صانع الرون: حدّاد العوالم الفصل 222 — لا أحد يتوقع محاكم التفتيش السولارية

اقرأ صانع الرون: حدّاد العوالم الفصل 222 — لا أحد يتوقع محاكم التفتيش السولارية باللغة العربية على مانجا تايم.

"أأنا المقصود؟"

لو كانا في رسم هزليّ لظهرت علامة استفهام ضخمة فوق رأس رولان. كان العجوز ببنية والده نفسها لكنّه أطول قليلاً. خلوٌ من الندوب. غير أن نظرةً ما في عينيه منحته هيبة محارب محنّك خاض معارك طاحنة ضد الوحوش والبشر على حد سواء. فارق مستويات واضح بينهما عجز رولان عن رصده بمهارة التحليل. تبيّن بوضوح أنه يملك قطعة تخفي حالته، تماماً مثل تلك المرأة التي التقاها في القرية. 'انتظري، أذكرتني لورينا أمام هذا الشخص؟'

كان هذا الجواب الوحيد الذي أمكنه التوصل إليه. بالادين عالي المستوى يخصه وحده كأنه يعرفه. لعلّ الرسائل السحرية التي أرسلتها قد وصلت إلى يديه. والسؤال هو ما احتوته تلك الرسائل، أأثنت عليه، أم إنه على وشك الوقوع في قبضة الكنيسة؟

"أيها الشّاب، أست أنت المدعو وايلاند؟"

بينما كان عقل رولان يتسابق لفك أواصر دوافع هذا الرجل، بلغ البالادين مكانه مباشرة. بدا جنود المدينة منزعجين، لكنهم تراجعوا فور إلقائهم نظرة واحدة على الرجل. كان خطراً بمستوى محقق بالنسبة إليهم. لا أحد يستطيع معارضتهم سوى نبيل حقيقي. في هذا العالم من الخيال والسحر، كان السحرة الأشرار والساحرات والطوائف الظلامية واقعاً ملموساً. وكان لزاماً على الفرسان المقدسين والكهنة وضع حد لأفعالهم الدنيئة.

تُطارد السحرات اللواتي يؤدين اللعنات الشريرة، وتُستأصل الطوائف، ويلقى كل من تطوعه نفسه لمساعدتهم المصير ذاته. إن عثر محقق على شخص متواطئ مع ملحد، فضاعت حياته لا محالة. حتى جنود المكان هنا أدركوا أن كلمة واحدة من البالادين كفيلة بتحويل عالمهم إلى جحيم.

"هذا صحيح، أنا وايلاند..."

أجاب من دون خيارات تُذكر. حضور الرجل كان مهيباً حقاً. إن قارنه بالمخلوق الذي واجهه حديثاً والمرأة من الفئة الثالثة التي التقاها، فلحضور هذا الشخص تفوق ساحق. كان الأمر أشبه بمفترس ضخم يحدق فيه مستعداً لتهشيم رأسه بينما عجز عن الفرار.

"انزع خوذتك."

"تريدني أن أنزع خوذتي؟"

"نعم."

إن كان ثمة ما يثير قلق رولان حقاً، فهو نزع خوذته وإظهار وجهه لأشخاص لا يعرفهم. سنوات طويلة انقضت منذ الحادثة القديمة مع عائلته، غير أن هذه الخصلة لازلته. كان يعمل على تجاوزها ببطء، ومع ذلك، ظل يغطي وجهه جزئياً بقلنسوة حتى في المدينة التي يعيش فيها.

"كيف تجرؤ على جعل المحقق يعيد كلامه!"

قادته عيبته الشخصية المتعلقة بعدم تمييز من هم فوقه إلى إحداث جلبة. أحد الفرسان ذوي الدروع البيضاء البراقة المرافقة لهذا العجوز لم يستسغ رد المغامر الوضيع المتبجح. استطاع رولان رؤية الرجل يمد يده نحو سيفه مستعداً لضربه حتى الموت. لحسن الحظ، رفع العجوز الذي اتضح أنه محقق حقيقي يده، مما دفع الفرس لکفّ صراخه والتراجع. كانت تلك فرصته لإبداء بعض الاحترام، فقرر الانصياع للطلب مرغماً.

لا سبيل للفرار، وإن طلب محقق مخيف شيئاً، فالاستسلام هو الخيار الأرجح.

"همم...؟"

التقت عينا العجوز بعيني رولان فوراً. ظن لوهلة أنه ينظر إلى وحش ما. شعور صعب الوصف، لكنه استطاع استشعار الهوة الساحقة بينه وبين العجوز حتى من دون مهارة التحليل، وكأنها محيط شاسع. شعر بشيء شبيه بضع مرات في حياته؛ مرة حين التقى أعضاء طائفة الفئة الثالثة الذين كادوا يقتلونه، وأخرى عند مواجهة ملكة النمل من الفئة الثالثة. 'أيمكن أن يكون هذا الشخص فوق الفئة الثالثة؟' توهجت عينا الرجل ببريق ذهبي أشعل النمل في عموده الفقري.

