1.2 تناولتي جويل عصيدة الإفطار. واضطررت في العام الماضي أخيراً إلى طلب قدر كامل يُخصّص لها وحدها. فلم يعد إناء التقديم العادي وجبة مرضية تبدأ بها يومها. وشعرت الأم بتحسن منذ فصل الشتاء. فقد جلب تسولوغوثولان شاي تفوح منه رائحة مرة وأكدا أنه مفيد للنساء الحوامل. ورفضت جويل عرض الساحر المستنقعي بتذوقه. لكنه بدا مفيداً للأم في تخفيف غثيان الصباح الذي كان يعذبها. وكانت رؤية بطن الأم وهو يكتنز وتذوق التغير في رائحتها أمراً مختلفاً نوعاً ما عما تختبره جويل حين تمر بالقرويين أو الوحوش المثقلين بالأطفال.
وبشكل محدد، كان الأمر يشبه تماماً أي امرأة أخرى أو حيوان يثقل بحمل في مثل هذا الوقت من العام. ولا سيما أولئك الذين تزوجوا حديثاً في موسم الحصاد من العام السابق. لكن رؤية ذلك في جسد أمها بالذات؟ وتذوق حياة جديدة تتفتح وتنمو في المرأة التي تربيتها؟ كان الأمر مختلفاً بطريقة ما.
"كيف يسير بناء قصرك في فالاسيك يا ابنتي؟"
ولم تفزع جويل من استغراقها في التفكير بحال حمل أمها. فقد تلقت تدريباً أفضل من ذلك، ولكن رغم هدوء نظرتها ووداعة ابتسامتها وخلو نبرتها تماماً من أي شتات، شعرت التنينة بأنها أُمسكت وهي تُطيل النظر.
"يسير على ما يرام حقاً يا أمي، فرئيس القرية- أهـ- أدو- أه؟"
وزجرها الأب منزلقاً إلى نبرة وعظية.
"الرئيس أدوريان، من المهم أن تعلمي أسماء قومك يا جويل. وخاصة رؤساء القرى."
وتأففت جويل.
"لقد انتهيت للتو من تعلم اسم بورثين قبل أن يهلك."
وكان الظلم بعينه أن يموت رئيس قريتها الأول بعد عامين فقط من شروعها الفعلي في إدارة إقطاعيتها الخاصة.
"جويل، هذا أمر مهم. إنه صوتك في مسائل القانون العرفي، وبه تصبح القرية يديْك للأعمال التي تحتاجين إليها."
وتنهدت التنينة وكبحت جناحيها بصعوبة بالغة من أن تنتفضا، مع أنها علمت أن أبويها قادران على تبين ارتعاش العضلات في كتفيها وقراءة ارتجاف أطراف جناحيها والغشاء الرقيق بينها على حقيقته. وعلى الرغم من حني رأسها قبولاً، كان عنقها متوتراً ومنحنياً بأشد مما ينبغي. ومما زاد الأمر سوءاً أن خجلها كان أسهل من أن يقرأه أبواها. وأكملت جويل قائلة.
"أنت محق يا أبتي، يبلغ أدوريان عن تقدم ممتاز. وهو يدير الأمور بحسن تام، وقد ساعد العمال الإضافيون من روتشفورد ودغروف منذ حلول الربيع. ويقول إن الأساسات والبئر ستكتملان بحلول الشتاء وأن القصر الرئيسي سيكون جاهزاً العام القادم، إن شاءت النجوم والفصول."
وتوقفت جويل متأملة؛ فهذا سيكون بيتها. وسيتوقع منها الانتقال إلى هناك فور اكتماله. مع بعض العاملين من روتشفورد نفسها بالطبع، نعم، لكنها ستعيش بمفردها. وبعد ذلك بعام واحد تقريباً سينضم إليها زوجها. وبالحديث عن روتشفورد.
"أبي؟ أمي؟ أمتأكدون من أن فلاحي قرية روتشفورد ودغروف يستطيعون تحمل توفير الأيدي العاملة في خضم موسم الحراثة؟"
وأومأت الأم برأسها بلطف رداً على ذلك. ولاحظت جويل استقرار يديْ وجهها على استدارة بطنها المنتفخة قبل أن تجبر بصرها على الارتفاع إلى وجه أمها الذي كان يبتسم وفي عينيه بريق عارف تماماً.
"بينما تتولين أنت غزّ ما تـغزوه مئات النساء في الوقت ذاته، توجد وفرة من الأيدي العاملة. ويكلفنا ذلك من القماش ما لم نكن لنحظى به في مثل هذا الوقت لولاك. بل إنه القماش الشهير المنسوج بواسطة التنانين."
وأراد جناحا جويل أن ينتفضا خجلاً عند هذه اللحظة، إذ تبين أن الخيط الذي تغزله كان مسحوراً بعض الشيء. وليس كثيراً جداً، فقد كان قطعه أصعب، والأوساخ والقاذورات تلتصق به بصعوبة بالغة، ويتقبل الصبغ وتبييض الشمس بشكل أفضل قليلاً. ولكن ذلك كان كافياً لجعل صوف روتشفورد الحقيقي المنسوج بالتنانين يُباع للباعة الجوالين بقطع معدنية أكثر بقليل. ولم تكن جويل تدرك سبباً لجعل بعض أفعالها تنتهي كأعمال سحرية بينما لا تفعل أفعال أخرى ذلك، وكانت تخشى أن يكتشفوا يوماً ما وقوع أمر ما لماء استحمامها فيشرع الباعة الجوالون في شرائه.
