3.9 ترنحت جويل على قدميها، لكنها، بعناية وجهد هائل، لم تسقط. أرادت أن تطلق ضحكة خافتة، وما إن راودها الاندفاع حتى أصدرت أصواتا زقزاقية متموجة. كان ذلك غير لائق، وسرعان ما تمكنت من كبح ضحكتها، في الغالب. لكنها كانت نصرا. فقد نجحت، للمرة الأولى منذ صارت بهذا الحجم الأصغر، في اجتياز غرفتها كلها سيرا على قدميها، من دون مساعدة. أنجزت الأمر كاملا، وإن بخطوات غير ثابتة بعض الشيء.
كان وصيفها واقفا إلى جوارها، طويلا وثابتا على نحو يبعث الطمأنينة. كان يظل قريبا منها كلما حاولت ذلك. وقبل بضعة أيام فقط، كانت تحتاج إلى ساقه لتسند يدها إليها. أما الآن فقد مشت جويل حتى الطرف الآخر من غرفة نومها، فوق وسائدها الضخمة الكثيرة، من دون أن تحتاج إلى أي عون!
قال: "عمل ممتاز يا جيم! أحسنت، أيتها الصغيرة!"
كانت الكلمات لا تزال تربكها، لكنها كانت تزداد وضوحا في رأسها كل يوم. تصير أنسب. وتحمل معنى أكبر. وكان معناها يبقى في ذهنها مدة أطول حتى في غياب ذاتها الأكبر، الصحيحة، ولمسة نار الويرم فيها. ومع ذلك، حتى حين كانت الذكرى الدقيقة لغرض الكلمات تفلت منها، كانت جويل تعرف من نبرة صوته دائما أن سميثسون يقصد الخير. والآن صارت تسمع تشجيعه والفرح الذي يشاركها به في إنجازاتها، إلى جانب المعنى نفسه.
وكانت هذه الانتصارات مهمة. مهما بدت صغيرة أو تافهة بالنسبة إلى ذاتها الحقيقية.
فقد أمضت "جيم"
عاما كاملا عاجزة عن الوقوف منتصبة من دون أن تخونها قوتها. ولم تكن قادرة تماما على جمع الكلمات في حلقها. كان فمها قصيرا جدا، وعنقها منضغطا حتى كاد ينعدم. وبعد محاولات كثيرة وخطأ متكرر، اكتشفت جويل أن هذا الحلق لا يضم الأجزاء نفسها التي تحتاج إليها لإصدار الأصوات. لقد أمضت حياتها كلها تتعلم الكلام باستخدام شيء مختلف تماما عما يملكه حلقها الأصغر. ولم تكن جويل واثقة حتى من أن هذا العنق وهذا الفم قادران على الكلام.
لكنها حاولت مرة أخرى على أي حال، فأطلقت صرخة عالية النبرة متموجة، أبت أن تلتئم في كلمات حقيقية. إلا أن فرحها كان ظاهرا، على الأقل. أومأ إليها سميثسون، ثم قرفص كي تتمكن من التهادي نحوه، فيضمها ويتركها تنعم بذلك الارتفاع المثير للحماسة حين يرفعها ويدور بها. لم يكن الأمر يشبه الطيران حقا. ورأت جويل أنه كان، من بعض الوجوه، أفضل حتى! كان واحدا من أفراح قليلة جدا تستطيع أن تشعر بها وحدها ثم تشاركها ذاتها الأكبر.
أن ترفع. أن تحمل. أن تتأرجح بقوة ليست قوتها على الإطلاق؟ حين كانت تطير، حين كانت ترتفع فوق طفو لهب ويرمها، كان في الأمر يقين. وكانت جويل دائما هي التي تمنح ذلك اليقين. لكن حين كان سميثسون أو أي من البالغين الآخرين يحملها، كانت جويل تحت رحمتهم تماما. وكان ذلك مرعبا مرعبا مع المربية أو أي فرد من أفراد الطاقم. إذ كان يملأ ذهنها برعب مشوش من الخنزير الضخم، وكيف قذفها وداسها.
