12.6. أرادت مارتا لفائف حلوة لا غير. ولم ترغب في أن يفتش لها أحد الخدم عنها، ولا في أن تأمر طاهياً يصنعها. أرادت الخروج فحسب، وإخراج بعض القطع الفضة من صرة نقودها. والجلوس في زاوية. وتناول لفيفة حلوة. هذا كل ما أرادته. لكن شيئاً ما سار على نحو مروع. كان هناك حراس، وكان هناك حبال، وأُقوال قيلت في حقها؟ لم تتذكر بوضوح. كان من الصعب تذكر أي شيء. ثم غرقت في النوم. ثم شرعت مارتا في الاستيقاظ.
كانت تستيقظ دوماً. وتخرج دائماً من سبات ثقيل. وتشعر دائماً بالضعف والاضطراب. لقد كانت للتو... شيئاً ما. كان طعم حلو يملأ فمها، كثيفاً ولزجاً حتى إنها تاقت إلى ماء نقي تغسله به. بدا حلقها مجروحاً بطريقة ما، ولكنه لم يكن كذلك تماماً. بل خشناً. كأنها على وشك الاختناق لكنها نسيت كيف تفعل ذلك أيضاً. حاولت ابتلاع لعابها بصوة قوية، فشعرت بالأشياء تتحرك وتتخلخل في الداخل، وذاب بعض من تلك الحلاوة الشبيهة بالقطر الرهيب في لعابها.
بدا أسنانها كأنها مغطاة بالصوف. تصدعت عيناها بصوت مسموع وهي تفتحهما، ثم أُغلقت بالقدر نفسه من القوة دون إرادة منها. كان الضوء ساطعاً. ساطعاً أكثر من اللازم. شعرت بأصابعها تتحرك، ويديها تنقبضان، وذراعيها تنثنيان. وكل ذلك دون إذنها. شعرت بالحيرة والارتباك. ماذا حدث لها؟ انحنى ظهرها بشكل غير طبيعي وغريب، ولم تكن هذه هي طريقتها المعتادة في الوقوف أو الانحناء أو النهوض في الصباح.
ثم فتحت عيناها مجددة، ورغم أن الضوء أحرقها، إلا أنها لم تضيق عينيهما ولم تغلقهما رغم محاولتها. لكن الإرادة لتحريك أي شيء بدت وكأنها تغرق في مستنقع. وكأن كل جزء منها اضطر للتحرك عبر أغطية سميكة. كان هناك صوت، لكنه بدا مكتوماً مثل جفونيها. انقبض شيء في فكها وطرقعت أذناها. بلعت مارتا لعابها بصعوبة. تكرر الصوت قادماً من كتلة غير واضحة المعالم أمامها.
"مارتا؟ مارتا ثورزو؟"
نطق الصوت الصادر من تلك الكتلة باسمها، فطرفَت مارتا بعينيها بإرادتها. كان ذلك صوت غريب، صوتاً جنوبياً. أمن فيزنوف ربما أم من زيكهيدج؟ كانت لا تزال تتعلم طريقة كلام جيرانها. استعداداً لرحلتها؟ كانت متأكدة تماماً أنها كانت تقوم برحلة، وكانت هناك استعدادات. تشقق صوت مارتا وهي تحاول التكلم، فانفلت شيء في الداخل فاجأها وأطلق نوبة من السعال والاختناق.
استقرت يد فجأة على رققتها بينما كانت تسعل وتزيح حول وفرة متفتتة من "أشياء"
في حلقها ظلت تنفلت وتدغدغها لتسعل بقوة أكبر.
ومن ثم امتلأت رقبتها بالحرارة والتدفق، فعصرتها مغلقة ثم "تصلبت"
رغماً عنها و"ضغطت"
صعوداً نحو فكها. كان الأمر أشبه بتعرضها لوعكة، ورغم ذلك لم يكن كذلك قط، إذ امتلأ فمها بقطع رقائقية رهيبة بينما عصرها لحمها المتورم من الأسفل، ثم امتدت فجأة كأس باردة نحو شفتيها.
"املأ فمك، لا تبلع. حرك الماء حوله ثم ابصق إلى جانبك".
لم تكن مارتا قادرة على الابتلاع حتى لو أرادت، فقد بدا حلقها ممتلئاً حتى الانفجار وساخناً كالحمى! بالكاد استطاعت التنفس من شدة تورم حلقها. ورغم أنها كانت تنفذ ما يأمرها به الصوت في الغالب، إلا أنه بدا وكأن نصف جسدها فقط يتحرك تلبية للأمر لا رغبة منها حقاً. مضغت الماء المبارك في فمها، وأدارت رأسها. بصقت. ومع غسل كل تلك البشاعة التي صعدت في حلقها وتطهير الحلاوة اللزجة الرهيبة، بدا فمها منعشاً كنسيم الجبل.
