انزلقت الأبواب الثقيلة المعزّزة في حجرة التدريب لتفتح بصوت صفير. في الداخل، كان الهواء منعشاً بفضل نظام التصفحة الذي وُصّل حديثاً. وقف شكل وحيد في المدخل، شكلٌ كان يكاد يخفي تماماً عن العين المجرّدة قبل قليل.
"من المذهل دائماً رؤية هذه المساحات بمجرد الدخول إليها".
دخل رولاند إلى حجرة التدريب الواقعة تحت المعهد. لم تكن هناك مساحة تُذكر للبناء تحت البناء، لكن بفضل سحر الأبعاد، أصبحت المنطقة أضعاف مضاعفة مما تبدو عليه من الخارج. ما كان المفترض أن يكون غرفة بمساحة مئة متر مربع تقريباً تمدّد ليصبح فضاءً يمتد على مساحة عدة ملاعب كرة قدم، مانحاً مساحة أكثر من كافية للطلاب لممارسة سحرهم. وحين تقدّم، انبسط الفضاء من حوله ليمتدّ على مدى شاسع.
ولمح في البعيد أوكسيان واقفاً فوق دمية معطّلة. استقرّ رأسها في كفّه الكبيرة بعد لكمه ليطير تماماً. وكان الشاب يحاول إعادة تثبيته، لكن كل محاولة كانت تنتهي بالطريقة نفسها، إذ ينزلق الرأس ويهوي مجدداً إلى الأرض.
"أيها الاستاذ..."
كان إيليان أول من لاحظ قدوم رولاند. فاستقام فجأة في وقفته وحاول أن يبدو بمظهر لائق على الرغم من أنفاسه المتسارعة. وسرعان ما حذا البقية حذوه، فتخلّوا عن مناوشاتهم التي أعقبت المعركة. ورفس أوكسيان برفق رأس الدمية المنفصل تحت مقعد قريب ظهر للعيان بمجرد زوال المنظر الوهمي. وبدون سحر الوهم، بدا الفضاء المحيط خالياً تماماً تقريباً. وغطت الرموز المسحورة كل سطح. وكانت الغرفة بذاتها بنية رونية هائلة، صُممت لتوليد أوهام صلبة تعيد خلق التضاريس والصخور والمناظر الطبيعية.
لتتولى الدمى المتجمعة محاكاة الوحوش وغيرها من الخصوم العدائيين. ومع تعطيل كل شيء، أصبحت الحجرة تشبه حظيرة ضخمة. وظل السحر البعدي نشطاً طوال الوقت ليشكل أساس البناء بأسره. وتراكب فوقه سحر الوهم بعد توسيع المساحة. وإذا أُزيل السحر البعدي يوماً، فانهارت الحجرة عائدة إلى أبعادها الأصلية، وتوجب إعادة صياغة مصفوفات الوهم من الصفر. وكانت صيانة المرفق تتطلب إمداداً مستمراً بالطاقة السحرية.
تقدّم رولاند بخطى تردّد صداها في الحجرة الواسعة. وتوقف على بعد خطوات قليلة من المجموعة. وظل تعبيره مختفياً خلف خوذته، لكن نبرته وضعت مزاجه في النور. لم يكن مسروراً.
"أوكسيان غودويل. إن غاية المدافع في فرقة خماسية هي ضبط ساحة المعركة والحفاظ على المسافات السليمة مع منع الأعداء من الوصول إلى الخط الخلفي. وليست الدخول في مبارزة مجيدة مع أول هدف يقع عليه نظرك".
"لكن أيتها الاستاذ... أنا، أم..."
تذمّر أوكسيان وشارك ساعديه الضخمين ببعضهما. وبدا أن كل بلاغة يمتلكها تتبخر بمجرد انتهاء المعركة. فإما أنه عجز عن التعبير عن منطقه بشكل صحيح، وإما أنه لم يدر كيف يدافع عن نفسه أمام أستاذ بحجم رولاند.
"أنت ماذا؟ تركت إيليان مكشوفاً وعاجزاً عن إتمام ترتيلته".
"..."
حدّق أوكسيان في إيليان حين أتى رولاند على ذكره. ولم ينطق بشيء، لكن انزعاجه كان واضحاً. وشكّ رولاند في أنه يلوم الطالب الآخر على الإخفاق في إنجاز التعويذة. إذ كان هناك متسع من الوقت لإلقائها، لكن إيليان استسلم للذعر. كما جاءت ترتيلته بطيئة بشكل مؤلم، ومخترقة بالترددات والتعثر المتكرر في الكلمات.
