صانع الرون: حدّاد العوالم الفصل 157 — ضيافة السوق السوداء

اقرأ صانع الرون: حدّاد العوالم الفصل 157 — ضيافة السوق السوداء باللغة العربية على مانجا تايم.

وجد رولان نفسه وجهاً لوجه أمام فرد من عائلة شعب الجرذان. يُعرف هذا الشعب من أشباه الجرذان الواعية بعيشه تحت الأرض وتهربه من الشمس. لم يكن عددهم كبيراً هنا وهناك لكنهم حضروا حيثما حلّت السوق السوداء. كانوا بمعظمهم تجاراً مهرة في التخفي. تمركز أغلبهم حول الاختوار ممّا سمح لهم بالتسلل خلسة عبر الليل دون أن يلاحظهم أحد. لم تؤهلهم أجسادهم ليكونوا خير المحاربين بل برعوا في الخداع والتجسس.

جمعت العديد من نقابات المعلومات علاقة طيبة بهم لمهارتهم الفائقة في التجسس. أتاحت لهم مهارات السمع المعززة التقاط شتى المحادثات في جنح الليل دون أن يشعر بهم أحد. لم يكن مفاجئاً أن ينجح رولان في إيجاد أحدهم هنا غير أن الحصول على سعر مناسب ظل أمراً قابلاً للنقاش.

— نعم، سبائك الفضة العميقة وتلك من الدوريوم...

بكم؟

— البشري يملك عيناً للتميز!

سكييك سيمنحه سعراً مرضياً! خاض رولان عبر سنين عيشه في هذا العالم تجربة عدة متاجر أيضاً. لم يختلف المساومة كثيراً رغم كون هذه السوق سوداء. نجح بعد أخذ وجذب في خفض سعر السبيكة ليصل إلى عشرة بالمئة فقط فوق سعرها الطبيعي في السوق. لم يكن ليقبل عادة بأي مواد تتجاوز سعر السوق لكنه لم يمتلك خياراً حقيقياً. استطاع الآن إما المصافحة والدفع وإما مواصلة التطلع بحثاً عما إن كان تجار آخرون سيمنحونه سعراً أفضل.

قد يرتد هذا عليه بصورة عكسية بالطبع إذ قد يعمد هذا الجرذ إلى رفع السعر أكثر إن غاب تجار آخرون يبيعون سبائك المعادن. كانت هذه تراتيجية أساسية لكل التجار. راقبوا الزبائن المحتملين لمعرفة مقدار ما يستعدون لدفعه. لم تكن هذه السوق واسعة لذا لن يصعب استنتاج مجيئه من أجل مواد الصناعة.

— هذا أقصى ما سيصل إليه سكييز، أأنت مشترٍ؟

— حسناً، اتفقنا.

قرر رولان هذه المرة تلقي ضربة طفيفة في محفظته. شرع يسأل بضعة أسئلة بينما يحصل على بعض الموارد. لم يحصل إلا على زوج من السبائك وبعض الخامات ولن يكفي هذا هو وبرنير لإنتاج الكثير. احتياجه الأساسي تمثل في إمداد مستمر من هذه المعادن لا مجرد سبيكة عشوائية هنا وهناك. باكر الوقت قليلاً لعقد صفقة طويلة الأمد مع أول شخص يعقد معه أعمالاً. استحسن مراقبة هذا المكان لمعرفة كيف تتذبذب الأسعار.

سيمكنه بما ناله اليوم صنع بضعة أغراض تجلب سعراً جيداً. حاول اتحاد الأقزام منعه من البيع غير أنه لم وتأكد إن كان بمقدورهم رشوة الجميع أو ابتزازهم. لن يكون غريباً إن عثر على تاجر مناسب يرضى بأخذ بعض مخزونه وبيعه في مدينة أخرى. تمثلت خياراته الأخرى في فعل ذلك هنا بالسوق السوداء ثم استغلال متجره الخاص ليجني أعلى الأرباح. اشترط إنشاء المتجر امتلاك الأرض المقام عليها أو استئجارها حصراً.