اختفى التورم في حلقها فجأة بالقدر نفسه الذي ظهر به. تحدث الشكل الذي عجزت عن تركيز نظرها عليه ولم تتعرف سوى على ظلاله وتلميحات كتلة شاحبة قد تكون وجهاً مرة أخرى.
"أنتِ مارتا ثورزو من أرفا؟ ابنة الكونت ثورزو من أرفا؟"
أومأت برأسها وحاولت التكلم مجدداً، فخرج صوتها أشبه بصوت غراب.
"نِ-عم؟"
لماذا كان الكلام شاقاً إلى هذا الحد؟ ثم شرعت فجأة في الجلوس دون إذنها، وبعر صوتها كثغاء حمل نصف ميت بينما تحركت ساقاها دون رغبة منها لتنهضاها ثم أدارتاها كجندي.
"جيد، كان أبوك قلقاً عليك جداً. ستتبعني".
جعلها التغيير المفاجئ في الارتفاع تشعر بدوار عابر قبل أن يعقب ذلك دوي في أذنيها وفجأة لم تعد كذلك. لم تترنح حتى على قدميها، لكن وركيها التوايا بشكل مزعج أثناء محاولتهما دفعها للمشي. ونصف عمياء كما كانت، بالكاد استطاعت تنسيق حركتها لكنها حاولت المشي بخطوات أقل صلابة، فخفف هذا الجهد من وطأة خطواتها. وتقديراً لمحاولتها، شعرت مارتا بالسرعة تسري فيها، وصارت الخطوات تخصها.
رغم أنهما ظلتا تلوّيان كاحليها بدقة لتوجيهها عبر الارتباك الضبابي للعالم. وقعت أصابع قدميها أولاً على سجادة دافئة ثم على حجر بارد. تجاوزا تغيراً في الهواء، وكان هناك شيء خفيف ورقيق معلق على جسدها. ثم دوت ضربة خلفها. بدت الأمور غريبة. بدأ البصر يتضح عندما طرفت عينيها وركزت ثم طرفت مرة أخرى لتجد نفسها في ممر حجري طويل. بدا وكأنها قبو. لكن على طول الجدران بدلاً من براميل الخين أو المؤن الأخرى كانت هناك محاريب فيها ناس.
لم تدرك مارتا أنهن جميعهن نساء وفطيات إلا بعد تجاوزهن المحراب الخامس. كنّ يرتدين جميعاً قمصان كتان بسيطة غير صبوغة، كتلك التي تلبس للأطفال. وتستلقي كل منهن على طول فراش خشن. كنّ يتحركن قليلاً، ينسجن ويلتويبن. ويحملن أجسادهن كأنهن غير مرتاحات. أو يرقصن على ظهورهن. لكنهن تحركن بتوافق متموج. مثل قصب الغاب الذي يحمله تيار الماء. تحركن ومع ذلك كانت عيونهن مغمضة. تلوين وانفتلن في موجات داخل محاريبهن.
بدا بعضهن أضعف وأهنأ من الأخريات، لكن الجذب الذي اجتاحهن كان لا يزال ملحوظاً حتى في أضعف الالتواءات وأكثرها تعثراً لدى أولئك اللائي بدَين وكأنهن نصف جائعات. مدت مارتا يدها إلى القماش المنسدل عليها لتجد القميص الصوفي غير المصبوغ نفسه. ومع صفاء عينيها حتى في ضوء الشموع الخافت من حولها، استطاعت رؤية يديها، فبدتا غائرتين ومتقدمتين في السن. وكان اللحم شاحباً والجلد متدلياً على مفاصل أصابعها وعروقها كعجوز.
ارتجفت أصابعها وهي ترفعهما إلى وجهها فشعرت بالارتياح لوجود الخدين الممتلئين والمحمرين اللذين لمستهما أصابعها. نظر الرجل ذو الرداء الأسود، فهذا ما كان عليه الرجل أمامها، من فوق كفه وقطب جبينه. لا على نحو يبدو فيه مقيماً لها. بل كأحد الرسامين الذين يرسمون لوحة شخصية ولاحظوا خطأً ما. لم تدرك مارتا أنها توقفت. حمل صوته تلميحاً بالضيق والإحباط لكنه خلو من الغضب.
