⟦1꒱ ثلاثة فاصل ثلاثة. وقفت مارتا صلبة القوام، وإن استندت إلى إينار مراراً. لكنها لم تكن لترتضي الجبن. فقد تحقّق أبوها من قدرتها على المهمّة. وألحّ عليها أن تكون واثقة. وأتاح لها كلَّ فرصة لتجنب المجيء إلى هنا. إلى المكان الذي سرق ما يقارب ثلاثة أعوام من عمرها. وكلّف مارتا خطبتها الأولى. لا عيب في إينار. لكنَّ ظنَّهم بموتها أسقط التحالف الذي كان مضموناً بزيجتهما. مع ذلك ظلَّ زوجاً صالحاً.
باروناً في أرفا. أقلّ وجاهة للعائلة، غيرَ أنَّ توثيق عرى الروابط مع التابعين لم يكن أمراً يُستهان به. وكان لطيفاً معها، عوناً لها منذ زواجهما. يُصغي حين تحدثه عن محنتها. ويُشاطرها خبرته الخاصة مع رعب العتمة وغياهب السجن. فحربهم الأخيرة مع مملكة مارغارسكا لم تكن شفوقة بزوجها حين أُسر في المعركة. لكنْ مثلما لم يدع سجنه وعذابه يصرفانه عن خدمة السلاح الشريفة كفارس وسيّد، لم تكن مارتا لتدع رعبها يتحكم بها هنا.
لقد قال أبوها إنَّ إحضار العائلة بأسرها سيترك أثراً أشدّ وقعاً. وإنَّ هداية مارتا لهم نحو غرف أسرها قد تُجدبي نفعاً؟ وإنَّ إرشادهم إلى مخزن تلك المرأة الملعونة من شأنه أن يُعين؟ وإنَّ حضورها قد يقدّم العون إن عجز الملك العالي نفسه عن حسم الأمر هنا؟ وإنها قد تكون الأداة التي تنزل العدالة بالملعونة إليزابيث باتوري؟ لن يردّها خوف أو رعب عن جلب ثأرها المستحقّ من تلك المرأة.
لكنَّ ذلك الثأر بدا كأنه لن يأتي حقاً.
"بالطبع يا سيّدي، يسرّني أن أرافقك لتطّرف في طريقة اختياري لإنفاذ العدالة بقطّاع الطرق في أراضيي. من هنا أرجوك".
وبكلّ بساطة، كانوا يمشون رفقة الكونتيسة باتوري، ومعها ساحرها المزعج وحارسان رفضا النظر إلى غير أمامهم مباشرة. كان كلام المرأة حلواً وابتسامتها ساطعة، لكنَّ كلَّ كلمة بدت كجلدات السوط على جلد مارتا. وتردّدت أصداء طريقهم في عقلها، لتنهض وتندمج بكوابيس ما زالت تستيقظ منها صارخة حتى اليوم، بعد سنوات طوال. كانت قدماها تعرفان هذه الدرجات، مع أنَّ حذاءيها كَتَمتا ملمس الحجر العاري تحت أصابع قدميها الذي طالما رأته في الأحلام.
وكانت تعرف هذا الممرّ، رغم أنها تجتازه الآن بخطوتها الطبيعية. كانت مارتا تعرف هذه الدرابزين التي هبطوها ثمّ... القاعة. همسات العتمة الجائعة المروعة في ذلك الممرّ. في أحلامها المرعبة التي لا تنتهي، كانت تمشي مطرقّة البصر عبر هذه القاعة. وأسوأ ما فيها حين لا تكون عابرة لها. بل حين تُقتاد إلى زنزانتها في تلك الظلمة، وحين يفتح المعدن الصرير وتُساق إلى السواد، فأنفاسها مذعورة وحادة، وأسنانها تصطكّ، وجوع أبدي مرعب ينفلت أخيراً من الداخل ليتجرّع الهواء كما يشرب الهالك عطشاً الماء.
تشدّ يد إينار على كتفها بقوة، فتعود عيناها للإبصار، ويعود لها نفسها إيقاع أنفاسها، فتُبطئ الزفرات المتصاعدة. غيرَ أنَّ شيئاً لا يُهدّئ قلبها الخافق. ليس هذا بالحلم، فهي هنا مع أبيها، ومع زوجها، ومع الملك العالي وحرّاسه. إنهم بأمان، والشموع في أيدِي حُجّاب الكونتيسة لا الأسلحة. وضوءها الساطع يخترق العتمة التي لم يسبق لها أن رأت لها قراراً. ليكشف أخيرًا عما ملأت به كوابيسها استحضاراتٌ لا تنتهي من الرعب.
