قال أحدهم: "ما هذه الضجّة كلّها؟"
وقال آخر: "إنّه الأستاذ المساعد الجديد يا سيّدي. قال إنه لا يريد أن يُزعج. أظنّ أنّها ليست فكرة سديدة أن..."
قاطعهم الأول: "فكرة سديدة؟ أنسوا من هو سيّد هذا المعمل؟ لماذا سمحتم أنتم يا أغبياء بمرور هذا؟ أأغيب لأسبوعين ويعود الأمر إلى هذا؟"
"يا سيّدي، لقد غبت لأكثر من شهرين..."
"أبقِ فمك مغلقاً."
"حاضراً يا سيّدي..."
كان قزم عجوز يوبخ أحد صانعي الرون الحاضرين. وكان القزم العجوز، المعروف ببساطة بلقب السيّد بين صانعي الرون، مخضرماً متمرّساً في الصنعة. يفرض وجوده الاحترام، لكن في هذا اليوم الغريب، كان سلطانه موضع تساؤل. نُصب حاجز أسود غريب في منطقة تصنيعه الخاصة، ليمنعه من الدخول.
سأل: "ما سرّ هذا الحاجز هنا؟"
"الأستاذ المساعد يقوم بتجاربه هناك، وقد أمر الأستاذ أريون بألا نُزعجه."
تمتم القزم العجوز بانزعاج، وتجعّدت حاجباه الأبيضران الكثّان بعمق. لم يكن معتاداً على منع أي جزء من معمله، ولا سيّما من قِبل شخص يعدّه مجرد مساعد.
"أستاذ مساعد تقول؟ تبّاً! إنه ليس سوى مبتدئ! ويتحصّن في معملي؟ ليس على جثتي!"
تقدّم السيّد بخطى حازمة، وقد قبض على كفّيه الغليظتين. لم يكن ليسمح لأي باحث طارئ بأن يملي عليه شروط استخدام ورشته.
"توسّعوا أيّها الفتية! السيّد قادم!"
تبادل صانعو الرون نظرات متوجّسة، لكنهم عرفوا قدرهم جيداً ألا يتحدّوا سلطان سيّدهم. فقد تلقى كثيرون كدمات من تلك القبضات الكبيرة. تراجعوا على عجالة، مانحين القزم الحازم مساحةً للاقتراب من الحاجز الغريب. غير أن شيئاً غريباً حدث قبل أن يتمكن الرجل من الاقتراب من الحاجز الأسود. كان هذا الحاجز الأسود الغريب يشغل مساحة لا باس بها، وفجأة، أخذ يتمدد نحو الجانبين. بدا في البداية كبالون يُنفخ ببطء، لكن سطحه ما لبث أن تموّج وتمدد بعشوائية.
توقف السيّد عن التقدم، واتسعت عيناه دهشةً بينما كان الحاجز يتمدد أمامه.
"ما هذا بحقّ الجحيم...؟ أيّها الفتية... تراجعوا!"
لم يستغرق الأمر طويلاً ليدرك هو والبقية أن شيئاً غير مألوف يجري هنا. ومع أنهم لم يكونوا سحرة، فقد شعروا بكمية هائلة من الطاقة السحرية تتسرب. أياً ما كان ما يحدث في الداخل فإنه على وشك الانفجار، وكان لزاماً عليهم الفرار. وسط جوقة من الخطوات العجلى، تدافع صانعو الرون متراجعين إلى مسافة آمنة، والتقطوا بسرعة أدوات حماية متنوعة تقيهم الانفجارات السحرية. استمر الحاجز في الانتفاخ والتشوه، وكان سواده الحالك ينبض بوهج غريب عن هذا العالم.
وحينها، تماماً مثلما تمدد فجأة، انفتح الحاجز. انبعثت موجة من الطاقة السحرية نحو الأعلى فاصطدمت بسقف المعمل. تعثر السيّد وبقية صانعي الرون إلى الوراء، محتمين من الحطام الذي تناثر في كل الاتجاهات. أُرسلت موجة صدمية في كل الاتجاهات وتموّجت عبر الورشة. لحسن الحظّ، وُجّهت معظم القوة السحرية نحو الهواء حيث لا يقيم أي كائن حي. هطلت كتل من الحجر والمعدن على الورشة بينما هز الانفجار السحرى أساسات المبنى ذاتها.