بدأت ركبتاه ترتجفان وأحس برغبة عارمة في الجثو. غير أنه تراجع خطوة إلى الوراء فتمالك نفسه وصمد. الفئة الثالثة هي الحاجز الذي حاول رولان عبوره. كان هذا أحد الأسباب التي دفعته إلى خوض مغامرته القصيرة هذه للارتقاء بمرتبته. فرتبة مغامر أعلى، وإن لم تكن بكثير، ستساعده في بلوغ هذه الغاية. اعتبرت تلك الخطوة الأولى نحو دخول عالم النخبة وقوة كافية للمشي مرفوع الهامة. مع ذلك، لم تكن تلك النهاية.

فقد وجدت مستويات وعوالم من القوة تفوقها. قليلون استطاعوا اجتيازها، بيد أن هناك ثلة صغيرة من الأسياد بلغوا الفئة الرابعة. تماماً كباقي الفئات، تضاعفت الشروط، فبدل خمسين مستوى، احتاج المرء إلى مائة مستوى لبلوغ أقصى الفئة الثالثة. إن كان هذا الرجل حاملاً لفئة رابعة فعلية، فهذا يعني أن مستواه بلغ ثلاثمائة وواحداً وخمسين في الحد الأدنى. إنجاز يعجز صاحب فئة قتالية عن بلوغه بسهولة دون خوض معارك لا تحصى والنجاة منها.

ومع ذلك، لم يتبدد شعور الهوة الساحقة بينهما. أيكون هذا الشخص وحشاً إلى هذا الحد؟

"هوه؟ مثير للإعجاب."

هتف الرجل مقترباً أكثر. ومما أثار دهشة رولان، أنه بعد تحديق العيون المتبادل الذي لم يكسره، بدأ درع الرجل يتوهج. شابه هذا التوهج توهجه الخاص، وأعقبته رموز سرية شبيهة بالرون تضيء على ذلك الدرع الذهبي. تشكل هذا الأثر السحري سريعاً ليحيط به وبالمحقق في فقاعة سحرية صغيرة بدت مصممة لحجب أعين المتطفلين من الخارج.

"ليس سيئاً. أظن أن الأمر منطقي إن كنت تربطك صلة قرابة بهذا الوغد العجوز."

"هاه؟ وغد عجوز؟"

اقتراب الرجل ذي الدرع البراق ووضعه يده على كتف رولان المدرعة. بدا في البداية وكأنه يريد مساعدته على النهوض، لكنه عوضاً عن ذلك سدد له صفعة أطاحت به أرضاً.

"يجب أن أشكرك على حماية حفيدتي الغبية. أخبرتها بتوخي الحذر عند التعامل مع أولئك الأوغاد من أتباع الطائفة، فهل تسمع كلام عِجْزِها؟"

اهتز درعه بعنف حين اصطدمت كف الرجل الضخمة به. شعر كأنه ضرب بمضرب بيسبول. لولا أنه حامل لفئة ثانية عالية المستوى لتعرض كتفه للكسر أو الخلع فوراً.

"حفيدة؟ أ-أتعني لورينا؟"

"هي بذاتها! تلقيت رسالتها فهرعت! قالت إن رجلاً مرتدياً درعاً ساعدها، ويا لصدفة أن يكون شخصاً مثلك! قل لي أيها الفتي، كيف حال ذلك الوغد العجوز وينتورث؟ أأنت ابنه؟ أم حفيده لعلّك؟ تشبهه حقاً، ولكنه لش حسن الحظ لست بقبح النصف منه، هو هو هو!"

بدا الرجل ثرثاراً بلا سبب وبدأ يضحك كأنه عجوز سمين يرتدي الأحمر. غير أن ذكر اسم واحد بعث عقل رولان في دوامة. وينتورث كان اسم والده. وبما أن هذا العجوز كان يشير إليه باسمه بل وينعته بالوغد العجوز، فلا بد أنهما صديقان قديمان.

'أهذا رفيق حرب قديم لـ «والدي»؟

سيء هذا... أسيحاول جبيلي إلى الضيعة؟ انتظر... لعلّه لم يرَ سوى لقبي لكنه لا يعرف هويتي حقاً...' بات واضحاً أن محقق الكنيسة هنا قد اطلع على صفحة حالته. كانت هذه المرة الأولى التي تخلفه فيها القطعة السحرية التي تلقاها من الجِزْم. كان عليه الحسبان بأن اسمه الكامل رولان آردن صار معلوماً لديه. بدا الرجل متعرفاً على ملامح وجهه المشابهة لوالده أيضاً، مما صعّب عليه تفادي هذا الظن.