أدار الاتحاد أعماله بطريقة مشروعة حسب ما بدا له. استعانوا بأسعار تقصي خصومهم عبر تكتيكات عدّوها قانونية. أكد برنير هذا الأمر أيضاً. تميز الأاقزام بقليل من التعالي وامتنعوا عن استخدام القوة للتخلص من المنافسة. هكذا لم يكن متوقعاً أن يرى بلطجية مؤجرين يزورون متجره ليعبثوا به. عمدوا على الأكثر إلى تشويه صورته عبر محاولة الحطّ من حرفته. لم يبلغ ذلك مبلغ السهولة لحسن حظه إذ انتشرت أسلحته الرونية بالفعل في ألببروك.

صنعت يداه بعض الأسلحة والدروع التي سُلّمت إليه لأجل الإصلاح. قضى رولان ما تبقي من وقته متفقداً السوق السوداء بعد حصوله على بعض المواد التي احتاج إليها. بدت هذه سانحة طيبة لتتألق مهاراته التحليلية والرياضية. استهل بساعدتها تمييز البضائع المعروضة للبيع إلى جوار أسعارها. أتاحت له إحصائية الذكاء المرتفعة تذكر أسعار السوق الحالية بيسر ومقارنتها بتلك البضائع. توقع وجود زيادة ما في الأسعار عن المعتاد لكنه تفاجأ بوجود أصناف عديدة دون ذلك الحد.

تعددت الأسباب المرجحة لتلك الأسعار وكان أحدها ما إن كانت مسروقة أم لا. بيعت البضائع المسروقة بثمن بخس وربح التجر مع ذلك. تخلص اللصوص من أغراضهم غالباً ببيعها لهؤلاء التجار بسعر زهيد وانعكس ذلك على قيمتها هنا بحسب الاتفاق. لمح رولان عدداً من التجار الآخرين القادرين على تزويده بمواد الصناعة إلى جانب شخص الجرذ. لم تتباين الأسعار كثيراً لوعي الموجودين هنا بما يمكنهم الإفلات به.

تمثلت المشكلة الكبرى في تأمين تدفق ثابت للمواد. سبب التنقل بين ثلاثة تجار يساومون باستمرار لرفع الأسعار صداعاً. ظل الأمر قابلاً للنقاش عما إذا تمكن حقاً من إيجاد مورد ثابت ومناسب.

"أظنني ذاهب إلى المنزل."

كون رولان فكرة واضحة عن هذه السوق السوداء عقب مروره على جميع البائعين وبضائعهم. برز تركيز جليّ على الأسلحة المشبوهة إذ بيعت الخناجر والسموم كصفقة جماعية. لربما استطاع بيع أدوات اغتيال كالخبز الساخن هنا لو أفلح في ابتكار رونية سموم من نوع ما. نظر حالياً بريبة إلى أحد أكشاك الرماة الذي حوى سهاماً مغموسة في سائل مشلول. استلزم صنع السهام الرونية خشبا خاصا موصلا للمانا لكنه أمكنه الحصول عليه فعلاً.

تواجدت في قاع الزنزانة أشجار خاصة قادرة على الصمود بوجه البيئة الحارقة المتقدة. صنعت منها سهام قادرة على إطلاق تأثيرات سحرية. غفل عنها سابقاً لقدرته اليسيرة على استغلال صلات النقاب لابتكار سيوف رونية تُباع بأثمان أعلى. استطاع الآن من جهة أخرى اتخاذ ذلك عملاً جانبياً إن قرر يوماً طرح سلعته في هذه السوق. تطلب الأمر تفكيراً أعمق لعدم تأكده من رغبته في استخدام أحد إبداعاته لقتل الأبرياء.

صُنعت أسلحته ودروععه بالأساس بقصد قتال الوحوش. لكنه لم يخدع نفسه بالظن أن مستخدميها سيقصرونها على الغرض المنشود. سيتفاجأ إن لم تُستخدم بعض لائفافه الرونية بالفعل في إزاحة أرواح بريئة بدلاً من ذلك. شرع يتأمل الحاضرين أثناء تفكره فيما ينبغي فعله. علت جلبة خفيفة إذ ساوم التجار والزبائن بعضهم بعنف.

"الأمر أكثر هدوءاً مما توقعت."

