3.7 لم يلتق الأب بعيني جويل، وآثر أن يحدق في راحتيه. ثم تكلم أخيرا، بعد زمن بدا أطول مما ينبغي في أجواء غرفة والديها الضيقة أكثر مما تحتمل.
قال: "زوجها، الكونت فيرينتس باتوري، الفارس الأسود فيزنوفي، أنقذ حياتي حين كنت فتى من فرسان الغريفون في الحرب. لكن الكونتيسة باتوري هي التي أنقذت روشفورد وعائلتنا."
أصغت جويل. أرادت أن تتراجع مذعورة، لكن غرفة والديها كانت أضيق من أن تفعل ذلك. والأهم من هذا أن نبرة أبيها كانت هشة.
قال: "حل وباء. فشلت الحقول. لم يهلك القمح وحده، بل الشعير والبازلاء والبيقية أيضا. كل ما نبت في روشفورد والأراضي المحيطة بها أصابه الفساد."
تنهد.
"كانت سنة واحدة بلا حصاد، لكنها كانت كافية. أفرغت مخازننا مع حلول الشتاء، وبدأت العائلات تموت جوعا حين جاءت دورة القحط. بعثت رسائل أستجدي فيها العون من جميع جيراننا وحلفائنا."
هز رأسه.
"عرضت فيبرون ما يكفي لإطعام أهل بيتي. لكن الكونتيسة وحدها، حين سمعت بمصابهم، أرسلت من الطعام ما أنقذ حياة الناس. اشترت لهم الحبوب واستوردتها، ولو كلفها ذلك ثمنا باهظا."
بدا أخيرا كأنه وجد الإرادة التي تمكنه من مواجهة جويل، فالتقت عيناه بعينيها بالقوة نفسها التي طالما رأتها حين كان يخاطب الخدم. ورأتها أيضا في الحرب.
قال: "لم تطلب مني ولا من أحد في روشفورد هابيني واحدا من الدين. كان من حقها أن تفعل، فهي سيدتي. لكنها رفضت، حتى حين عرضت عليها ذلك."
تنهد.
"إليزابيث امرأة حقودة، خطرة، لكنها ليست شديدة القسوة. لا ترغب في أن يعاني الآخرون أو يتألموا. حين تختار طريقها، لا تلتفت إلى من تطؤهم في سبيلها. لكنها لا تختار أن تفعل ذلك—"
قاطعته أمها بنبرة أسكتته على الفور.
قالت: "يا لغبائك يا زوجي. لا تكذب على نفسك ولا على ابنتنا. كانت السيدة باتوري لتسلخ كل رجل وامرأة وطفل في روشفورد أحياء، لو راق لها ذلك. لا تكس هذه الشيطانة بما ليست عليه. رحمتها يومها كانت للسبب نفسه الذي يجعلها قاسية."
رمشت جويل ببطء. كانت تعرف أن والديها قد يتشاجران، لكنها لم تكن قط في الغرفة نفسها حين يحدث ذلك. وبصراحة، لم تكن هذه أشد لحظات أمها ضراوة خلف الأبواب المغلقة. ومع ذلك، أن ترى الأمر بعينيها؟ أطلق أبوها أنينا.
قال: "إنها سيدتي، وقد سعت دائما إلى رعاية روشفورد، بتمييز وشرف يليقان بمقامها وبمسؤولياتها تجاهنا."
سخرت أمها، وقذفت كلماتها بتلك النبرة القاطعة: "لقد منحت ابنتك خطبة لابنها، وأعلنتها وريثتها! يمكنك أن تكف عن التملق والانحناء لتلك الشيطانة!"
استدار أبوها فجأة، وفي وجهه ما كاد يقنع جويل بأنه غضب. لكنه تمالك نفسه، وأخذ نفسا عميقا ليستعيد رباطة جأشه.
قال: "لقد خدمتنا وحمتنا منذ زمن يسبق خروج جويل من البيضة بوقت طويل، وساندت كل قرار اتخذناه بشأن رعايتها."
أخذت أمها نفسا آخر، ورفعت يديها وهي تنهض بكل الغضب الذي كبحه أبوها.
