التنين اللامع الفصل 179 — 5.3

اقرأ التنين اللامع الفصل 179 — 5.3 باللغة العربية على مانجا تايم.

٥.٣ أحست جول بشيء من خيبة الأمل حين رأت خطيبها للمرة الأولى. ربما كان من الظلم مقارنته بأخيها، لكن ما عدا سميثسون الذي يكبره بسنوات، لم يكن هناك من تستطيع جول عده نداً له. بالكاد استطاعت مقارنة خطيبها بأبناء الفلاحين الذين رأتهم في أنحاء فيزنوف وبقية المملكة. مع ذلك كله، ترك في النفس أثراً أقل بكثير مما توقعت. لم يكن بول ناداسدي أطول بكثير من أمه. لكنه امتلك، على عكس الكونتيسة، ذلك الارتباك الذي تراه في أخيها بالذات؛

الطريقة التي عجز بها عن ملء مساحة قامته بحضوره، مما جعل قامته الضئيلة تبدو أقل إثارة للإعجاب. علاوة على ذلك، بدا أبطأ في بلوغ سن الرشد من سائر الشبان الذين عرفتهم جول في حياتها. بالكاد يمكن القول إنه بدأ ينبت لحية في حين بدأ شارب أخي الشاب يلوح في الأفق، وكان وجهه مستديراً بحق. لقد شكّل هذا تناقضاً مع الهيئة التي بدت على أبيه في اللوحات المعلقة في أنحاء القلعة.

كان مرتدياً من الثياب الفاخرة ما يليق بابن كونتيسة. مع أنها بدت مخيبة للآمال بعض الشيء بعدما رأت بذخ الملك العالي مراد. قماش أسود بسيط بتطريز دقيق من الذهب وبضعة أزرار معدنية تتألق. على أن حديثه وحركاته ووقفته كانت تتسم بلياقة لا تشوبها شائبة على الأقل. لقد كان اللقاء الأول به حين وصل إلى كايكيتيه. استقبله أمه أولاً ثم جول بصفتها خطيبته، فطبع قبلة عفيفة على كل من وجنتيها، ولم يكد هذا يخلو من ارتباك طفيف بسبب ما اضطر الاثنان إلى المناورة حوله من خطومها للحفاظ على شيء من الرشاقة.

لم يحدُث أن خرج أحدهما عن القواعد الرسمية المعهودة لمثل هذا الموقف بكلمة واحدة. غير أنه كان هناك ما يُستحسن على الأقل. لم يتعثر إطلاقاً لدى رؤيتها أو يتوقف مذهولاً أمام ضخامتها أو نبرة صوتها. وهو مقياس ضئيل للرجولة لكن الكثيرين غيره أخفقوا فيه. قامت جول بما عليه واستجابت بمثل ما يجب من لياقة وود. حرصت على ألا تفعل شيئاً قد يفزع غريباً من مظهرها. لكن بول ناداسدي أثار إعجابها من هذه الناحية بالذات.

بدا أقل خوفاً ظاهراً عيانياً منها مقارنة بألكسندر! إذا كانت صادقة مع نفسها، فقد رأت جول وشمت من الشاب خوفاً وحذراً تجاه أمه يفوق ما أبدته نحوه! وهي لحظة نادرة رأت جول أنها ردة فعل صائب تماماً. قد تكون تنيناً يبلغ طوله ثلاثين قدماً وباع جناحين يماثلانه. لكن الكونتيسة باثوري من فيزنوف هي وحدها التي تستحق الخوف والحذر الفوريين. حتى من قريبتها ولحمها ودمها. لم تظفر جول بفرصة الحديث إلى خطيبها مرة أخرى إلا بعد يومين آخرين.

رغم أنهما تلمحا وسط جموع الأشخاص الذين تقاذفوهم بين الاستعدادات التي لا تنتهي ونميمة البلاط. تلقت التهنئة من جمع غفير من السادة والسيدات والكونتات والدوقات والرهبان والقساوسة وملوك أدنى وحتى ساحر خارج دائرتها المألوفة طوال ساعات كل يوم.

لكنهما الآن خُليا في «الساحة»

الشمالية من أجل «الخصوصية»

للحديث والتعارف. بطبيعة الحال، كان حراس الجنود ودور غريب لما تسميه الكونتيسة وصيفة حاضراً للتأكد من عدم وقوع أي شيء غير لائق (وكأن جول قد يطرح مثل هذا الأمر في بملكا قط). لكن كل ما يدور بينهما ظاهرياً سيُأخذ إلى القبر على يد اولئك المراقبين. تمددت جول على الحجارة الرائعة محاولة إبقاء رقبتها وأجنحتها مسترخية، بينما جلس بول ناداسدي بتجهم على مقعد حجري محدقاً في مياه النهر.

لم يقل أحدهما أكثر من تحية موجزة. وقد مضى على ذلك وقت طويل مكّن جول من ملاحظة أن الظلال قد تحركت تغيراً طفيفاً مع حركة الشمس. كان خطيبها يعرق تحت ثيابه الفاخرة، لا من التوتر، بل بسبب الحر غير المعتاد على هيئة لباسه. لم تكن جول متأكدة مما يُفترض بها حقاً الحديث عنه مع زوجها المستقبل. كانت الكتب والأناشيد تزخر بالكثير في هذا الشأن، لكن وضعهما بدا أبعد ما يكون عن ملاءمة ذلك.