وبدا الأمر محبطاً وأسوأ في الوقت عينه لمدى عداوه وبساطته. كنّ نساءً، فتيات بطولهنّ لبعضهنّ، لكنّ بالكاد يختلفن عن مارتا نفسها. يرتدين الثياب الرثة المألوفة التي ما زالت تشعر بوقعها على جلدها في بعض الليالي. وجوههنّ غائرة نحيلة، وبشرتهنَّ تبدو مفارقة للعادة بين الشباب والشيخوخة. أعينهنّ مخبوءة بغالبيتها في محاجرها لكنها تتألق في ضوء الشموع. وشعورهنّ مجرّدة جمعاء من كلّ لون، باهتة لبعضهنّ، وخصيلات عديدة بيضاء بشكل صادم.
والرجل، الساحر، الذي بدا شعره بطريقة ما أسود وفي الوقت نفسه أملس وأحمر رطباً، تكلم. كان يُلقي محاضرة كاتب حسابات في نهاية يوم عمله. نبرته مألوفة وواثقة، وكأنه يعلّق على أقلّ الحبوب تفلهاً أو يصف سبب عدم توفر مخزون أملتَ وجدانه.
"كان بوسعكم استجوابنا في هذا الأمر متى شئتم، أيها الملك العالي، بلا شائعات باطلة، ولا كلمات ساحرات تُبثّ. وفي حين لسنا شديدي الانفتاح على المواطنين וחماقاتهم الرعناء بحق النبلاء الحقيقيين، فالكونتيسة ليس لديها ما تخفيه".
نظر أبوها إلى النساء المقيدات بالسلاسل، اللواتي رمقنهنّ بنظرة لا تشبه عيون الموتى تماماً. كانت نظرات مترقّبة، غير مفكرة، لا تشبه نظرة رجل أو امرأة إليك. لكنَّ شيئاً ما كان يتبعهنّ من خلف تلك العيون. سكن الجوع اللاهث حين أشرق الضوء عليهنّ. صمت. استغرقت مارتا وقتاً لتُدرك أنَّ أيّاً من النساء خلف القضبان لم يكنَّ يتنفسن الآن. كنّ واقفات بثبات تام، مقيدات بالسلاسل إلى الجدران عند الكاحل والمعصم كل واحدة منهنّ.
ينتظرن. مقيدات بحلقات حديدية ثقيلة وقصيرة للغاية، وما كلفة المعدن وحده بأمر هيّن في حبسهنّ، فلا بدّ أنهنّ كنَّ يتجاوزن المئات من النساء الهزيلات على كل جانب.
وأخيراً تكلّم أبوها: "تلك سلاسل ثقيلة للغاية لإمساك نساء واهنات وناحلات إلى هذا الحد".
تنهد الساحر والتفت إلى أحد حُجّاب الكونتيسة: "اقترب من القضبان".
تجمّد الرجل بأمره ولحظت مارتا أخيراً شعراً غير الانضباط المهنيّ المصطنع في عينيه. لقد كان رعباً مفاجئاً، خوفاً من الاقتراب أكثر، وأدركت مارتا أنَّ الحارسين معاً، على الرغم من وقفة الشجاعة المهنية تلك، لم يكونا ضمن ما كان ليكون في متناول يدها هي من القضبان على الجانبين. اكتفت الكونتيسة بابتسامة عريضة أمام هذا التردّد.
لكنَّ الساحر تنهد وأمر الحارس: "امشِ إلى داخل تلك الزنزانة وـ"
رفعت الكونتيسة يدها فسكت الساحر تماماً كما لو أنها سدت فاهه. وكان الحارسان قد تحركا بالفعل بنفضات استجابة ثم سكنا تماماً، غيرَ أنَّ عينيهِ تقلّبتا في رعب استطاعت مارتا تقديره والتعاطف معه تماماً.
"لن يكون ذلك ضرورياً يا ياكسا. حقاً، أستُهلك حارساً صالحاً ووفياً من داري لمجرد استعراض؟"
شعرت مارتا بضغط ينزاح عن قلبها لم تكن لتعي وجوده من الأساس. أكانت مخطئة طوال هذا الوقت بشأن الكونتيسة؟ أكان الشرير الحقيقي هو الساحر طوال الوقت؟ ساحراً مسخاً قد انفلت جزئياً من رسنه؟
"لا، أرسل أحد اللصوص من المخزن يا ياكسا. واحداً طاعناً. فمثل أولئك لا نفع يرجى منهم لي أو لك".
وتبدّدت كلّ أفكار كهذه من رأس مارتا. جاء حفيف أجشّ من الطرف الآخر للممرّ. قبضت على يد إينار بقوة وعجزت عن وقف ارتعاشها. خرجت عجوز خشنة لا تسرّ الناظرين من العتمة. تحركت كجندي، بوقفة رجل على نحو عرفت مارتا أنه سيبدو مؤلماً فظيعاً في الوركين والركبتين لأنها عانت الأمر ذاته من جسدها. استحال تقدير عمرها، فجلدها مترهل ومحطم. لكنْ أكان ذلك بسحر الساحر المرعب أم بمرور الوقت والعمر البسيط، فلم تستطع مارتا الجزم.