قالت: "لأنك، في نظرها، وأنا وحتى جويل، ملك لها. نحن ملكها، وهذا كل ما يهم تلك المرأة الوحشية. أن تحتفظ بما هو لها، وأن يخدمها جيدا."
انقبض فك أبيها بقوة. كانت نبرة الكلمات وإيحاءاتها مألوفة. لطالما ساندت أمها أباها في البلاط، وكانا متحدين كما ينبغي لزوج وزوجة. لكن داخل غرفتهما، كان في أمها غضب لا يسع جويل إلا أن تحترم أباها لوقوفه في وجهه من دون انحناء.
قال: "إنها سيدتي، وذلك حقها. وهي ترعانا بعدل وعناية وحسن تدبير يفوق بكثير ما يحق لنا أن ننتظره منها."
لم تعرف جويل ماذا تقول. لم يكن صوابا أن تكون هنا الآن، فيما والداها غير متحدين. وهما معا في خلوتهما. فجأة انطفأ غضب أمها، والتقت عيناها بعيني جويل، فدفع ذلك أباها إلى النظر إليها أيضا.
قالت: "جوناثان، يا أغبى الرجال، سترث ابنتك كل حق من تلك الحقوق، وكل استحقاق من تلك الاستحقاقات. لكنها تفكر في الخيانة ضد الملك الأعلى لأنها تشك في عدله وصلاحه."
بدا أبوها مصدوما، مدهوشا، جريحا، ثم نهض فيه موج من الرعب والخوف، رائحة لم ترد جويل أن تشمها منه مرة أخرى، فثبت عينيه عليها.
قال: "ابنتي، أهذا صحيح؟"
كانت جويل ابنة مطيعة. لن تكذب على أبيها.
فأجابت: "بالطبع."
آلمتها نظرة الدهشة والوجع على وجه أبيها. لكن كلمات أمها آلمتها أكثر.
قالت: "لن تكون بارونا عاديا يا جوناثان. ستصبح الكونتيسة، كونتيسة التنين! إنها توثق صلتها بوريث أرفا!"
فكرت جويل في إمري الصغير، وفي "رمز"
حمايته الذي لا معنى له، والذي يفترض أن يحميه من أن تأكله هي.
تابعت أمها: "أخوه سيحتل بالتأكيد مكانة رفيعة بين سادة الغريفون، وربما صار، مثلك، الأول بينهم."
خطر ألكسندر وفرسه المرتقب في ذهنها أيضا.
"وأنت تكاد تدخلها في أخويتك، أخوية فرسان الغريفون. وتربطها بفيبرون وبقية كونتات الفرسان في جبال ريدجتيل."
كانت كلمات أمها فحيحا حادا، لكن الخوف كان حاضرا فيها أيضا.
قالت: "أيها الزوج الأحمق، ماذا ظننت أنه يحدث؟ ماذا سيحدث إن دعت جويل إلى الحرب بعد أن ترث؟"
تصاعد خوف أبيها بسرعة، وانتقل فجأة من قلق طفيف إلى توتر خطر وشيك. أما أمها فواصلت الكلام، وإن كانت نبرتها تخفت. وكانت رائحتها تفصح عن القلق الذي راحت كلماتها نفسها تثيره.
قالت: "إذا دعا التنين اللامع فيزنوفي، الصديق الشريف لكل أراضي وتلال ريدجتيل، إلى الحرب، فسيتبعونه بالطبع."
التفت أبوها إلى جويل، كأنه يراها للمرة الأولى في حياته. والتفتت أمها إليها من جديد بعينين متعبتين جدا. واصلت الكلام، لكن صوتها صار خافتا إلى حد بعيد.
"إذا أعلنت شخصية مثالية كهذه الحرب على الملك الأعلى بحجة أنه جائر، فسيتدفقون إليها."
كادت كلماتها التالية تكون همسا.
"وستمزق الحرب المملكة نصفين."
لم تستطع جويل منع نفسها من الارتجاف عند هذه الفكرة. المملكة بأسرها في حرب؟ لكن إن كان الملك الأعلى جائرا. أفلا يكون ذلك صوابا؟ ومع ذلك، كل أولئك الجنود. كل تلك الأرواح التي ستضيع.