"أظنّ أن هذا سفي بالغرض..."
كان رولاند جالساً في غرفة مضاءة جيداً، تطلّ على المدينة المتلألئة. حتّى في هذه الساعة، كانت أصوات الناس تعلو بالصياح والحديث والمرح. أمّا هو، فكانت تشغله هموم أخرى. خرج إلى الظلام، وتجنّب عدداً من السكّرى، ونجح في توفير بعض أدوات الحدادة.
"هذه المطرقة كبّدتني أكثر ممّا تستحق. حتّى خارج المدن، لا مفرّ من هؤلاء الأقزام المخادعين..."
أمسك في يده مطرقة مصنوعة من معادن عادية. فضّل لو كانت من فولاذ الأعماق المقاوم، لكنّ هذه تفي بالغرض. لا تحتاج إلى الاستمرار طويلاً، فهو يريد إصلاح درعه فحسب. البنى الرونيّة التي تضرّرت جراء استخدام مهاراته لا تُستبدل إلّا بفن حدادة الرون. وثمة طريقة فعلية لإصلاح هذه الرون دون اللجوء إلى مهارة حدادة الرون العادية. يمتلك مهارة تتيح له ترقية الرون ذات الرتب الأدنى. لم يستعملها في خضم القتال لأنّها تستهلك قدراً هائلاً من المانا.
تلك المانا كان يحتاجها لدعم شعاع الموت الذي أنقذ حياته.
"نظرياً، لو جمعت بين ترقيع الرون وترقية الرون، لاستطعت إعادة الرون باستمرار إلى أعلى رتبة. شريطة أن تتوفر لدي المانا الكافية. على وضعنا الحاليّ، يمكنني فعل ذلك مرّتين على الأكثر مع هذا الدرع."
رغم ما يتمتّع به رولاند من مخزون مذهل من المانا بالنسبة لمستواه، إلّا أنها ستنفد لا محالة. استخدام كلتا المهاراتين على سيف رونيّ بسيط يختلف تماماً عن استخدامهما على الدرع الرونيّ المعقّد الذي يرتديه. يتألف الدرع من قطع رونيّة متنوّعة يجب محاذاتها بدقة شديدة. تستهدف المهارات البنية بأكملها لا القطع الصغيرة، ممّا يستهلك الكثير من نقاط المانا التي يحتاجها في معاركه.
"أظنّ الأساسيات تظلّ الأفضل."
كان في نزل لم يُبْنَ لمثل ما يهمّ به. حظّه أنّه احتاج فقط إلى تغطية الأرضيّة ببعض المعدن وحجب الصوت عن الخارج. وفّر له تعويذه القديمة التي استخدمها خلال ترحاله هذه الغاية. مع تفعيلها، لن يسمع أحد ضربات المطرقة الصاخبة على الدرع الرونيّ.
"لنشرع في العمل إذن."
رفع المطرقة عن الأرض ووضع أحد القفازات على قطعة فولاذ سميكة اشتراها أيضاً. لم يكن بحاجة إلى تفعيل مهارة التصحيح ليرى سوء حال هذه القطعة. دمرت مهارة الترقيع مسارات عديدة بل وحتّى بعض المكونات، وما نجاتها لتصبح مجرد صفيحة معدنية لامعة إلا معجزة. وبضربة قوية واحدة، جمع المانا المطلوبة وهوى بالمطرقة ليُدمج القفاز في المعدن. بدأت المسارات الخفية تتوهج بزرقة تمثل المانا الأساسية في هذا العالم وهي تتخذ شكلها.
شرعت الخطوط المترابطة التي اندمجت ببعضها في التفرق والعودة إلى هيئتها الأصلية. استغرق الأمر نحو ثلاثين قرابة النصف ساعة للانتهاء من القطعة الأولى، واستمر في العمل طوال الليل. بغياب المرفق والأدوات الملائمة، تعذر عليه إعانة المعدن على اللين، ولو حاول فعل ذلك هنا بمعاونة تعويذة نيران لأحرق النزل بأسره.
"أصطلع الصباح بهذه السرعة؟"
مسح رولاند العرق عن جبينه بعدما لمس شعاع ضوء يتسلل عبر النافذة. كان يوماً ساطعاً ومشمسّاً في الخارج بعدما واصل العمل طوال الليل بلا راحة.
"لكن هذا ينبغي أن يكفي..."
أطلق زفرةً وأمعن النظر في قطع الدرع المبعثرة على الأرض. لم يتسع الوقت لإعادة الدرع إلى شكله الأصليّ. كل ما باستطاعته فعله هو إصلاح الأجزاء الأكثر تضرراً التي قد تسبب له مشاكل جمّة إن حاول إطلاق تعاويذ. لكن الأمر لم ينتهِ هنا، فما زالت لديه مهارة ترقية الرون. ورغم أنه لا سبب يدعوه لاستخدامها على حدادة الرون العادية في موقف كهذا، إلا أنها ستألق الآن. تردد لحظة قبل استخدام المهارة.