انفتح قفل الزنزانة المجاورة بلا لمسة يد. مشت العجوز مستقيمة الظهر على نحو غير طبيعي لعمرها الظاهري بخطوات واثقة إلى الغرفة. أُغلقت الزنزانة وأُحكم قفلها بصوت ثقيل. وتسمّرت كلّ وجه بلا تنفس مظلل في مؤخرة تلك الزنزانة على العجوز، والتفتت الرؤوس بتناغم. العيون التي ظنتها مارتا تومض فقط في ضوء الشموع راحت تتألق الآن. تتوهج كعين هرّة علقت في شعلة مشعل. وضاعت ألوانها الطبيعية تماماً لشدة اتساع السواد.
ولم يَبقَ غير البريق يومض من الداخل. وفي صخب مروع مصطكّ، تصاعد الصوت من تلك الكائنات في الزنزانة التي بدت شبيهة بالنساء فقط. فالشهيق والزفير الحادّان جعلا صدورهما وأكتافهما تنبض وتثب بوتيرة مرعبة. لم يكن تنفساً، بل أسرع بكثير من أن يصلهنّ الهواء قط، ولو كنَّ نساءً لأغمي عليهنَّ من تلك السرعة. ورغم ذلك كانت أضلاعهنّ تبرز في حدة مروعة حتى تحت ثيابهنّ. تنبض بوتيرة أقرب لقلب مارتا من نفسها.
تخفق. والأسنان. انطبقت أسنانهنّ بحِدّة وكانت كلها مستوية ومثالية. أرادت مارتا لها أن تكون حادة، مرعبة ووحشية لكنها كانت ناطقة، صحية، ونقيّة. وأكثر مدنية بكثير. تماماً كابتسامة الكونتيسة نفسها. أثار اضطراب إحدى الزنزانات أيّ سبات كان قد استبدّ بالأخريات وسرعان ما امتلأ الممرّ بأسره بهدير مصطكّ هامس حقيقي. ولو كان واحداً من تلك الأشياء التي تخيلتها مارتا لما بالكاد سُمع في زحام.
لكن مئة؟ أو ربما مئتا حنجرة تمتص الهواء بأقصى سرعة ممكنة؟ وآلاف الأسنان تصطك ببعضها في فكوك قابضة؟ تصطك كأنّ برداً قارساً قد داهمهنّ. وقفت العجوز ساكنة ونائمة وعيناها مفتوحتان، ترمش مرات أقلّ من اللازم في وجه الأهوال. أقسم الملك العالي بنجومه الشفيعة. حاولت مارتا بأدب أن تجد ما تُرخّز عليه بصرها لكيلا تتذكرها. غيرَ ألا شيء يُذكر أرادت أن تحفره في ذاكرتها بدلاً من الملوك السرية التي تحرس الملك.
أن تلتفت لأي شيء عدا ما تراه. ستنبتعد بوجهها عن تلك الأشياء، لكنَّ رؤية الوجوه الهزيلة المرعبة بعيني الهرّة المتألقة والشعر البهت كانت أفضل بطريقة ما من الرؤى المرعبة لكوابيسها التي كانت تنهض حين تجرؤ على الالتفات أو حتى الرمش. وبعدها انفتحت القيود دفعة واحدة على أحد تلك الأشياء في الزنزانة. لم تأتِ مارتا فرصة لتلتقط أنفاسها أو تغمض عينيها. أولاً كان الكيان ملتصقاً بالجدار.
ثم كان هو وكل البقيّة في حراك. لكنّ واحداً فقط لم يُكبح اندفاعه بالحديد الصلب. ملأ رأسها هدير المعدن المصطكّ وصوت الأحجار المجهدة التي استُخدمت لتثبيتهما. لكان خيراً لو أنَّ العجوز التي أمامها شُطرت بنصل، قُطعت نظيفة، أو ببساطة تلاشت عجيناً تحت العنف الذي حلّ بها. أيّ شيء كان سيكون أفضل. بل إنَّ القوة الغاشمة والأسنان الكليلة البشرية أكثر من اللازم، راحت تجذب، وتشدّ، وتمزّق، وتقرض بقوة مرعبة، وشراسة غير بشرية لكنها ليست قوة طاغية كلّ التجلي.
كانت العظام بطيئة في الانكسار أو حتى التصدع، والجلد تمدّد في مواضع كثيرة قبل أن يمزق. تدفق الدم لفترة وجيزة في رشقة مزهرة من القرمزي. لكنه لم يبلغ ما وراء القضبان. ولم يمتد تماماً للمسافة التي رأتْها عينا مارتا في قوسه. كلا بل سُحب إلى الداخل فجأة بقدر ما رُمي خارجاً من جثة العجوز الآن.