"هذا لن يفعله".
أشار إليها فتدفقت موجة حرارة صعوداً وهبوطاً في جسدها، وتوهجت في يديها مع دفقة خفيفة جعلتها تنتفض. أطلقت إحدى النساء في المحاريب خلفها شهقة مرتجفة تشبه أنين ألم. ثم استقرت الحرارة ولم يعد هناك سوى صوت الأجساد الملتوية ببطء داخل المحاريب الحجرية. بدا الرجل راضياً، فأومأ برأسه ودار منصرفاً مستأنفاً مسيره. أما مارتا فتبعته، وهي تطيل النظر إلى أصابعها، وقد عادت محمرة وحية تماماً كما تذكرتها قبل الذبول المروع.
بل ولعلها كانت أفضل حالاً؟ التفتت لترمي نظرة أخرى على النساء في محاريبهن على الجانبين، وعلى هيئة لباسهن، واللحم الغائر في أجسادهن. والغبار والأوساخ على جلودهن وقمصانهن. كنّ يتحركن ويتنفسن ورغم ذلك كن نائمات بطريقة ما؟ تذكرت مارتا الاستيقاظ. الاستيقاظ دوماً. لسعات ألم، وبرودة نازفة، وضعف، واضطراب دوار، وخفة بين أذنيها ثم نوم مجدداً. لتعود فتستيقظ على الشيء نفسه. مراراً وتكراراً.
حتى الآن. صرخ صوتها محاولاً قول شيء لكنها عجزت عن إخراج الكلمات. ولم تكن متأكدة حتى مما كانت ستنوله. أسئلة كثيرة ازدحمت في رأسها واختنقت عند زحام لسانها. سار الشكل أمامها، وحين محاولتها إبطاء خطواتها وإيقافها، جذبت ساقا مارتا ووركاها نحو المضي قدماً بشكل مزعج وغير طبيعي وخارج عن إيقاع خطواتها الخاصة. سارعت لتأخذ زمام المبادرة لكي تسير باسترخاء على الأقل. كان هناك صوت همس في الأمام يشبه الريح.
لكنه بدا جائعاً بطريقة ما. انعطفوا في زاوية فخلفوا المحاريب وراءهم. لكنها وجدوا أمامهم قضبان حديدية صلبة وأشياء متخبطة غير مرئية في الظلام على الجانبين. أشياء تتخبط وتهمس وتزيح. حاولت مارتا مجدداً التوقف، فدفعتها كتفاها ووركاها ركبتها وقدماها مجدداً نحو الأمام. وأبقتاها مستمرة. تدفق التنفس الناعم وشبه المذعور من الظلام. أنفاس يائسة وجائعة. كان هناك الكثير من الرياح المهمسة التي تمر عبر الأسنان وتعبر حلوقاً مشدودة ومحتقنة.
حلوق تكاد تهتف بالجوع لا سيما أنها لا تفعل ذلك تماماً. باليأس. بالحاجة. لكنها لا تنفجر أبداً في صوت، ولا تنطق حتى بالتماس الحيوانية. مجرد ريح تمر عبر حلوق تبدو جافة أكثر من اللازم. كان هناك ضجيج آخر يضيف إيقاعاً متقطّعاً. انزلاق لحم على حجر، وقع سلاسل وخشخشة مفاجئة لأسنان تصطك ببعضها. لكن لا شيء غير ذلك. عجزت مارتا عن رؤية السواد خلف تلك القضبان، وكان بإمكانها إما المشي من تلقاء نفسها أو بإرادة أطرافها غير الطبيعية والقوة الغريبة التي تقودها.
استمر الرواق المظلم بقضبانه وأنفاسه اللاهثة والمجهدة والكادت تكون صامتة لفترة أطول مما أرادت له أن يكون على الإطلاق. ولرعبها، شعرت مارتا أنه في حين عجزت عن التوقف، رفضت أطرافها أيضاً السماح لها بالركض متجاوزة إياه. لقد حوصرت عند وتيرة بطيئة ومريحة بينما كانوا يعبرون غرفة تلو الأخرى من تلك الزنزانات السوداء وقضبانها الحديدية السمكة. التلميح الخفيف لسلاسل تتقعقع إحداها بالأخرى.
