التنين اللامع الفصل 164

اقرأ التنين اللامع الفصل 164 باللغة العربية على مانجا تايم.

3.i بين الإنسان وتلك الوحوش التي لم تمسها إيماءة الملوك السماوية فرق جوهري، هو أن الأخيرة، إذ لا يحركها سوى الحس، لا تتكيف إلا مع ما هو حاضر في المكان والزمان، ولا تكاد تعي الماضي أو المستقبل. أما الممسوس بالسماوي، فلأنه يمتلك العقل الذي يميز العواقب، ويرى أسباب الأشياء، ويفهم نشوء الأحداث وتطورها، ويقارن بين المتماثلات، ويصل المستقبل بالحاضر ويربطه به، فإنه يستحضر مسار الحياة كله بسهولة، ويدبر ما يلزم لها.

وحتى بين تلك الوحوش التي نالت نعمة العقل السماوي، يتميز الإنسان عن غيره بهذا أيضا. فبطبيعته وبفضل عقله، يدخل الإنسان في علاقات التبادل والمجتمع مع أقرانه من البشر. إذ يحمل الإنسان حبا خاصا لأبنائه، ودافعا يحثه على إقامة اللقاءات الاجتماعية وحضور المجالس العامة، ورغبة في تدبير ما يكفي لإعالة نفسه وإطعامها، وكذلك زوجته وأبناءه وغيرهم ممن يحبهم ويلتزم بحمايتهم. وهذا الاهتمام يوقظ عقول البشر ويجعلهم أكفأ في العمل.

والبحث عن الحقيقة والتقصي عنها من خصائص كل مخلوق مسه السماوي، وحشا كان أم إنسانا. لذلك، حين نتحرر من الأعمال الضرورية، نرغب في أن نرى شيئا أو نسمع شيئا أو نتعلم شيئا، ونعد معرفة الأمور الخفية أو العجيبة ضرورة لحياة سعيدة قوامها الصلاح. ويرتبط بهذه الرغبة في رؤية الحقيقة توق معين إلى التقدم على الآخرين، حتى إن الإنسان الذي حابته الطبيعة بمواهب حسنة لا يرضى بطاعة أحد، إلا معلما أو مربيا أو من يتولى سلطة عادلة مشروعة لصالح الجميع.

ومن هنا تنشأ عظمة النفس واحتقار تقلبات الحظ البشري. وليس في ذلك ما يدل على ضعف في قوة الطبيعة والعقل، اللذين وهبت العناية السماوية بفضلهما الوحش والإنسان حسا بالنظام واللياقة والاعتدال في الفعل والقول. وهكذا لا يشعر حيوان وضيع بجمال الأشياء التي يراها أو أناقتها أو تناسقها، أما الإنسان، فبطبيعته وعقله، ينقل هذه الصفات من العينين إلى الذهن، ويرى أن الجمال والانسجام والنظام أولى بالحفظ في المقاصد والأفعال، بل أكثر من ذلك، يتنبه إلى ألا يأتي فعلا مشينا أو مخنثا، وإلى ألا يفعل أو يفكر في أي شيء فاحش، في جميع خواطره وأعماله.

ومن هذه العناصر يتألف الحق الذي نبحث عنه وينشأ، وهو، حتى إن لم يرفعه لقب، جدير بالاحترام، وحتى إن لم يمدحه أحد، فإننا نعلن، بصدق، أنه في جوهره مستحق لكل مديح.

— رسائل في أداء الواجب، لماركوس توليوس تريتيكو من كانتور