وثمة مشكلة طفيفة فيها تتمثل في إمكانية فشلها. تكرار استخدامها قد يتسبب في تدهور البنية الرونيّة بدرجة أكبر. وما قام به من ترقيع كان لحماية الرون الأكثر تضرراً.
"لم أكن يوماً مولعاً بالعشوائية..."
قرر رولاند المضي قدماً في النهاية، فاستعاد المانا المفقودة بجرعة من جرعة طاقة. كان الدرع قطعة معدات رونيّة واحدة، وستتعامل المهارة معه بوصفه نظاماً مغلقاً واحداً. إن نجحت، فسترتفع رتبة طقم الدرع بأكمله. يتوقف هذا بأسره على عوامل شتى تضم مستواه وإحصائياته وحتى مهارات أخرى مرتبطة بالرون إضافة إلى الحظ الخالص.
"لدي محاولتان كحد أقصى..."
مثلها مثل أي مهارة سحرية ترفع رتبة أيّ شيء، تحمل احتمالاً للارتداد العكسي. تتيح له هذه المهارة محاولتين مجانيتين على الأكثر، مع انخفاض فرصة فشل الثانية بدرجة كبيرة. جرّبها مراراً وتوصل إلى أن تجاوز محاولتين يُعد أمراً بالغ الخطورة.
"طبعاً، تفشل في المحاولة الأولى..."
فعّل رولاند المهارة فأحاطت بالدرع هالة برتقالية. تحول هذا اللون تدريجياً إلى الأحمر إشارة إلى فشل المهارة. وعليه اتخاذ قرار الآن: أيوامرة بفشل ثانٍ يجبره على إصلاح الدرع مجدداً، أم يمضي حتى النهاية؟ أومأ برأسه قليلاً ومضى في المحاولة الثانية. بدأت الرون تتوهج بالبرتقالي قبل أن يعم الإشراق طقم الدرع بأسره. غير أن اللون لم ينقلب إلى الأحمر هذه المرة، بل تحول إلى أخضر.
وبالنسبة لرجل مثله يتبين الأثر والمسارات الرونيّة بوضوح، كان التغيير جلياً. من الرتبة العالية التي أفلح في إصلاحه إليها، انتقل إلى الرتبة القصوى بعد الترقية. ستكون هذه المرة الأخيرة التي يتسنى له فيها استخدام المهارة على هذا الدرع باحتمالية نجاح بهذا العلو. ثمة عدّاد خفيّ يسجّله نظام هذا العالم الشبيه باللعِب. ومثلما فعل مع كل مهارة يملكها، أجرى رولاند تجارب عدّة.
فحين كان يباعد بين الترقيات، لم يكن المؤقت ليزول، وبدت المهارة عرضة لمزيد من الفشل كلما تمادى في استخدامها. ربما لو انتظر عاماً أو أكثر لكان العداد قد أعيد ضبطه، لكن تأكيد هذا يبدو عسيراً. بعد فحص الدرع مرة أخرى، قرر ارتدائه مجدداً. ومع بزوغ الشمس، تأهب للعودة إلى الموانئ. وإلى جانب الأدوات، ظفر ببديل لرداءه الذي شهد أيّاماً أفضل. جعل درعه يبرز كالعادة، ولم يقوَ على المخاطرة بجذب الأنظار إليه.
وعلى هذا الأساس، غادر النزل الذي نزل فيه دون تناول طفح الصبح. كانت المدينة أهدأ بكثير في هذا الوقت من اليوم. وبحضور حياة ليلية ناشطة كهذه، لا بدّ أنهم يتبعون دورة مختلفة. غصّت الشوارع بالزجاج المكسور والسكارى الواقعين مغشياً عليهم بينما يتولى عمال المدينة رفعهم. وغالباً ما سينظف كل شيء قبل بدء الحفلة التالية.
"أعتقد أن هذا هو الرصيف المنشود..."
دوّن المكان الذي سترسو فيه السفينة التي ينبغي له ترصّّدها. لكنّه ليس العالم الحديث، فالسفينات لا تلتزم بجدول زمني تامّ. ذكرت المرأة فحسب أن السفينة ستصل صباحاً، لكن ذلك قد يستغرق بضع ساعات. وأثناء انتظاره، تذكر رحلته البحرية نحو هذه الجزيرة. كانت المرة الأولى التي يرتاد فيها البحر، بل وصادفوا وحوشاً أيضاً. إن حالفه الحظ السيئ، فقد لا تصل السفينة أصلاً، وربما سلبها القراصنة أو التهمتها مخلوقات بحرية ذات أذرع.