سُحب إلى الداخل ليغدو رطباً وغرغريراً حين تحول التنفّس الناعم شبه الصامت فجأة إلى شגי ثقيل وشبه خانق إذ «تنفّس»
الكيان الواقف أمامهم الدمَ في زفرات متشنجة يائسة. كلا، ليس تنفساً فحسب، بل جَذَب الدم وامتصه إلى داخله عبر كل شبر استطاع بلوغه. ارتعش الجلد ونبض، وتورد بوضوح إذ شربت المسامّ ما وجدته من دم وضخته في الأوعية والجلد. عيون واسعة وحواجب تتمطى كحلق يحاول الابتلاع، تدفقت أنهار قرمزيّة في المحاجر ثم اختفت في زوايا تلك العيون الواسعة الاتساع أو تسربت تحت الجفون. تمددت الآذان ومنخر النظم وانقبضا لامتصاص ما تاقت إليه.
كان كل شيء في الكيان الماثل أمامهم يتخمة بالدم. يجره إلى داخله بكل السبل. وبكل الوسائل. لم يتكلم أحد بينما استمر الأمر. لم تجرؤ مارتا على الالتفات بعيداً عن المشهد، لشعورها بأنها مجبرة على شهود الفعل. بدا الأمر وكأنه ساعات. ثم كأنه شبع أخيراً، تاركاً ما كان عجوزاً يوماً هياكل جافاً ممزقاً جلدياً، التفت الكيان في الزنزانة بنظراته إليهم، وما زالت عيناه تتألقان بضوء الساحرة المرعب لعين هرّ.
لكنه لم يعد يبدو شبه جائع. الشفاه والوجه أكثر امتلاء، والوجنتان أصحّ. وعادت العضلة والنبرة جزئياً وإن بقيت علامات اللحم الغائر الجائع. بل وعاد بعض اللون للشعر. أحمر باهت حيث كان أبيض كالعظم من قبل. لكنَّ الوجه خلا من أي أثر للحياة. سوى ذلك الجوع اليأس عاري الملامح ذاته. وما بدا من تعبير أشبه بكلب جائع لا امرأة. والحلق ظل جافاً بشكل مرعب إذ انطلق الصوت. كأنه همس بالكاد.
"مْهووااار"
التفتت الكونتيسة إلى ماثياس وأبي مارتا. مبتسمة كأنه لم يحدث شيء يُذكر.
"إذن، أيعجبك ذلك الاستعراض يا سيّدي؟ أم أترغب في تفقد مخزوني بحثاً عن أيّ بنات نبلاء شاردات أخريات؟"
كان الكيان في الزنزانة يجهد، ويصارع نفسه، يتمطى ويتلوى محاولاً التحرك نحو القضبان حتى وإن فرضت عليه أطرافه مسيرة خلفية محرجة نحو الجدار. عودة إلى سلاسله. هزّ الملك العالي رأسه. وكأنما بأمر واحد استداروا وشرعوا يغادرون مكان كوابيس مارتا وراءهم.
لكنها ما زالت تسمع التوسل الضعيف الشاكي لصوت الكيان الذي سمحوا له «بالتغذي»
على العجوز.
"مْهووار؟"
استطاعت مارتا سماع تقييده في مكانه مجدداً مع الأنفاس اليائسة المصطفة وأسنان أخواته في القيود المصطكة. لكنّ الحنجرة الوحيدة التي أطلقت صوتاً للجوع الذي استطاعت مارتا سماعه في كل شهيق وزفير كانت تلك.
"ممْمْهووااارْ!"
كانت مارتا ترتجف لكنها لم تعبأ. استطاعت شعور يدي إينار ترتجفان في يديها بدوره على الرغم من بسالته فرعاً وسيّداً وفارساً. همست كلماته برفق في شعرها وهو يضمّها إليه.
"لن نعود أبداً إلى هذا المكان".
عرفت مارتا أن الأمر جبن لكنها لم تكتراث. اكتفت بالإيماء والتشبث بزوجها. كادت الطمأنينة التي جلبها لها كلامها تغشى عليها إغماءة. لكنْ حتى مع وجود القاعة والدرج والأبواب الثقيلة والحجارة الأثقل بينهم، ظلت مارتا تسمع ذلك الصوت المرعب في عقلها. الكيان الذي يطارد أحلامها ويقظتها بصرخات مذعورة متوسلة، متضرعة، صارخة بصوت واهٍ لما تاقت إليه.
"المزيييد!"
المصير الذي كادت تفلّت منه بأعجوبة لنفسها. الجوع الذي أحست بأقلّ وميض منه في قلبها. الذي لن يكفّ قط عن الرغبة. في المزيد.