"وأنت، إيليان بلوميك".
حوّل رولاند انتباهه إلى الشاب الآخر، الذي ارتدّ بوضوح حين نظر إليه.
"إن دورك كمهاجم رئيسي يصبح بلا فائدة إن لم تستطع الحفاظ على رباطة جأشك. لن توفر المعركة أبداً بيئة عذراء وهادئة لتترتل تعاويذك. وإذا تسبب شعاع مانا شارد في جعلك تخبط في كلماتك وتتلجلع، فأنت عبء على هذا الفريق بأكمله".
"أعتذر، نائب الاستاذ..."
تمتم إيليان وهو يطيل النظر إلى حذائه.
"الضغط... حين تحتدم الأوهام، يبدو كل شيء يحدث بسرعة فائقة. ولا أستطيع تثبيت التعاويذ مستقيمة في رأسي".
لم يقدم رولاند أي راحة فورية. فقد كان يعلم أن هؤلاء الفتيان يحتاجون إلى تدريب شخصي. وبدلاً من إجبارهم على العمل كفريق منذ البداية، كان عليهم أولاً فهم أدوارهم الفردية داخل الفريق. إذ احتاج أوكسيان إلى الشعور بأنه يفقد الأرض كلما سمح لأحدهم بالتسلل من دونه، بينما احتاج إيليان إلى تركيز سليم وتمرينات ترتيل في مواقف تثقل العقل.
"نعم، سيتعين علينا منحكم جميعاً تدريباً خاصاً... لكن أولاً، اخرج يا ليون فوغرينارد وتوقف عن الاختباء".
كشف ليون عن نفسه أخيراً. لسبب ما، كان ممدداً بشكل مسطّح على الأرض ومستخفياً ببراعة داخل المشهد مستخدماً سحر الوهم. وكان الشاب يعلم بوضوح أنه ارتكب خطأً، وبدل الاعتذار اختبىء وكأن رولاند سينساه بطريقة ما.
"تعال إلى هنا فحسب... الوحيد بينكم الذي أدّى عملاً مقبولاً هو سيلفي أستاريل. وأنت يا لوسيِن أردين، عليك أيضاً تعلم كيفية حماية نفسك. أنت المتتبعة الرئيسية، لكن معرفة كيفية الرد على الهجمات أمر يجب أن يقدر عليه أي ساحر".
"ن-نعم، نائب الاستاذ".
على الرغم من أنها كانت أخته، لم يستطيع معاملتها بشكل مختلف. في الواقع، كان عليه أن يكون أكثر صرامة ليضمن أنها لن تصبح هدفاً خلال المسابقة الفعلية.
"لوسيِن تفاجأت فقط. أنا متأكدة أنها ستؤدي بشكل أفضل في المرة القادمة، نائب الاستاذ".
دافعت سيلفي عن صديقتها الجديدة، رغم أنها كانت الوحيدة التي نجت من التوبيخ. واستمرت قبعتها الكبيرة في الانزلاق للأسفل وهي تحدق به بعيون متوسلة، مما جعل رولاند يتساءل عما إذا كان الشرير في هذا الموقف.
"تجمعوا هنا وابقوا في مكانكم الآن. سنبدأ تدريبكم الخاص هنا والآن".
أشار رولاند إلى البقعة التي ينبغي للطلاب الخمسة التجمع فيها. ولحسن الحظ، وبفضل سمعته، اتبعوا أوامره دون تردد. أو هكذا فعلوا حين كان حاضراً.
"أاريون، أزل حراس الأمان في حجرة التدريب هذه وامنحني السيطرة الكاملة".
تواصل عبر خوذته مع أاريون وطاقم قسم الرون في غرفة التحكم. وأومأ الأستاذ السنّور برأسه، وبعد إجراء بعض التعديلات على نظام التشغيل الروني، بدأت الرونات في أرجاء الحجرة تتلألأ.
"لقد نقلت كل السيطرة إليك، نائب الاستاذ. ما الذي تنوي فعله؟"
بدا الفضول واضحاً على أاريون.
"راقب وترقب. تحوي هذه الحجرة مزايا عديدة لا يعرفها الناس. بل يمكنك استخدامها هكذا".
قضى رولاند وقتاً طويلاً في البحث داخل هذا المعهد وساهم شخصياً في بناء نظام مراقبته. ونتيجة لذلك، ربما فهم طريقة عمل كل شيء بتفصيل أكبر من العديد من السحرة الذين أمضوا نصف أعمارهم في التدريس هنا.