حافظ رولان على حذره لكنه أدرك بعد عبور "السوق"

بضع مرات عدم اختلافه كثيراً عن سطح الأرض. قلّ اللصوص هنا بصورة مدهشة مقارنة بالفوق. بدا أن هؤلاء القوم لم يسرقوا بعضهم البعض على الأقل. استخدم أيضاً مهارة التحديد على الحاضرين. وضع أغلبهم حُليّاً مشابهة لخاصته حجبت عنه رؤية أسمائهم بينما غاب ذلك عن آخرين. أكان هذا مجرد حاجز بين من امتلكوا نقوداً أكثر أم وثقوا بعدم وشاية أهل المكان بهم؟ عُرفت بعض الشهامة بين اللصوص بحسب خبرته المحدودة وما نقله المغامرون الآخرون.

امتنع اللصوص ظاهراً عن سرقة بعضهم عند التواجد هنا سفلاً كما امتنعوا عن الوشاية ببعضهم لحراس المدينة. سوّوا خلافاتهم بطريقتهم الخاصة إن نشبت بينهم مشكلة. بدا انعدام ثقتهم في السلطات المسيطرة على مملكتهم ووجود نسختهم الخاصة من الملك أيضاً أمراً واقعاً. انتشرت نقابات عديدة عبر هذه المملكة وغيرها. جلس على القمة قائل يُدعى ملك الظلال لم يُعرف شخصه قط. عُدّ العضو الأقوى بنقابة اللصوص وبدا شبيهاً بأصحاب الفئات العليا في البلاد.

ظل الأمر محط تكهن إن صح ذلك أم كان مجرد أسطورة لضبط اللصوص المتمردين. لربما نال إجابات إن أقام هنا لفترة أطول. انتهى به المطاف سريعاً بحيازة خريطة توضح مواضع الخروج المتاحة. لم تكن مرسومة بإتقان لكن قراءتها اتسمت باليسر الشديد. ظهر جلياً تصميمها بعين البساطة إذ رُسمت المخارج بدوائر حمراء والنهايات المسدودة بإشارات خطأ حمراء. تواجدت نقابة اللصوص سفلاً رغم كون هذا حيز السوق السوداء فحسب.

لمح رولان نفَقاً يتجه نحو وجهة واحدة حرسه عدة أفراد بهيئة بلطجية. سمحوا للناس بالدخول أحياناً لكنه لم ير أحداً يغادر قط وبعثوا دائماً بهالة عدائية عند الاقتراب منهم.

"لعلّه موضع تشييد نقابة اللصوص... أو ربما مستودع البضائع المسروقة؟"

حسن معرفة ما وراء ذلك الممر رغم عدم استعجاله نحو الموت. حان وقت المغادرة فتتبع الخريطة صوب أقرب نقطة خروج. استغرق استيعابه لمسار الخروج لحظة إذ تواجدت أنفاق لولبية كثيرة أربكت القادم لأول مرة رغم سهولة الخريطة. شرع بالمشي عقب دخوله النفق. واصل التقدم نحو وجهته بخطى بطيئة. لاحظ بعد خمس دقائق من السير أمراً أقللق هواجسه.

"يتبعني أحدهم..."

خشى حدوث هذا منذ نزوله إلى السوق السوداء. كانت هذه تجربته الأولى وافتقر إلى صلات حقيقية. حذره رئيس النقابة من احتمال وقوع أمر مماثل حال بروزه أكثر من اللازم. أرسل قضاء وقت طويل في تفقد جميع تجار السوق السوداء إشارة واضحة على ظهره. لم يصعب انتقاء شخص خارج نطاق بيئته. زاد الأمر سوءاً كون المحيطين به لصوصاً مدربين عملهم سلب الناس. زاد رولان من سرعته بعد إدراكه لتعقب أحدهم إياه.

سيُجبر على القتال سفلاً إن استطاع بلوغ المخرج بينما يعجز الملاحقون عن فعل شيء. أمكن أن يكون شخصاً متجهاً نحو المخرج ذاته أيضاً. ارتدى طقماً من درع نصف صفيحي روني تحت هذا الرداء الأسود. حمل إلى جانبه سيفاً قادراً على إصدار تأثيرات سحرية صنعه بنفسه. غاب عنه الترس وحده لكونه أضخم من أن يؤخذ إلى هنا. توقف فجأة لدى تجاوزه منعطفاً. وقف أمامه شخص مرتدٍ رداء مع تغطية فمه.

خفت الضوء تماماً هنا إذ لم يضيء هذا الممر سوى شعلة واحدة على الجدار.

