2.3 راقبت تسولوغوثولان الطفلة بطرفات بطيئة ومتأنية، وباهتمام شديد. جعل حجم عين الغريبة المستنقعية من السهل تتبع الموضع الذي تستقر فيه نظرات صديقتها. كانت عينها تجري صعودا وهبوطا على الجسد في جولة سريعة. ثم تستقر ببطء عند ملامح مختلفة. كانت جويل ترى من خلال كلتا مجموعتي العينين، فتلتقي أمامها هيئة صديقتها الضبابية غير الواضحة التي ألفتها. كان خطمها الأصغر أقصر، قياسا، من خطم جويل الأصلي.
لكنه ظل أطول مما ينبغي بكثير بالنسبة إلى إنسان. كان الفم والأنف يندمجان معا كما عند جويل. فأضفيا على رأس الرضيعة شكلا جانبيا ممدودا قليلا، يكاد يشبه رأس كلب. كانت الأذنان شبيهتين بأذني جويل إلى حد كبير، في منزلة غامضة بين أذني حصان وذئب. وكانت القرنان في الموضع نفسه من رأس جويل، لكنهما لم تكونا إلا نتوءين صغيرين، بدلا من قرنيها الطويلين الحادين. وكانت اللبدة أعرض فوق الرأس من لبدة جويل.
أما الشعر فكان خفيفا، غير أن موضع الخصل الداكنة التي ستملأه لاحقا كان واضحا، فتمنح الرأس امتلاءه، بينما كانت لبدة جويل أشبه بلبدة حصان تنبت في حافة ضيقة ممتدة على طول ظهرها. وكانت اليدان تكادان تطابقان يدي رجل، لولا مخالب جويل التي حلت محل الأظفار، ولولا افتقاد كل منهما أصغر أصابعها. ولم يكن الذيل طويلا إلا بالقدر الذي يبلغه الركبتين إذا استرخى مستقيما. لكنه كان كثيرا ما يلتوي مع مزاج جويل.
وكانت الحراشف مطابقة تماما لحراشف جويل حين فقست حديثا. أدق من حبوب القمح، وأكبر من حبات الرمل. وكان لونها أفتح في الجهة الأمامية، وفي راحتي اليدين والقدمين وأطراف الأصابع وتحت الذراعين وعلى امتداد الجانب الداخلي للفخذين. أما الظهر فكان أغمق، حيث تنبت لبدة جويل على طول عمودها الفقري الأكبر، غير أن هذا الظهر الأصغر كان عاريا عدا تناثر حراشف داكنة فوق الكتفين، تكاد تتخذ شكل جناحين.
بعد أن فرغت من فحصها، أخرجت تسولوغوثولان إصبعا واحدا من عباءتها وحركته. راقبت جويل الإصبع بكلتا مجموعتي عينيها، مع أنه لم يكن بالنسبة إلى عينيها الأصغر من ذلك إلا لطخة يصعب تمييزها. مجرد غبش أسود مبهم في ضباب غرفة نومها غير الواضح، وبين خيوط ضوء العصر المتلاشي المتسربة من النافذة.
قالت: "حسنا، تبدو لي سليمة. يصعب الجزم، لكنها تبدو طفلة بشرية في معظمها."
حدقت جويل في صديقتها.
قالت: "إنها مغطاة بالحراشف."
هزت تسولوغوثولان كتفيها هزا مبالغا فيه، وقابلت التعبير المرتاب الذي استقر على وجه جويل الأصغر بطرفة هادئة من عينها الوحيدة.
قالت جويل: "ولها قرنان."
وأخيرا أدارت الغريبة وجهها، الذي لا ملامح له إلا هيئة فأس، نحو جويل، ثم أمالته إلى جانب، حتى استقرت العين الهائلة، التي يضاهي حجمها حجم قبضة أبيها، على جويل بنظرة تنطوي على الحكم. وكانت خصلات الشعر الأسود الخيطية تؤطر قطعة اللحم الشاحبة المعقوفة التي تمثل الأنف، فأشبهت كروم نبات متسلق أشعث تتشبث بشجرة، لا شعرا من أي نوع. أما حافة القبعة العريضة، التي تكاد تكون لحمية، وقمتها المدببة، فكانتا ترتجفان في خفاء بملمس أشياء متحركة وتيارات قذرة سابحة.
حاولت جويل للمرة الأخيرة، بصوت واهن، أن تواجه ذلك الحكم الصامت.
قالت: "لها ذيل."
أدارت الغريبة ظهرها إلى جويل، والتوت في لولب محكم بدا واضحا أنه يعصر جذع جسدها. وفجأة انصفق ذيل طويل مكسو بالحراشف، تعلو ظهره حافتان، خارجا من خيوط اللحم السوداء العكرة لعباءة الساحرة. وكانت صفائح مربعة شاحبة وأشواك مثلثة، بلون أنفها الفأسي تقريبا. ثم عادت العين الأرجوانية لتستقر على جويل، مصحوبة بإمالة وانطباع حاجب مرفوع، مع أن جويل لم تر صديقتها تفعل ذلك قط طوال السنوات التي قضتها معها.
قالت: "يمكنني أن يكون لي واحد من هذه أيضا إن شئت. لا يكاد الأمر يستحق الذكر."
ثم انزلق الذيل المذكور عائدا إلى العباءة، وتعالى صوت خافت، كصوت شيء رطب نابض يتمزق، حين انحل الالتواء العاصر ثم أعاد جسد الغريبة نسج نفسه في ملامحه البشرية المبهَمة المعتادة، التي كانت تحافظ عليها حين تكون "لائقة"
أمام أبي جويل أو ضيوفه. تلطف صوتها بمزحة ودودة.