الادعاء بأنه ينتمي لعائلة نائية سيغدو عسيراً إن بدا شبيهاً بوينتورث آردن. غير أن هذا جلب سؤالاً آخر إلى عقل رولان: أعليه حقاً الاكتراث إن عثر عليه والده في هذه المرحلة؟ لقد سلك بالفعل درب صانع الرون الذي سيستحيل عليه معه صيرورة فارس. أسيُجبر حقاً على التخلي عن منزله الحالي؟ إنه الابن الرابع الوضيع لبارون لا قيمة تذكر له. عادة، كان مصيره الانضمام إلى أكاديمية الفرسان شأن شقيقه الأكبر روبرت.

ليغدو هناك جندياً يكسب الأمجاد ببطء وينتهي به المطاف مرغماً على الزواج من ابنة تاجر أو نبيل مغمور لكسب علاقات أفضل. لكن بوضعه الحالي كصانع رون، سيستصعب المضي في هذا الدرب. يفتقر إلى التدريب السليم في مجال العلاقات النبيلة، لذا فرجح أن عائلته تفضل إخفاء وجوده عند هذه النقطة. لن يكون غريباً إن تركوه في قرية منسية تماماً كما أُبعد آرثر فاليريان.

"قليل الكلام؟ تشبهه حقاً... رولان أليس كذلك؟ أكان هناك فرخ يحمل اسماً كهذا أم لعلك..."

بينما كان رولان يشغل ذهنه بصياغة ردّه، واصل الرجل حديثه. بدا وكأن المحقق توصل إلى استنتاج ما قبل حتى أن يجيب، إذ عاود صفْع كتفه من جديد.

"أهكذا إذن! يا له منغشوم! لا بد أن الأمر كان شاقاً عليك!"

"هاه؟"

"التفكير في أن ذلك الوغد يجوب المكان مخلفاً مزيداً من النسل فوق ما لديه، إنه غول حقاً!"

"مم... ماذا؟"

كلما تمادى الرجل في حديثه كلما زاد ارتباك رولان. لسبب ما، امتلك عضو الكنيسة رفيع المستوى الذي يواجهه خيالاً جامحاً. ودون تذكر أطفال وينتورث، افترض أن رولان ابن غير شرعي وُلد خارج زواج. لم يكن هذا بالأمر النادر إذ خلّف كثير من النسل نبلاء تركوهم يواجهون مصيرهم في العالم. جعل هذا وينتورث آردن يبدو سيئاً، غير أنه مثّل حلاً جيداً للموقف.

"لا تقلق أيها الفتى، حين ألتقي والدك سأحرص على..."

"أرجوك لا تفعل!"

بدأ العجوز يهز قبضته أثناء حديثه، لكن رولان صرخ ليوقفه قبل أن يسترسل. لم يرد لهذا الرجل المخيف الذهاب إلى والده؛ فمجرد ذكر اسمه سيكشف سره. ورغم أنه لم يعد يخشى لقاء والده العجوز كما كان في الماضي، ظل هذا أمراً يود تأجيله قدر الإمكان. الأفضل أن يحدث بعد بلوغه مرتبة الفئة الثالثة حيث لن يكون عرضة للتنمر بسهولة.

"أهكذا؟ يبدو إذن أنك لا ترغب في أن أحدث ذلك الوغد أباك، حسناً جداً! سيفعل هذا العجوز ما تشاء!"

"آه؟ نعم، شكراً لك."

خلافاً لتوقعاته، سارع الرجل إلى قبول المقترح، ومع ذلك لم يكن رولان متأكداً مما سيحدث إن التقى والده يوماً. ما مدى عمق علاقتهما وكم مرة تلامساً. كان الرجل محقق كنيسة رفيع المستوى يمكنه حتى إصدار الأوامر لجيوش النبلاء. ربما لم يملك الوقت الوفير للثرثرة، ولم يستطع تخيل كيف سيستمتع والده الصارم بصحبة ثرثار مثله.

"عليك المعذرة أيها العجوز، لقد أعاد اسمك ذكريات قديمة منسية. ما أردت سؤالك عنه لم يكن نسبك بل طائفة الهاوية. رسالة لورينا ألقت الضوء على أمور عدة، لكنني أود سماع سردك أنت للحدث."

"حاضر سيدي."

"سيدي؟ نادني بارثولوميو فحسب."

"مم، سيدي بارثولوميو إذن..."

"هو هو، فليكن ما تشاء إذن."