وعلى الأقل، وجد تسولوغوثولان الأمر مثيراً للاهتمام، رغم أن الكائن الغريب لم يقدم الكثير من التفسيرات حول سبب تغير العالم بفعل بعض أفعال جويل أكثر من غيرها. وأطلقت الأم نفَساً حانناً.
"آه، سأفتقد وجودك قريبة في الإقطاعية عندما تستقرين أخيرًا يا ابنتي."
وانتفضت جويل بشكل واضح عند ذلك. وانطلقت الطمأنينة عبر شفتيها سريعة.
"يمكنني دائماً القدوم للزيارة لحلقات الغزل! فلا يستغرق الطيران إلى هنا من فالاسيك سوى ساعات معدودة!"
مما أثار ضحكة أبويها وتأففاً متذمراً بالملل من ألكسندر. فهو لم يستقر يوماً مع الجوانب الأكثر منزلية لشؤون الإدارة. واتخذ الأب وجهاً حازماً لكن عينيه تألقتا بالمزاح.
"ستكون لديك قُومك ومشاغلك الخاصة التي تنبغي رعايتها في فالاسيك يا ابنتي، والأفضل ألا تقومي بالزيارة إلا كل ثلاثة أو أربعة أيام."
وأومأت جويل تقديراً لأبيها لكنها قررت إنقاذ أخاها من مزيد من النقاشات حول أعمال النساء.
"أخي، أأنت متحمس لتقديم نفسك إلى قطيع الغريفون؟ لم تتقاعس عن صناعة الأقواس أو التمارين أليس كذلك؟"
وأومأ ألكسندر بقوة، وبات الآن بطول أبيه تقريباً، رغم أنه ما زال نحيلاً ويافعاً ريثما تبني تمارينه وعمله عضلاته. وبدا البريق يملأ عينيه اهتماماً وانطلق صوتاً من شفتيه بحماس شديد جعل رذاذ العصيدة يتناثر على الطاولة.
"أنا أجري حتى التلال السفلى ثم صعوداً عبر درب الجبل يوماً بعد يوم ومعي حقيبة مليئة بحجر المغناطيس! ولم أخطئ الهدف بالقوس الطويل أكثر من مرتين في كل عشر محاولات هذا الموسم!"
وتبادل الأب نظرة مع جويل أسرع من أن يلاحظها ألكسندر لكنها كانت واضحة تماماً لها. وعبرت إشارات قليلة باليدين في تلك اللغغة السرية المهجورة التي يستخدمها فرسان الغريفون الأكثر خبرة عن رسائل صامتة بحركات دقيقة في عضلات يديه وكتفيه. فرخ يرتفع حلقاً لكنه عالٍ. وأومأت جويل إيماءة لألكسندر وأبيها. كان أخوها متحمسساً وطموحاً لكن ذلك جلب المخاطر. فهذا سيكون القطيع الأول الذي يمكن أن يُعرض أمامه، ولم يُمنح كل مرشح فرصة من الأساس قبل أن تفقس البيضات.
وكان الأب محظوظاً بتوفر قطيع له حين كان في الثانية عشرة. وكان ألكسندر في الخامسة عشرة بالفعل، وهو سن أكبر ببضع سنوات من الوقت المثالي. وسيتعين عليه إثبات جدارته كفارس غريفون بإصرار أكبر أمام بقية الأخوية. وسواء احتفظ الأب بمكانته كأول بينهم أم لا.
"وبالحديث عن التقديم، سننتقل إلى العش في غضون أربعة أيام. أأنهيت كل ما يلزمك في فالاسيك يا ابنتي؟"
وأومأت جويل.
"تدبرت القرية أمرها جيداً تحت إمرة رؤسائها والقانون العرفي وحده ولم تكن هناك أي مخاوف بشأن الحصاد طوال الأعوام التي سبقت منحك إياها لي يا أبي. وفي الحقيقة، فضلاً عن الإشراف على تجهيز القصر بالأبعاد المناسبة لي، لا يوجد تقريباً أي شيء يحتاج إلى إدارتي."
وقطب الأب جبينه قليلاً عند ذلك.
"أتوقع منك تحّمل مسؤولياتك كسيّدة لإقطاعيتك بجدية يا جويل. فحقيقة أنها كانت مُعتنى بها جيداً قبلك لا تعني أن بإمكانك التهاون في هذا الأمر. أمتأكدة من أن كل شيء سيكون على ما يرام في غيابك؟"
وشددت جويل جناحيها ورفعت رأسها أعلى. ليس أعلى من الأب بعد، إذ لم تكن كونتيسة لديه (بعد). بل بما يليق بمكانتها كسيّدة إقطاعية ذات قصر تحت رعايتها.
"نعم يا أبتي، أدوريان ماهر وموثوق به ومحبوب بين أهل فالاسيك. لقد كان بناّء قبل أن يصبح رئيس قرية، وأبناؤه هم من يضعون الأساسات ويوجهون أعمال استخراج الحجارة للبئر. وأنا أثق بحكمة رئيس قريتي في هذا الشأن."
واستمر الأب في نظرته الصارمة لحظة أطول قبل أن تنفرج عن ابتسامة واسعة وضاحكة.
"حسنًا! إذن علينا فقط التأكد من إعداد كل شيء لرحلتنا إلى العش."
وأومأت جويل موافقة، وهي تتطلع بشوق لرؤية الكونت فيبرون مرة أخرى. ولن يولد شقيقها المستقبل إلا بعد فترة طويلة من عودتهم. بل في خضم صيف الجوع لهذا العام تماماً. تماماً كما كانت ولادات ألكسندر وبقية القرويين في الغالب. ومع ذلك شعرت جويل بارتجافة قلقة تسري عبر حراشفها. من أجل أمها وشقيقها المستقبل معاً.