ثبت السيّد في مكانه وسط الفوضى، وبدت على ملامحه الخشنة عبوسة واضحة. حين استقر الغبار وخبت أصداء الانفجار، خرج صانعو الرون بحذر من مخابئهم الارتجالية. تركهم ما رأوه مذهولين. فحيث كان يقف في السابق حاجز أسود ومساحة عمل مغلقة، باتت توجد حفرة فاغرة فاهها في الأرض، تحيط بها أرض محترقة ومادن ملتفة. وقف رجل وحيد في بؤرة الانفجار. احترقت ملابسه كلها جراء الثوران السحري ولم يبق سوى بعض القطع المعدنية، كخوذة الرون الغريبة التي كان يرتديها.
غطى السواد جسده بالكامل وانبعثت بعض الرون الغريبة من أجزاء الدرع التي كان يرتديها.
هتف السيّد، وبصوته مسحة من عدم التصديق والغضب: "ما... ما الذي يحدث هنا بحقّ المعمل؟"
تمتم صانعو الرون فيما بينهم، وتبادلوا نظرات حائرة وهم يحاولون إدراك كنه هذا المشهد أمامهم. لم يستطع أحد استيعاب كيف نجا الرجل من هذا الانفجار العنيف سالماً، ناهيك عن تسببه فيه ابتداءً.
"أنا، أممم... آسف؟"
……
"أريد منك أن تطرد هذا الرجل من المعهد، ألم تر ما فعله بمعملي المسكين؟"
بعد ساعات قليلة، وجد رولاند نفسه في مكتب نائب المدير، برفقة رئيس المعمل في المعهد. كان الرجل قزماً طاعناً في السن بلحيته البيضاء الطويلة ونظراته الصارمة. شعر رولاند بلمسة من الذنب والوجل بعد أن أخفقت تجربته. بدا أن التجربة برون والأبعاد والصدوع كانت شديدة التقلب. ومع أنه نجح في صنع نموذج أولي، إلا أنه بالغ في بعض الإعدادات، مسبباً انهياراً سحرياً.
"أرجوك أن تهدأ يا رئيس المعمل، فحسب ما سمعتُ كان حادثاً مؤسفاً."
"حادثاً مؤسفاً؟ توجد في معملي حفرة تتسع لتمر من خلالها تنّين!"
قرر رولاند التزام الصمت في الوقت الراهن لعدم تيقنه مما سيقوله. لم يستطع إنكار مسؤوليته عن الانفجار الهائل داخل معمل الرجل، لكنه لم يصب بأذى لحسن الحظ. بطريقة ما، كانت مسؤولية هذا الرجل أيضاً لتفرغه لعطلة طويلة كهذه. وبصفته المسؤول عن المعمل، بدا غائباً في كثير من الأحيان أكثر مما ينبغي. 'حسناً، لا يهم حقاً إن طردوني الآن، فقد نلت ما جئت من أجله، ولن يحدث انفجار مماثل مجدداً.'
فكر في نفسه بينما واطن الرجل الصياح. مع هذا الإنجاز، يمكن جني الكثير من رأس المال. لم تكن هناك أطراف صناعية سحرية عاملة تناسب غير السحرة في الخارج. سيستغرق الأمر بعض الوقت لتنقيحها، لكن الآن وقد أنجز كل النظريات، سيكون تطبيقها يسراً. كان جلياً أن هذا الاختراق في هندسة الرون، كما أكده لقبه المكتسب حديثاً، يحمل إمكانات هائلة. كانت هناك احتمالية قوية لكون هذه التقنية ثورية، مع تطبيقات محتملة تتجاوز الأطراف الميكانيكية.
ومع أنها صُممت مبدئياً لمثل هذه الأطراف، استطاع رولاند تخيل استخدامها في مجالات أخرى شتى. أشارت استجابة الأجهزة لحركات الشخص إلى إمكانية ابتكار تقنية أخرى كان يفكر فيها. 'حسناً، قبل أن أفعل ذلك، عليّ الخروج من هنا... لكنهم قد يجعلونني أدفع ثمن الأضرار التي لحقت بمعملهم...' كانت ميزانيته ضخمة لكنه لم يكن واثقاً إن كانوا سيمنحونه سعراً عادلاً. من المرجح أن تتطلب التقنية التي ابتكراها وقتاً قبل تطبيقها على نطاق أوسع.