قالت: "لكن بجدية أكبر يا جويل، هذه ليست أغرب هيئة رأيت الرجال الفانين يولدون بها، حتى منذ لحظة ولادتهم. حين يتعلق الأمر بأعمال السحر أو بأفعال سماوية تبعثها النجوم، فهذه ليست شديدة الغرابة حتى. إنها طفلة طبيعية تماما، إذا أخذنا كل شيء في الحسبان."
حدقت جويل فيها قليلا. فعادت صديقتها إلى النظر في الطفلة، ومدت يدا تحرك أصابعها أمام وجهها، وكان المشهد مبهرا إلى حد ما بالنسبة إلى بصر جويل الضعيف. كانت الأصابع تظهر وتختفي مع حركتها السريعة، تدخل نطاق التركيز وتخرج منه. فتجبرها على التحديق فيها رغم نفسها. كان الأمر أشبه بعمل سحري قائم بذاته، لا لشيء إلا لسوء بصرها وسرعة الأصابع.
قالت تسولوغوثولان: "وعندما يتعلق الأمر بنسل الديدان؟ لا أريد أن أزعج حساسيتك يا جويل، لكن رجالا ونساء من ذوي الأذواق الغريبة نجحوا أحيانا في إنجاب..."
انتشرت جناحا جويل، وارتفع كل من حلقها وحلق الطفلة المحتملة. أطلق أحدهما سخطا نصف مفهوم، بينما أخذ الآخر يبكي ويطلق أصواتا متموجة، مشوهة الكلام، تشبه طيور الماء وهي تغرق في الوحل.
صاحت: "لا! لا! لا! لا! لا أحتاج إلى سماع شيء عن هذا الفجور يا تسولوغوثولان!"
رمشت الغريبة في حيرة ونظرت إليها.
قالت: "جويل، يمكنك حرفيا أن تسمعي والديك كل ليلة حين يفعلان ذلك. لقد استطعت أن تعرفي متى حملت أمك بأختك!"
كانت جناحا جويل ممدودين إلى أقصى حد في غرفة نومها، حتى لامس الغشاء السقف والجدران. ولوى عنقها إلى الخلف أقصى ما استطاعت، فلامست قرناها قوس الحجارة فوقها. وكانت قائمتيها الأماميتان قد غادرتا منذ زمن أرضية غرفة نومها المبطنة. لكن الجسد الأصغر، في المقابل، كان يشعر باندفاع غاضب للدم في داخله، ولا سيما في وجهه وأذنيه. ارتفع صوت جويل إلى طبقة أعلى وأشد مما أرادت. ولعل عدة أشخاص صاروا يسمعونها الآن.
وكان صوت ذاتها الأصغر يتمتم أسفل الكلمات الأعلى الصادرة عن حلقها الضخم.
قالت: "ه-هذا مختلف! أمي وأبي متزوجان زواجا شرعيا! لا يكون الأمر فجورا إذا كانا متزوجين!"
فألجم ذلك الغريبة عدة لحظات طويلة. ثم جاءت الطرفات البطيئة المتراخية التي فهمت جويل أنها تعني أن صديقتها تمعن التفكير في أمر بالغ التعقيد بالنسبة إليها. ولم تكن جويل ترى دائما أن الأمر يستحق كل ذلك العناء. أتاح لها هذا الوقت أن تهدئ أنفاسها المصدومة، وأن ترخي جناحيها بصعوبة، وأن تفك التوتر المشدود في عنقها، وأن تنتزع طرفي قرنيها بحذر من ملاط قبو السقف. لا بأس. كانت تسولوغوثولان، أو السحرة عموما، يتصرفون بغرابة أحيانا إزاء أمور معقولة وواضحة.
وقد أتاح ذلك لجويل أن تستعيد شيئا من سيطرتها ورباطة جأشها في جسديها معا. لكنها لم تكن تعرف ماذا تفعل إزاء الدم المتدفق في الوجه الأصغر. ولم تنجح جويل بعد في شرح السبب الذي يجعل الخبز الطازج المخبوز لا يجوز له أن يكون مقرمشا ودافئا ومورقا ومبتلا ومتدليا في الوقت نفسه. استمر هذا الالتباس الوامض بضع تمريرات رطبة أخرى لجفن ثقيل فوق عين ضخمة أكثر مما ينبغي. لكن الكلمات تحررت أخيرا من الغريبة، بنبرة حائرة ومستنكرة لم تسمع جويل صديقتها تتحدث بها من قبل.
أطبق جفنها حتى صار شقا، وانكمشت بؤبؤ عينها إلى نقطة دقيقة، كأن جويل شروق متوهج بأي معنى من المعاني.
قالت: "جويل، ألا يزعجك... ألا يزعجك أن يضطجع رجل مع غريفون إذا كانا متزوجين زواجا شرعيا؟"
وجاء دور جويل لتحدق في صديقتها بالقدر نفسه من الاستنكار. يا له من سؤال سخيف وغريب إلى أقصى حد. وهو، على ما خمنت، سؤال يليق بصديقتها.
قالت: "بالطبع لا! على افتراض أن الأمر تم كما ينبغي، وأن والديهما وافقا عليه. لماذا قد يزعجني؟"
فطرفَت صديقتها ببطء شديد مرة أخرى، ثم أدارت وجهها بعيدا.
قالت: "طفلتك بخير، سيدتي جويل."
ثم اختفت الغريبة في صوت لزج، على نحو أكثر مفاجأة من أي مرة رأتها جويل فيها تفعل ذلك. وكان ذلك وقاحة بالغة منها.