كانت تعلم أن بعض الفلاحين يغنون لبعضهم ويسعون إلى ودّ بعضهم. لكن تلك أمور تُصنع قبل استقرار الزواج وحتميته. ماذا عساها أن تقول؟ لم يكن السوت يمتلئ سوى بصوت بعيد قادم من الشاطئ ومياه النهر وهي تتخبط عند الجدران الحجرية الشاهقة التي تحمّل جزيرة القلعة. كانت الحواجز ترتفع حادة صادقة من أعماق النهر، وتشي بصلابتها بعيداً عن أعين حتى جول في مياه النهر العكرة. كل ذلك لجعل التسلق محفوفاً بالمخاطر إن أقدم جيش على محاولة العبور.

بدا بول مكتفياً على طريقته بالتحدق إلى المياه وهي تتجه جنوباً لتلقاه. مع أنه لم يتجنب النظر إليها تماماً. بل كان يكتفي بألا يلتفت صوبها إلا حين يتحدث. بعد لحظة إضافية محاولة جول بيأس ألا تختل أي شبر من التفافاتها أو أجنحتها، التقطت أخيراً أول ما خطر ببالها ليكون موضوعاً، لمجرد ملء الصمت.

قالت: "آمل ألا أكون فظة إن قلت إني أمقت أمك أشد المقت".

وإذا بخطيبها ينتفض بغتة! تسبسب، واختنق، وانثنى إلى الأمام كأنه صُعق ثم ارتعش، وأخيراً، وقبل أن تتمكن هي أو حراسهما من الاندفاع لمساعدته، أدركت ما حدث. كان بول ناداسدي، ابن الكونتيسة إليزابيث باثوري، يضحك. لم يكتف بالضحك، بل انثنى على نفسه فوق مقعده وصار يلهث بحثاً عن الهواء مع نوبة مفاجئة من المرح. كانت الدموع تنحدر على وجنتيه، وما زاد الأمر سوءاً هو أن جول لم تكن متأكدة تماماً مما يجب عليها فعله حيال ذلك.

قالت: "يا خطيبي! هل أنت بخير؟!"

أكان مجنوناً؟ ملعوناً؟ مصاباً؟ مسحوراً؟ لم تلمس جول أي سحر فيه، لكنها خدعت من قبل. لكنه هز رأسه ولوح بيديه صارفاً إياها. محاولاً تطمينها بالكلمات وعجز عنها وسط قهقهاته المدوية. أكانت حمقاء بلا رجعة؟ كلا لم تظن ذلك، فقد بدت عضلاته مرنة بين تشنجات الضحك بما بدا وكأنه يشعر براحة تفوق كل ما رأت منه من قبل. كانت تفوح منه رائحة البهجة. لكن لما عجز عن التوقف عن الضحك؟! كلما نظر إليها بدا الأمر كأنه يزدي سوءاً، وأفضى تودد جول إليه في النهاية إلى أن استند إلى كتفها محاولاً استعادة شيء من رباطة جأشه.

أخيراً، وبعد ما بدا ساعات من عواء خطيبها المستقبل حتى بح صوته من المرح وبدوءه واهناً لقلة الهواء، انتزعت جول منه كلمة صحيحة أخيراً.

قال: "آه، أشكر نجوم مولدي وأرواح الجبل! حسن إذن، بطريقة ما فعلت جول شيئاً صائباً دون أن تفكر في الأمر من الأساس؟ فلتمض في طريقها إذن. قالت: "حسن، لا أرى طرفة في الأمر لكني نطقت بالحق وحدَه.

لا أطيق صبراً رؤية أمك.

آمل ألا يكون في هذا إزعاج". كاد قلقها يشرع فيه بالضحك من جديد. لكنه تماسك واكتفى بضحكات خفيفة، مستنداً إلى التفافاتها ليمنع نفسه من السقوط عن مقعده. قال: "إنها بالكاد أمي، لم أتعلم مناداتها بذلك إلا بعد سن السادسة.

لسنوات طوال ظننت أن مرضعتي غروا هي التي ولدتنني.

ينبغي لهذا أن ينم عن القليل الذي رأيت فيه الكونتيسة أو اعتنيت بصحبتها". لم تستطع جول قول شيء حيال ذلك، لم يكن الأمر مفاجئاً لكنه جعل قلبها يتفطر لمجرد اعتبار مدى قسوة إليزابيث تجاه ابنها. وأردف: "ولا إزعاج لدي يا زوجتي المستقبلية، يا جول، كلا، بل يشهد هذا بحسن سيرتك وكل ما بلغني عنك في أن تستحقي غضبك حقاً هكذا". سعّل وتنحنح، واستطاعت جول الإحساس بنبض قلبه عبر حراشفها لقربهما الشديد. قال: "في الحقيقة، أوافقك الرأي من كل قلبي.

أنا أُمقت ذلك الوحش المبتسم عديم القلب تماماً أيضاً". وحينها شعرت جول بتوتر لم تكن تدرك أساساً أنها كانت تحمله قد تلاشى. كان زوجها المستقبلي يبغض أمه. تعجبت جول من هول حياتها التي جعلت هذا يرفع روحها المعنوية إلى هذا الحد.