ومع ذلك، ارتكب خطأ وكان طبيعياً أن يغضب الأستاذ صانع الرون. حسم أمره وقرر رولاند تحمل مسؤولية الحادث الذي تسبب فيه.
"يا رئيس المعمل، أعتذر عن الضرر الذي لحق بمعملكم. لقد كان حادثاً مؤسفاً حقاً، وأنا أتحمل مسؤوليته كاملة. أؤكد لك، لم أكن أنوي أن تتصعيد الأمور إلى هذا الحد، وأنا مستعد لتعويضكم عن كافة الأضرار."
تذمر رئيس المعمل، بادياً عليه الغضب بوضوح، ورد بسرعة: "أنتم السحرة سواسية، تظنون أن بمقدوركم إصلاح مشاكلكم كلها بالذهب!"
بدا أن رئيس المعمل غير راغب في التراجع وبحث عن شكل آخر للعقاب، يُرجح أنه يتضمن طرد رولاند من المعهد. في الظروف العادية، لما مانع تقبل الأمر لكن الوضع مع شقيقته جعل منه خياراً غير مقبول.
"صبراً يا رئيس المعمل. أرجوك أن تهدأ. لقد دونت شكاويك، فما رأيك أن تدعني أتحدث مع الأستاذ المساعد وايلاند الآن؟"
قبل أن يتمكن من صياغة رد كافٍ، قرر نائب المدير التدخل. كان السحر العجوز مستمعاً جيداً وبدا محايداً تجاه وضعه. سرعان ما تلقى الحرفي القزم الغاضب أمراً بمغادرة المكتب، مما سمح لرولاند بإجراء حديث خاص مع نائب المدير. أدرك رولاند أنه بحسب القوانين، يمتلك هذا الرجل والمديرة صلاحية اتخاذ القرار. وحينها إن تفاقمت الأمور أكثر، فستكون جلسة استماع أخرى محتملة أيضاً.
"أستاذ مساعد وايلاند، أفهم أن الحادث في المعمل لم يكن مقصوداً، لكن لا يمكن إنكار نتائجه عن ضرر جسيم. رئيس المعمل مصرّ على اتخاذ إجراءات تأديبية ضدك وأخشى أنني أوافق أيضاً. لحسن الحظ، لم يصب أحد بأذى، ولكن ماذا لو أصيبوا؟"
بدا أن نائب المدير ينوي إدانة رولاند بسبب الخطر المحتمل الذي تسببه للعمال، بدلاً من التركيز حصراً على الأضرار الفعلية التي وقعت في المعمل. كان عليه الإقرار بخطورة هذا الوضع. توقع رولاند قدراً كط هذا نظراً لضخامة الانفجار. كان ضياعه في أبحاثه ونسيانه لمن حوله خطأه وكان عليه مواجهة عواقبه.
"أتحمل المسؤولية كاملة عن كل ما حدث، يا نائب المدير. أنا مستعد لقبول أي عقوبة تُرى مناسبة."
"أُثني على استعدادك لتحمل المسؤولية، أيها الأستاذ المساعد. لذا، سأضطر لاقتراح... همم؟"
من الكلمات التي صاغها نائب المدير، بدا أنه على وشك الطرد. لكنه قبل أن يصدر حكماً، تدخل أحدهم. طفت ورقة شجرة غريبة من النافذة المفتوحة على الجانب وتحولت إلى ما يشبه قطعة رسمية من الرق، قرأها الأستاذ راثوس سريعاً. 'ما عسى أن يكون ذلك؟' بدا الأستاذ راثوس، الذي عُرف ببهجته، مرتبكاً وحتى غاضباً بعض الشيء لسبب ما. لم يستطع رولاند إلا التساؤل عما هي الأخبار التي أثارت مثل هذا التفاعل.
أحدث أمر غير متوقع داخل المعهد، أم أن الأمر متعلق بمحنته الحالية؟ بعد لحظات من الصمت، خفض نائب المدير الرق وأمعن النظر في رولاند بتعبير أكثر عمقاً.
"يبدو أنك نلت ترقية يا أستاذ مساعد وايلاند... أم يجب أن أناديك بالأستاذ النائب وايلاند الآن؟"
"أستاذ نائب؟"
خاض رولاند مطولاً في قوانين المعهد وكان يعلم ما يعنيه هذا المنصب الغريب. كان مميزاً للغاية إذ أن الأستاذ النائب هو شخص لا يرفع تقاريره إلا لقائد المعهد، والتي ستكون في هذه الحالة المديرة يافينا. ظل هذا المقعد شاغراً لبعض الوقت ولسبب ما، أُعطي له.