"ما الذي يفعله الأستاذ؟"
سأل إيليان هامساً لكل من لوسيِن وسيلفي.
"لا أعلم... لكن هذه الكمية من المانا هائلة!"
كدست قبعة سيلفي تسقط عن رأسها مرة أخرى وهي تشعر بتركز هائل للمانا يحيط بشكل معلّمهم المدرّع. بل إن أوكسيان ابتلع ريقه بصعوبة وهو واقف يحدق ببلاهة. وأمامهم، بدأت الغرفة بأسرها تتفاعل دون تفعيل أي شيء بصرياً. وكأن المانا التي يطلقها رولاند كانت تؤثر في كل رون داخل الحجرة. حتى أن بعضها بدا وكأنه يتحرك ويعيد ترتيب نفسه. 'سحر الوهم مفيد للغاية في مواقف كهذه'. بدأت الحجرة تتحول، منقسمة إلى أربعة أقسام منفصلة.
لم تتحرك أي آلة. وتم التغيير كلياً عبر سحر الوهم. ورغم الاعتقاد السائد بأن الأوهام تؤثر على العقل وحده، استطاع الممارسون الأكفاء تجسيدها لتصبح بنى ملموسة قادرة على خلق بيئات حقيقية. بل وهناك أساطير عن سحرة من الطبقة الرابعة والخامسة استطاعوا خلق عوالم جيبية كاملة بسحر الوهم، عوالم لا يمكن تمييزها عن الواقع. وما كان رولاند يفعله هنا أقل تعقيداً بكثير. كان يكتفي بخلق مناطق تدريب أصغر داخل الحجرة لمنح المشاغبين بيئة مناسبة للمتمرس فيها.
ارتفعت جدران متلألئة من سحر الوهم المتصلب من الأرض، لتقسم الحظيرة الضخمة إلى أربع مناطق مستقلة ومتباينة. وفي البداية، تكسر الضوء عبر الحواجز شبه الشفافة، لكنها سرعان ما تصلبت لتصبح قواطع صخرية. لم تكن الأوهام متينة بشكل خاص. كانت تشبه الحجارة العادية ويمكن تحطيمها بتعويذات أساسية من الطبقة الأولى. غير أنه حين جُعلت سميكة بما يكفي، غدت حواجز فعالة لسحرة صغار كهؤلاء.
"أوه، الدمى. إنها تصلح نفسها... هل هذه أيضاً قوة ساحر رون؟"
بينما ركز البقية على غرف التدريب المتشكلة حديثاً، لاحظت سيلفي شيئاً آخر. كانت الدمى البيضاء التي فقدت رأسها ترمم نفسها، وبدا بوضوح أنها تستعاد بفضل مانا معلّمهم. وقبل أن يمر وقت طويل، تجمعت الدمى وبدأت بالتحرك نحو الغرف الأصغر التي ظهرت.
"هذا يجب أن يكفي".
استغرق الأمر نحو خمس دقائق لتكتمل تشكيلة الحجرات بالكامل. أُغلق كل مدخل وزُوّد بما بدت أنه بوابة حديدية. وكان الطلاب منجذبين بوضوح للتعويذة الهائلة التي حوّلت المنطقة بأكملها. أما بالنسبة لرولاند، فكان الإنجاز نسبياً بسيطاً. فهو لم يكن يستمد القوة من ماناه فحسب، بل ومن قوة المعهد نفسه. كان المعهد بمثابة محطة طاقة سحرية، مدعوماً بعدة طرق لتوليد المانا. وإذا أراد رولاند يوماً منافسة ناتجه عبر التكنولوجيا وحدها، فسيحتاج على الأرجح إلى بناء محطة طاقة نووية.
"إيليان بلوميك".
"آه، نعم، يا أستاذ!"
"تعال معي".
كان إيليان الأول. منحته سيلفي تربيتة على ظهره بينما اكتفت لوسيِن بالابتسام.
"حاضر، يا سيدي!"
دخلا الاثنان إلى الحجرة الأولى. وما إن صارا في الداخل حتى نظر إيليان حوله بحيرة، غير متأكد مما يفترض به تعلمه هنا بالضبط. ضمت الغرفة دائرة في المنتصف، وجدراناً تصطف فيها فتحات بأشكال وأحجام مختلفة، وعدة دمى تدريب خشبية ترتدي أثواباً في الطرف البعيد.