لذا، وأثناء انتظاره، لمح بسطة يطهو أحدهم عليها سمكاً. لقد غفل عن الطعام بسبب إصلاح الدرع فظل جائعاً. استنفد العمل طوال الليل الكثير من السعرات الحرارية التي استوجب تعويضها. وبعد تناول وجبة ملائمة، يُمنح تعزيز خفيّ يجللب منافع شتى، ممّا سيساعده أيضاً في استعادة ما فقد من مانا. كان المنظر مثيراً للاهتمام. عُلّق السمك على أسياخ ملائمة للحمل. وكان البائع يغمسها في سائل يشبه الزيت.
وإن طاب له المقارنة بعالمه القديم، لبدا وكأنه نسخة سحرية من مقلاة عميقة. لم يبصر أي فحم أو خشب مستخدم لتدفئة المقلاة الضخمة.
"لا يشبه الأغراض الرونية، ربما هو سحر منخفض المستوى."
بفضل حسه بالمانا، تمكن من رصد مقدار طفيف من المانا منبعث من البسطة. كانت مصدراً عجيباً للطاقة عوض الكهرباء في هذا العالم، ويبدو أنها رخيصة في مدن كهذه لدرجة تسمح حتى للباعة باستخدامها. لذا، أشار إلى أحد الأسياخ ليروي جوعه.
"تفضل بزيارتنا مرة أخرى!"
ابتسم العجوز إثر تسلمه قطعة الفضة الصغيرة من رولاند. ومع أن الطعام لم يكن زهيداً، إلا أن طعمه لم يكن سيئاً. بل كان أفضل في الواقع من الطعام المعتاد الذي صادفه في أنزال أخرى بهذا المملكة.
"لا تقمِ المرء من مظهره."
بلا شغل يشغله، وجد برميلاً فارغاً وأخذ يحدّق في البحر. سفينات عدّة تصل وأمثالها تغادر. يبدو أن هذا المكان يدار بحزم من قبل المسؤول. ولو تأخرت السفن، لخسر مالك البضاعة ماله لعجزه عن مواصلة تجارته. وهذا تناقض صارخ مع المدينة التي كان يعيش فيها. لا نظام هناك، فالأقزام والتجار يفعلون ما يحلو لهم. يمكنهم مضايقة الشركات الأخرى لإغلاقها وجعل كسب المال أمراً بالغ الصعوبة على أي شخص آخر.
أما هنا، فيبدو الجميع متنافسين على الزبائن. وبفضل ذلك، تلتزم البضائع التي يبيعونها بمعايير محددة.
"على الأقل فيما يخص الطعام، أما متاجر الأقزام فلا تخفض أسعارها كثيراً."
لم يدرِ رولاند ما يفعله الاتحاد، لكنه يحتكر تجارة الأسلحة والدروع في هذه الجزيرة. لم يرصد أي متجر لا يخضع لسيطرة الاتحاد، بل إن شعارهم مطبوع حتى على المتاجر التي يديرها بشر. وحسن الحظ أن أقزام هذه المدينة لا يعرفونه، مما مكنه من الحصول على أدوات إصلاح عتاده. وفي الأفق، أبصر مبنى أبيض مبهرجاً. برز كشوكة في العين ولم يتماشى مع عمارة المباني الأخرى. كانت كنيسة بيضاء ضخمة ذات حواشٍ ذهبية ترمز للشمس.
علت كل ما عداها، ورغم ذلك وُقِعت أقرب إلى أحياء العامة منها إلى أحياء النبلاء. تلك كانت بالطبع معبد كنيسة سولاريا. حظيت بموقع إستراتيجي بين الفقراء والأغنياء لتتلقى التبرعات من الطرفين. وبينما كان يحدّق في هذا المعبد، شرع يفكر في الطائفة وكيف جاء رد فعلهم على موقعهم بهذه السرعة واليسر.
"كأنهم كانوا في انتظار لورينا، لا بد أنهم لم يستقرّوا بعيداً عن هنا ليصلوا بهذه السرعة."
كان رد فعلهم أسرع من اللازم، فجمع هذا العدد من الفرسان رفيعي المستوى ومحقق بهذا المستوى يستغرق وقتاً. في ظن رولاند، لا بد أنهم ارتابوا في وجود أتباع الطائفة في هذه المنطقة وكانوا ينتظرون إشارة. وربما لم تكن لورينا العميلة الخفية الوحيدة التي تجوب الأراضي، بل كانت المحظوظة التي نجت من فخ وهم الطائفة. ولحسن حظه، لم تكثر المرأة من الأسئلة وسمحت له بالرحيل. أمّا المشكلة الوحيدة الآن فهي جدها الذي قد يفشي السر لأبيه إن التقيا صدفة.