"يبدو ذلك، ومن الأفضل أن ترفع تقريرك إلى المديرة بخصوص هذه المسألة. وبصفتي نائب المدير، لا أستطيع معاقبة أستاذ نائب، فهذا أمر لا تقرره سوى المديرة وحدها الآن. مع ذلك، تذكر جيداً أن هذه الترقية تأتي بمسؤوليات وتوقعات إضافية. ستكون مطالباً بالحفاظ على مستوى أرقى من السلوك والمهنية من الآن فصاعداً."
أومأ رولاند، وما زال يستوعب مجرى الأحداث المفاجئ. لم تكن ترقية إلى أستاذ نائب شيئاً يتوقعه، ولا سيما في خضم قضية تأديبية.
"أتفهم ذلك يا نائب المدير. سأحرص على أداء مسؤولياتي على أكمل وجه."
قرر البقاء هادئاً في الوقت الراهن، فقد أتاح له ذلك تفادي العققاب مع منحه في الوقت ذاته منصباً أرفع داخل المعهد. قد تساعده هذه التقلبات غير المتوقعة في الحفاظ على سلامة شقيقته ومنحه بعض المزايا. ولربما كان لكل ذلك ثمن إذ وُجد على الأرجح سبب لترقيته. 'كل شيء يأتي بثمن ودور الأستاذ النائب ليس سوى سكرتير فعلي للمديرة...' لقد غدا على ما يبدو مساعداً للمديرة دون أن يوافق على ذلك.
وفي حين كان ليرفض العرض فوراً في الظروف العادية، إلا أنه أتاح له في هذه المرحلة الإفلات من هفوته الصغيرة. بدا نائب المدير غاضباً بعض الشيء إذ كانت إحدى عينيه تختلج، لكنه لم يستطع فعل حيال ذلك شيئاً.
"حسناً إذن... اعذرني..."
غادر رولاند مكتب نائب المدير بينما كان لا يزال يحاول استيعاب الموقف. لحسن الحظ لم يكن الأستاذ صانع الرون الذي أغضبه منتظراً وصوله، ليسعفه ذلك في شق طريقه نحو برج سحر المديرة. كان يتعين التعامل مع هذا الأمر لرغبته في تخطيط مغادرته. والآن بعد أن بات قادراً على قراءة شبح المانا، توجب عليه العودة للمنزل، ولم يتبق سوى لوسيين تعيق طريقه. في طريقه إلى برج السحر حيث تقيم المديرة، لم يستطع رولاند التخلص من شعور بأن ثمة خطباً ما.
لم يكن متأكداً مما تريده تلك المرأة منه، لكنه لم يكن واثقاً إن كان الرفض خياراً مطروحاً. وإن رفض، فسيتابع نائب المدير العقوبة على الأرجح، مما يجعل هذا الخيار محتملاً أن يكون الأوحد المتبقي أمامه للعودة إلى المعهد لاحقاً. تماما مثل المرتين السابقتين، صعد رولاند السلالم الحلزونية وصولاً إلى مكتب المديرة. هذه المرة لم تكن تتكاسل في المكتبة بل كانت تجلس خلف مكتبها.
كانت نظرتها فاترة إلى حد ما وبدت وكأنها تفحص ردائه الذي استاره من أريون بعد وقوع الحادث.
"جيد، خذ هذا. سأستدعيك عندما أحتاج مساعدتك، لذا احتفظ به معك طوال الوقت."
"أممم..."
أشارت نحوه بإصبعها، مستحضرة مانا تجسدت قريباً في جسم طائم متوجه نحوه. وحين اقترب، أدرك رولاند أنه شارة جديدة، تحل محل القديمة. لقد دلت على منصبه الجديد وربما منحت إمكانية الوصول إلى مناطق محظورة مسبقاً. ومع هذا الشعار الجديد، بات محتملاً أن يدخل كل أبراج السحر في المعهد بل وحتى فرض سلطته على رؤساء الأقسام إن رغب. كان منصبه الجديد فريداً حقاً، وبدا أن رئيسته الجديدة ليس لها مطالب واضحة فورية.