"هذه غرفة تدريبك. قف في المنتصف ولا تغادر تلك الدائرة. وحين تعتاد تلك المساحة، ستشرع في الانكماش. لم لا تجرّب ذلك؟ ألقِ إحدى تعاويذك واضرب إحدى دمى التدريب تلك".
"بالتأكيد، يا أستاذ".
لم يسأل إيليان عن تفسير ونفّذ الأوامر وحسب. لم يعانِ فقط في التركيز، بل بدا خجولاً بشكل مدهش حين تعلق الأمر بالاستماع إلى أساتذته ونادراً ما طرح أسئلة كثيرة. خطا السحر الشاب إلى مركز الدائرة المرسومة، وترتجف يداه قليلاً. وانتظر رولاند أن يبدأ بالترتيل، وما إن بدأت مانا الفتى تتخذ شكل التعويذة حتى فعّل الوظيفة الأساسية للغرفة. بدأت إحدى الثقوب في الجدار تتوهج. ودون إنذار، تماماً وهمّ إيليان بإتمام التعويذة، انطلقت كرة صغيرة من الطاقة الزرقاء نحوه.
تحركت بسرعة، ودون أي فرصة للرد، أصابته في الكتف. وسرت هزة قصيرة من الطاقة في جسده. كان الألم خفيفاً، لكن الأثر المخدر عطل عملية إلقاء التعويذة فوراً.
"عقبتك الأساسية هي غياب وعيك المكاني وعجزك عن التركيز أثناء الحركة أو تحت الضغط. وستعالج هذه الحجرة ذلك".
أشار رولاند نحو الثقوب المصففة على الجدران والسقف.
"تحتوي كل فتحة من هذه على بنية تعويذة قادرة على استهدافك بهزات تخدير مؤلمة لكنها غير مؤذية. وسترتفع وتيرتها وسرعتها كلما تحسنت، إلى أن تتمكن من الإلقاء بنجاح ودون انقطاع. ومهمتك هي تدمير الدمى المستهدفة بأسرع ما يمكن. وإذا خطوت خارج هذه الدائرة، تفشل في التمرين فوراً، وستتم إعادة ضبطه".
حدق إيليان في عشرات الثقوب المحيطة به، ووجهه يميل إلى الشحوب قليلاً.
"ل-لكن كيف أعلم من أين ستأتي التعويذة، نائب الاستاذ؟ م-ماذا علي أن أعل؟"
"استشعر المانا حين تتشكل التعويذة. وحين تقوى على استشعارها، ستعلم من أين يأتي الهجوم. وبعدها، يصبح تفاديه أمراً سهلاً".
"سهلاً..."
بدا إيليان منزعجاً للغاية وهو يحدق في الثقوب لا تحصى على الجدران. يمكن لهجوم أن يأتي من أي اتجاه وفي أي لحظة أثناء إلقائه. كانت طريقة تدريب صعبة، لكن رولاند لم يملك وقت ليمر الفتى عبر منهج المعهد القياسي. لم يتبقَ سوى القزيل القليل من الوقت، وكانت هذه إحدى أسرع الطرق لتحسين مهاراته بعيداً عن قتال خصوم حقيقيين.
"والآن إذن، ابدأ تدريبك. سأذهب لأتفقد زملائك في الفريق".
"يا أستاذ؟ أنت مغادر؟"
"بالتأكيد. ابق هنا للساعة القادمة وركّز على إصابة الدمى. لست مسموحاً لك بالمغادرة قبل ذلك".
"لكن..."
بدا الفتى خائفاً، لكن رولاند لم يعره اهتماماً يذكر وهو يغلق الباب خلفه. لن تؤذي الحجرة الشاب. كان بحاجة فحسب لإخافته بالقدر الذي يضمن أخذه للتدريب بجدية. وإذا أصيب إيليان مرات كثيرة، فسيغلق البرنامج تلقائياً. كما صُمم لمنع الإصابة الفعلية، مولداً شعوراً عابراً بالشلل عوضاً عن أي ضرر حقيقي. 'أظن أن هذه ستكون أيضاً طريقة جيدة لبناء مقاومة ضد الشلل...' فكّر رولاند في هذا وهو يقترب من المشاغب الرئيسي، أوكسيان.
كان الشاب أطول من رولاند نفسه، لكن وجهه ظل يكشف عن قلة خبرته.
"أوكسيان غودويل، تعال معي. غرفتك هي التالية".