ولهذا السبب، وجب عليه العودة للمنزل بأسرع ما يمكن والنزول مجدداً إلى الزنزانة. قد يعود أبوه أو حتى الطائفة طلباً للثأر، وعليه التأهب لمثل هذا الاحتمال مهما ضئل.
"أهذه هي؟"
بعد فراغه من طعامه، لمح أخيرًا سفينة تقترب من الرصيف. كانت سفينة شراعية متوسطة الحجم تبدو وكأنها مرت بأوقات عصيبة. لحقتها أضرار هنا وهناك كأن شيئاً ضربها بعنف. ومع ذلك، كانت تتقدم والأسئلة سليمة وتعمل بانتظام.
"انتظر... ألم أرَ هذه السفينة من قبل في مكان ما؟"
وهو جالس هناك، ضيّق عينيه. بدت السفينة أكثر تهالكاً لكنها تطابقت مع تلك التي في ذاكرته. حين قدم إلى هذه الجزيرة قبل كل تلك السنين، أقلّته سفينة شبيهة. ألعبرها هي نفسها أم مجرد نموذج مصنع جماعياً يتطابق معها؟ تشابهت سفن الميناء الأخرى مع بعضها كثيراً أيضاً، لذا فالأمر وارد. لكن ما إن رسا حتى اتضح بجلاء أنها السفينة ذاتها التي نقلته إلى ألبروك. وكان العامل المؤكد صدراً كبيراً بارزاً يصعب نسيانه حتى اليوم.
كان لامرأة ترتدي قبعة ثلاثية الزوايا وتقف خلف مجموعة بحارة متأهبين للنزول.
"تحرّكوا أيها الكسالى، أريد إخراج كل هذه البضائع من هنا مع نهاية اليوم."
"ولكن أيتها القائدة، الجميع تعب فما مانع أن نأخذ استراحة قصيرة؟"
امرأة سمراء ضخمة تحمل ندبة على شكل صليب على صدرها كانت تصيح بأحد البحارة. ممّا التقطه، كانت القائدة هنا، وإن صحت ذاكرة رولاند، فقد ارتقت في مراتب العالم. سلفاً، لم تكن سوى مساعدة أولى، مما يعني أن القائد القديم إما تقاعد أو توفي لترث السفينة عنه. استدعى هذا أيضاً جزء التحرش الجنسي من الرحلة السابقة. كانت المرأة تميل للرجال الأصغر سنّاً وتفرض نفسها بقوة. وحسن أنها لم تتمادَ، فتمكن من قضاء الرحلة إلى ألبروك دون التعرض لاعتداء.
ويبدو أنه سيضطر لوضع نفسه في مرمى النيران مجدداً، لكن ربما نضجت مع العمر كسائر البشر.
"عذراً، سمعت أنكم تقبلون مسافرين، وأود الذهاب إلى فيتا إن امكن؟"
وما إن شرع البحارة في تفريغ الأحمال حتى بادر بالسؤال. إن تبين أن السفينة متوجهة إلى فيتا، فسيتعين عليه تعديل خططه. وبوقوف القائدة هناك، كانت تلك أفضل وسيلة للحصول على معلومات.
"من لدينا هنا، مغامر؟ أتريد الإبحار على متني؟"
كان رولاند رجلاً ضخماً، ولم يزده الدرع إلا ضخامة. والرداء الداكن الذي أخفاه تحته جعله يبدو كمن يفتعل المشاكل. ولهذا السبب، خالف إحدى قواعده وقرر عدم التجول بخوذته. بدلاً من ذلك، غطى وجهه بغطاء الرأس، لكن عند الاقتراب منه، كان وجهه يبدو بوضوح.
"نعم، كم ستكلف..."
"أنت محظوظ أيها المشاكس الشاب، فلن تكلفك الكثير..."
لسبب ما، وما إن لمحت المرأة وجهه حتى ابتسمت. ومع ذلك، لم يكن هذا أسوأ ما في الأمر، إذ سمع فجأة صرخة حادة تنطلق من السفينة تلاها هبوط أحدهم بقفزة. وما أبصره كان امرأتين شابتيّن تشبهان القائدة في الهيئة ومفاتن الجسد العلوية.
"أختي الكبرى عمَ تبستمين، دعيني أرَ."
"ما شأنكما أنتما الاثنتان تصرخان هكذا؟"
اتجهت الاثنتان صوب الحوار الدائر بينه وبين قائدة السفينة وأحاطتا به من كل الجهات. تركزت نظراتهما على وجهه المغطى جزئياً ودرعه اللامع.
"أأنا في خطر؟"