أمر بدا غريباً ومريباً للغاية. إضافة إلى الشعار الجديد، كوفئ رولاند أيضاً برداء سحر جديد كلياً. وعلى عكس تلك التي يرتديها المنفذون العاديون، جاء هذا بلون قرمزي لافت، معلناً عن مكانته المميزة. وُضعت تعاويذ مختلفة عليه بوسائل لم يكن مألوفاً بها.
"شكراً لك يا مديرة. سأحرص على أداء واجباتي بأفضل ما أستطيع، ولكن... هل يمكنك إعطائي تفسيراً؟ لماذا اخترتني لمنصب النائب وما الذي تتوقعينه مني؟"
وفي حين كان يتحدث مع حامل فئة مرعبة من المستوى الرابع ولم يرغب في التقصي كثيراً، إلا أنه احتج إلى إجابة أيضاً. كان هناك سبب لمنحه هذه الفرصة ولم يكن بحاجة سوى إلى دليل. ردت المديرة على استفساره بابتسامة مبهمة، وتألقت عيناها بلمحة تسلية.
"لقد أظهرت وعوداً يا مساعد... عذراً، الأستاذ النائب وايلاند. أما عما أرجوه منك... فلنقل فحسب، إن لدي بضع مهام في ذهني قد تستفيد من مواهبك الفريدة."
لم يستطع رولاند إلا أن يشعر ببعض الوجل من الرد الغامض الذي تلقاه من المديرة. بدا أن هناك ما هو أعمق في هذه الترقية مما تراه العين وأن كل الامتيازات تأتي كثمن. لم يكن واثقاً لِمَ هي واثقة إلى هذا الحد، فلو غادر المعهد الآن فلن يوجد دليل على عودته إطلاقاً. هل اكتُشِفَت صلته بشقيقته؟
"مفهوم يا مديرة. سأنتظر تعليماتكم. سأستأذن إذن..."
بإشارة إلوية من يدها، ألمحت المديرة إلى انتهاء حديثهما. بعد أن شق طريقه عائداً إلى غرفته، أخذ رولاند يفكر في خطواته التالية. كان بحاجة للحرص في مشيه، ولا سيما الآن وقد صار يحمل منصبا بسلطة أرفع داخل المعهد. وأياً ما كانت المهام التي تنويها المديرة له، توجب عليه مقاربتها بحرص والتأكد من أنها لا تعرض هدفه الحالي في حماية شقيقته للخطر، والذي صار الآن عصب مشاكله. فور مغادرة هذا المكان، ستُترك لوسيين وحدها بلا حماية.
ولم يكن شقيقه روبرت يرد، ولم يكن لديه أدنى فكرة عما إذا كان والده يعلم بالوضع هنا. لم يكن بوسعه سوى الأمل في أن يتركها النبلاء وشأنها بعد الحادثين الكارثيين، لكن الحياة لم تكن بهذه البساطة. وقف رولاند عند مفترق طرق بمسارين. قاده أحدهما إلى المنزل، بعيداً عن هذا المعهد وكل المتاعب التي جلبها النبلاء المقيمون هناك. وأشار الآخر في اتجاه أفراد عائلته ومسؤولياته كأستاذ نائب، ليورطه أكثر في شبكة السياسة والدسائس المعقدة داخل المعهد.
ودرى أن أياً من المسارين سيختاره، فستكون له عواقب. 'يجب أن أقرر الآن... أي مسار ينبغي أن أسلك؟' أمعن التفكير في النتائج المستقبلية المحتملة لقراره. كانت العودة إلى المنزل لإتقان أطرافه الصناعية الخيار الأكثر أماناً، لكنه كان قد بدأ بالفعل مسار عمل احتاج إلى تحمل مسؤوليته. استمر إحساس غريب بالواجب تجاه شقيقته في شد أوتار قلبه. باتت سلامة لوسيين مسؤوليته الآن وتركها عرضة لأهواء النبلاء لم يكن أمراً يمكنه تقبله...
'أظنّ أنه ليس قراراً كبيراً، ولكن كيف ينبغي لي التعامل مع هذا؟' اتُّخِذ قرار وكان لزاماً أن تتبعه خطة قريباً. إن مُنح هذا المنصب الجديد، فكان عازماً على استغلاله لصالح. لعل هذه المديرة كانت تعلم بالفعل برغبته في معارضة النبلاء ومنحته للتو الوسائل لفعل ذلك...