بعد تلقي مزيد من الصفعات على كتفه المسكينة التي بدت على وشك الانكسار، سرد رولان مجريات الموقف. كانت حكاية شديدة الشبه بما أخبر به لورينا، لكنه بدا هذه المرة أكثر توتراً بكثير. ومع تصرف هذا الرجل كجد لطيف، جاز أن يكون ذلك كله تمثيلية. كان محققاً أيضاً يمتلك خبرة على الأرجح في استجواب البشر، فلربما كشف كذبه إن حاول. تفادى هذا عبر صياغة جمله بحيث يتعذر الإمساك به كاذباً.

فبدل الإشارة إلى مهارة تنقيحه، أكد فقط عثوره على الرون الأساسي لتعطيل الوهم. اكتفى جد لورينا المزعوم بالهز برأسه طوال الوقت حتى أنهى القصة.

"أرى ذلك، لا بد أن أشكرك مرة أخرى! لكن يجب علي أيضاً مطالبتك بإبقاء الأمر طسماً."

"بالتأكيد."

"لم أظن أني سألتقي فتى مثلك هنا. مكافأة تفرض نفسها، لكنني لم أحمل معي شيئاً يستحق..."

"إن سمحت لي بالكلام؟"

"تفضل، أفي جعبتك شيء ما؟"

"نعم، إن كانت مكافأة... أيمكنك إبقاء تورطي في هذا الحادث سراً؟"

"هوه، لا ترغب في ذكر اسمك؟... فهمت، حسناً جداً."

اغتنم رولان الفرصة ليطلب معروفاً صغيراً. لم تكن الثروة ما يبتغيه، لكن إبقاء اسمه بمعزل عن السجلات قد يضمن سلامته مستفبلاً. أدرك بعد لقاء هذا الرجل أن هذه الحادثة قد تكون أكبر مما توقع. قد تحيل هذه المنطقة بأسرها إلى ساحة قتال إذ لن يسمح أتباع الطائفة للكنيسة بالاستحواذ على أثرهم قط.

"كان حديثاً طيباً، لكن ينبغي لي المضي في طريقي الآن. ثمة حيات يجب العناية بها من هؤلاء الأفاعي المنتمين للطائفة!"

لم يكن رولان متأكدأ من أي حديث تحدث عنه، فقد كان مجرد ثرثرة أحادية الجانب من العجوز. وحتى حين حاول سرد مجريات ما حدث، قاطعه مراراً. لحسن الحظ، بدا أنه في أمان من الاعتقاد للاستجواب مجدداً مع إزالة الفقاعة من حولهما.

"جميعاً، نحن راحلون!"

عاد بارثولوميو أدراجه نحو حصانه بينما لزم الجميع الصمت. عاد فرسان الكنيسة إلى صفوفهم متوجهين نحو المنطقة التي قامت فيها القرية التابعة للطائفة. وقبل المغادرة، حدث انعطاف سعيد آخر إذ لم تكن تلك نهاية أوامر الرجل.

"تنتمي لحرس المدينة، أليس كذلك؟"

"ن-نعم سيدي المحقق."

نادى زعيم الفرسان الذين قدموا أولاً.

"سترافقنا، نحتاج إلى مزيد من الرجال الأكفاء لمقارعة هذه الآفة."

"لكن اللورد أمرنا بأن..."

"أَتَجرؤ على رفض أمر المحقق؟"

انكمش الفيسان الحاضر هنا بسرعة حين التفت نحوه الفارس الكنيسي نفسه الذي صرخ في وجه رولان سابقاً. امتلك بارثولوميو سلطة إجبار قوات كهذه على التحرك بمحض إرادته.

"لا أجروء! لكن ماذا عن هؤلاء..."

"لا ينتمون للطائفة، لا أشعر بأي حضور للهاوية هنا، دعوهم يعبرون."

ارتدى بارثولوميو خوذته، وبعد إلقاء نظرة سريعة في اتجاه رولان. تركزت عيناه على الشاب للحظة قبل أن يشير لحصانه بالتقدم. استأنف هدير الحناجر خبط الحوافر بينما خلا المكان بأسره، حتى المرتزقة والمغامرون المأجورون تعقبوا فرسان الكنيسة الذين تصدروا المشهد هنا.

"وايلاند... ماذا... كيف؟"

انتهت الورطة وتجمهر المغامرون حول رولان فوراً. شرعوا جميعاً في الصراخ وطرح الأسئلة. كيف أمكن لمغامر مثله خطف أنظار محقق؟ بدا الأمر محيراً بالنسبة إليهم، غير أنه لم يختلف كثيراً لدى الرجل نفسه. 'ما الذي حدث للتو هنا...' لم يسع رولان سوى هز كتفيه لعدم درايته بكيفية رد الفعل. أكان مفترضاً به أن يصدم، أو يتوتر، أو يطمئن لأن المحقق المخيف لم يحرقْه على الوتد؟ شيء واحد أكيد، لقد احتاج للخروج من هنا سريعاً والعودة لمنزله...