أصنان تصطك. جلود تتخبط على حجر. انعطفوا أخيراً في زاوية أخرى ليتركوا خلفهم كل ما كان هناك. جعلت الهمس اليائسة والجائعة بطريقة ما جلدها يقشعر كجلد أوزة منتتف رغم دفئها. صعدوا في بيت درج. متجاوزين طابقين في الصعود على الأقل. بدا إحساس الحجر تحت أصابع قدميها مألوفاً بطريقة ما. مثل شيء نصف متذكر في حلم. أخيراً، ظهر أمامهم باب خشبي ثقيل بقفل ثقيل بالقدر نفسه، لكن المزلاج المعدني الصلب انفك من تلقاء نفسه وانفتح الباب دون لمسة من الرجل.
لم يكن هناك حتى توقف في خطوتهما المشتركة. احمرت مارتا خجلاً لاعترافها بأن هذا وحده هو ما جعلها تدرك أخيراً أن السحر كان فاعلاً فيها. لكن حتى ذلك التأنيب العابر للذات ذاب أمام جمال ما كان ماثلًا أمامها. ضوء النهار. ليس شموعاً خافتة، بل شمس حقيقية. ضوء نهار مبارك عبر النوافذ وممر دافئ ومريح بدا مألوفاً لها بشكل موجع. وأناس، أحياء، وأناس يقظون يتحركون وينظرون ويبصرون!
أشخاص آخرون غير هذا الرجل الساحر الغريب! خدم وحجاب وسجاد فاخر بل وحتى منسوجات ومقتنيات شرف معروضة. ممر يليق بالحياة حقاً! وليس قبواً فظيعاً أو زنزانة مرعبة مليئة بأنفاس قصبية خفية تتجاوز أسناناً جائعة! أثناء مشيهم، كان هناك حتى منظر لمياه زرقاء رائعة وكان الضوء شديد الجمال! لقد أحرق عينيها لامتصاصه لكن مارتا ما كانت لتتوقف حتى لو كان يحرقها حتى تحيلها رماداً. وخز جلدها حيث لامسته شعاع شمس.
متوهجاً بخفة. لكنها رحبت بكل فتات منه رغم الحكة الطفيفة التي تورمت تحت أول لمسة للشمس على جلدها. التفتت لتتطلع حولها وترحب فقط برؤية كل من حولها. لكن كان هناك شيء غير مألوف هناك. حافظ الحجاب بعناية على توجيه نظراتهم للأمام مباشرة، ناظرين من خلالها بدلا من النظر إليها. كأنها كانت غير مرئية. ظنت ربما أن سحراً ما جعلها غير مرئية. لكن الخدم امتنعوا عمداً عن النظر إليها بالكامل، فالتفتوا مبتعدين ومضوا بخطوات متثاقلة سريعة عندما عبر مرشدها طريقهم.
كانت مواقفهم مفعمة بالخزي والخوف. حيث رفضوا الاعتراف بوجودها. فزع أولئك الذين ينكمشون هرباً من سيد أو سيدة غاضبين. لكن كل ذلك كان خاطئاً بالنسبة لمارتا. كانت مسرورة، وليست غاضبة. سير الرجل الغريب ذو الرداء الداكن والشعر الأملس دون منح أي منهم أو منها أي التفاتة. ولكن مرة أخرى كانت مارتا عاجزة عن عدم اتباعه. لقد قيدت به تماماً كما لو كانت مربوطة ومقادة بحبل. ماذا كان يحدث؟
أأخطأت في شيء ونسيته؟ أين هي؟ ثم وصلا إلى باب وكغيره كان ينفتح دون لمسة. دخلا هي والرجل مجدداً دون أي تعثر في خطوتهما. قبل أن يتوقفا أخيراً. حتى بدون جمود مفاصلها بفعل السحر، لكانت مارتا تجمدت عند المنظر الماثل أمامها. تجمعت الدموع في عينيها وهي ترى أباها. واقفاً هناك، عالقاً في منتصف خطوة فيما يبدو وكأنه مشي جيئة وذهاباً. استقر ببطء ثم التفت ليواجهها بالكامل. كانت يداه مرفوعتين في المنتصف بين عناق ترحيبي أو لتغطية فمه كأرملة مكلومة.
كانت عيناه تلمعان بللًا. بدا صوت الرجل الساحر ضجراً. وهو ينفذ الخطوة الأخيرة من مهمة مزعجة.
"كما وعدت، أحضرت ابنتك سليمة ومعافاة. أيفي ذلك بشروطك؟"
سمعت مارتا أباها ينطق بالكلمات بأهش وأكثر نبرة إرهاق سمعتها منه طوال حياتها.
"نعم".
ثم عانقتها مارتا في أذرع دافئة.