أما مع سميثسون، أو أبيها، أو حتى أمها، فكانت تعرف أنها ستكون آمنة. وكان ذلك الأمان واليقين يحولان الدوران الخارج تماما عن سيطرتها إلى متعة شديدة الإثارة. وأخيرا، أنزلها وصيفها، فحاولت جويل أن تخطو مرة أخرى، لكن رأسها صار فجأة أكثر تشوشا بكثير من المعتاد، ولم يعد شيء مستقيما كما ينبغي. وقبل أن تخطو خطوتها الأولى، بدأت تسقط! لكن سميثسون، ذلك الرجل النبيل والوصيف المثالي، كان هناك دائما من أجلها.
أمسك بكتفيها ومنحها شيئا تتكئ عليه، بينما أخذت الغرفة تتوقف ببطء عن التهاوي والدوران. حاولت أن تتكلم إليه من جديد، وأن تشكره. لكن كل ما استطاعت إخراجه كان نغمة وقرقرة. وحتى عندها كان مثاليا إلى هذا الحد، إذ أومأ إليها رغم محاولتها الكلام المشوهة تماما.
قال: "العفو يا سيدتي جيم. مستعدة للمحاولة من جديد؟"
دخل أحد أفراد الطاقم إلى الغرفة، فأفزعها بما يكفي لتتجمد فجأة في مكانها، عاجزة عن المشي خوفا من الخزي أمام غريب. شعرت جويل بحكة مزعجة في رأسها، كأن عليها أن تعرف هذا الشخص، لكنها لم تستطع، في غياب ذاتها الأكبر وذكرياتها الأوضح، أن تجزم بذلك. فقد اكتسبت عيناها الأصغر وضوحا يكفي لتمييز الوجوه عبر الغرفة منذ وقت قصير فحسب. وفي الوقت نفسه، بدا الزمن الذي مر منذ أن أتقنت استخدام عينيها دهرا بأكمله.
وكان ذلك جزءا آخر من حالتها التي تفسد العقل. تحدث سميثسون وعضو الطاقم بسرعة، بنبرة مشوشة لم تستطع جويل تفكيكها كما ينبغي. كانت عميقة ومتداخلة أكثر من اللازم. لم تكن واضحة وحادة مثل نبرة سميثسون، أو والديها، أو حتى المربية الحقودة حين يتحدثون إلى جويل أو إلى أختها. كان الأمر محبطا إلى حد لا يطاق. وما إن بدأت تفكر في ذلك حتى شعرت جويل بالدموع تتجمع في عينيها، وبضيق يتصاعد في صدرها وحلقها.
وبدأت نبرة نواح تتشكل في حلقها الجامح، مستعدة لاكتساح كل شيء. تصاعد ذلك كله في سيل مفاجئ لا يمكن السيطرة عليه. لم يكن الأمر عادلا! لماذا كان على جويل أن تصاب بهذا العجز! لماذا كانت هكذا! لماذا كادت تعجز عن فهم الكلام العادي الذي تسمعه ذاتها الأكبر، بدلا من ذلك الكلام الطفولي العبثي المخصص للرضع! لماذا كان عليها أن تعرف مدى عجزها؟! لماذا لم تكن جويل ابنة طبيعية فحسب، مثلما كانت أختها لأمها؟!
كان كل ذلك أكثر مما تحتمل، وسرعان ما أخذت ترتجف وتنتحب، وخرج سائل لزج مقزز من أنفها، وازدادت رؤيتها سوءا بسبب الدموع التي غمرت عينيها. لكن سميثسون كان هناك. حملها، وأعطاها شيئا تمضغه، وأخذ يهدهدها. متى حملها؟ لم تكن جويل متأكدة، لكن الغريب كان قد رحل. والآن كانت تتأرجح بين ذراعيه، وكل شيء يزداد ضبابية، وكانت قد امتلأت إلى حد ما، وكان اليوم شاقا جدا رغم قصره، إذ لم تستيقظ إلا لبضع ساعات بالكاد.
أرادت أن تقاوم وتصرخ في وجه هذا الظلم. كانت جويل سيدة. وكانت ويرما. كان ينبغي أن تتمكن من البقاء مستيقظة وقتا أطول! لكن وصيفها الرائع واصل هدهدتها، وتحدث إليها بكلمات ناعمة مهدئة، بل وغنى لها أغنية رقيقة. وسرعان ما هدأت جويل من سخطها. ثم انزلقت سريعا إلى النوم.