تبع أوكسيان رولاند إلى الحجرة الثانية دون مقاومة أو تفوه بحرف. كان الشاب ثقيل الخطى للغاية. ومع كل خطوة يخطوها، كانت أحذيته تقرع الأرض. وحتى الآن، كان يستخدم نوعاً من تعويذات تعزيز الجسد تحيطه بطبقة من الصخر. بدت الحجرة التي وصلا إليها أطول بكثير من تلك التي استخدمها الفتى السابق. وفي الطرف البعيد وقفت ثلاث دمى خشبية بدت هشة تماماً. وعلى الجوانب توجد عدة دمى أخرى، بعضها مخصص للقتال القريب وأخرى قادرة على إطلاق هجمات بعيدة المدى.
"تدريبك بسيط".
أشار رولاند نحو دمى الغول الخشبية في نهاية الحجرة.
"عليك مرافقة دمى الخشب تلك من نهاية الغرفة عودةً إلى المدخل. غير أنه بمجرد اقترابك منها، ستشرع دمى القتال في الهجوم. سيركز بعضها عليك، بينما يستهدف البعض الآخر الأشخاص خلفك. وإذا تضررت أي من تلك الدمى الخشبية الثلاث، تفشل".
أومأ أوكسيان برأسه، وبدا واثقاً من قدراته. بدا السيناريو بسيطاً، لكنه سيبدو على الأرجح مليئاً بالتحديات. وسيتعين عليه مجاراة وتيرة من يحميهم، وهو أمر طالما عانى منه.
"ابدأ".
راقب رولاند أوكسيان وهو يخطو نحو الدمى بلمحة واثقة في عينيه. وبدا أنه يريد اجتياز هذا الاختبار من محاولته الأولى ليثبت نفسه، لكن وكما توقع رولاند، اندفع مسرعاً. اندفع أوكسيان إلى الأمام، ودروع الصخر حول أطرافه تحتك ببعضها البعض بصوت حكٍ ثقيل. ووصل إلى الدمى الخشبية الثلاث في الطرف البعيد من الحجرة والتفت ليواجه المهاجمين. وبدأت البنى تتحرك للأمام بخطى بطيئة ومحرجة تحاكي الحركة البشرية.
وفي اللحظة التي تجاوزوا فيها عتبة معينة داخل الممر الرئيسي، دبت الحياة في دمى القتال المعارضة. اندفع أحدهم مباشرة نحو أوكسيان، وكما فعل مرات عديدة من قبل، ركّز فوراً على دفعها للتراجع بكل قوته. وأُرسلت دمية الغول محلقة، لكن في تلك الأثناء، تعثرت إحدى الدمى الخشبية خلفه وأصيبت بشعاع مانا بسيط ألقاه أحد دمى السحرة.
"لقد فشلت. ابدأ من جديد".
تكلم رولاند بينما توقف كل شيء في الحجرة فجأة. وعادت الدمى إلى مواضعها الأولية.
"كان بإمكانك اعتراض تلك التعويذة بجسدك، يا أوكسيان، لكنك ركزت مجدداً بدرجة أكبر على خصمك المباشر. ابق هنا طالما دعت الحاجة، لكن عليك أن تدرك أن أولوية المدافع هي الحماية لا التدمير. لديك ساعتان لإيصال تلك البنى بأمان عبر الجهة الأخرى".
تمتم أوكسيان وطقطق مفاصل أصابعه بينما بدأت حقيقة المهمة تتسلل إليه. وتاركا الشاب العنيد لتدريباته المتكررة، خرج رولاند من الحجرة الثانية واتجه نحو الباب الثالث حيث ينتظر باقي الطلاب.
"ليون فوغرينارد. هذه لك. تعال معي".
أومأ الشاب برأسه بينما انفتح الباب الثالث. وكانت مشكلة ليون الأساسية هي أولوية الأهداف وغياب الوعي حين كان زملائه يعانون. وكان دوره دعم المهاجم الرئيسي مع إدخال عنصر عدم القدرة على التنبؤ إلى ساحة المعركة. وكان وضعاً مرناً للغاية يسمح له بالدفاع أو الهجوم أو العمل بشكل مستقل عند الضرورة. وكانت المشكلة أنه أراد شيئاً واحداً فقط: الاختباء وانتظار الفرصة المثالية للهجوم.
غير أنه في سيناريو قائم على الفريق، لم تكن تلك الفرصة متاحة دائماً.