعت استنتاجه من كولكور الرائي ووجهه المعبر، رغم هيئته الوحشية، بدا أنه فهم الأمر بل شعر بشيء من الندم حياله.
وهذا أمر لم أتوقع، بصراحة، أن أجده في وحش سماوي يمس السماء نفسها ولا يصيبه أذى. لكنه وعد بإرسال مبعوث إلى مكان إقامتنا في الأيام التالية ليفاوض في التجارة ويشرف على بضائعنا. ولهذا العمل يستدعيني أبي الآن، إذ امتد الصباح كثيرا، وقد شوهد المبعوثون وهم يهبطون ذلك الدرج الملعون! - مقتطف من سجل رحلات بيثرا من فيراكولس