"ماذا لدينا هنا؟ دماء طرية؟"

شرع الشخص بالكلام بصوت لم يتعرف عليه. حاول التراجع فوراً لكن طريق العودة انسد بفعل شخصين آخرين.

"إلى أين حسبت نفسك ذاهبًا؟"

صدح صوت ذكر آخر لكنه خمّن عودته لصاحب أصغر سناً بحسب نبرته. وقف بجوار هذا الشخص فرد أقصر قليلاً وحمل قوساً بيده. تبين له من الشخص المرتدي الرداء أنها امرأة على الأرجح.

"ماذا تريدون؟"

سأل مستخدماً الأداة المموهة لصوته. حرص على جعله يبدو مخيفاً بعض الشيء نتيجة نزوله إلى عرين اللصوص. لم يبدو الشخص الأمامي مقتنعاً وواصل رغم ذلك.

"ماذا نريد كما يقول."

شرع الشخص المتواجد خلفه بالضحك بالتزامن مع المتكلم. واصلت الفتاة ذات القوس التصويب دون تحريك عضلة. هذا حتى وقعت عيناه عليها ولاحظ ارتعاشها الطفيف. بدا عليها عدم اعتتياد أمور كهذه. لم يشعر بخوف كبير رغم إحاطتهم به لإدراكه تدني مستوى هؤلاء الأفراد الثلاثة عن مستواه. حجبت شيئاً ما أسماءهم لكنه تبيّن أن أعلى المستويات هنا كانت للرامية التي اقتصرت على كونها صاحبة فئة من المستوى الثاني.

"أعطنا محفظتك وتستطيع المرور وإن لم تفعل فسنضطر لأخذها قسراً."

أعلن الشخص الملثم مخرجاً خنجراً جميل المظهر. بات على رولان اتخاذ قرار بين القتال أو تسليم أغراضه لهؤلاء. لم يهرب من الصراع قط وارتدى مجموعة دروع من صنعه.

"ما رأيكم في أن أقدم لكم عرضاً عوضاً عن ذلك؟"

أجاب ناظراً إلى الشخص الذي رجح كونه القائد.

"أه؟"

"ننسى وقوع هذا برمته وتبقون أحياء."

"هاه، لدينا رجل شجاع هنا!"

لم يبدو الشخص أمامي متأثراً برده واكتفى بالضحك. أدرك رولان امتناعهم عن التراجع دون إظهار قدراته. هكذا رفع يده باتجاه الشخص بينما استمر الأخير بالكلام. انبثق توهج أخضر من تحت ردائه أثناء ارتفاع كفه. رأى اللص الأمامي هذا فحاول التحرك سريعاً جانباً لكن التعويذة المستخدمة من قِبل رولان رفضت السماح بذلك. تسببت التعويذة بندفاع رشقة من طاقة الرياح الخضراء نحو الشخص الشاهر لخنجره.

انعدم مكان تفادي اللص جراء ضيق الممر فأُرسل محلقاً بالاتجاه المعاكس.

"ت-تباً..."

هتف الرجل الخلفي بينما طار الرجل أمامي.

"تباً، خذوه!"

تلكأت الفتاة الرامية للحظة ثم أطلقت سهماً من قوسها سريعاً. جاءت رمية ممتازة استهدفت فخذه مباشرة. أحرقت رشقة من الطاقة النارية السهم في مكانه قبل تلامس نصل السهم مع ساقه. تمثلت في تعويذة درع ناري بسيطة من المستوى الثاني منقوشة على صفيحة صدره. استطاع الانتقال خلال التعويذات دون الحاجة للتلويح بفضل مهاراته الرونية. تكالبت هذه الفئة من اللصوص بسرعة على ساحر عادي لكن رولان تجاوز كونه ساحراً عادياً.

أُرسل الشخصان بالخلف محلقين واصطدما بالجدار الخلفي بفضل دفعة أخرى من الطاقة الخضراء. احتوت دفعة رياح المستوى الثاني على قوة كافية لقطع أنفاس الاثنين. منحته هذه المهلة وقتاً كافياً لتجميع المانا من أجل تعويذة أكثر فتكاً. بدأت كرة من الضوء الأحمر تتشكل أمام كفه وتمددت لتصبح كرة نارية ضخمة. غاب عن بملك قتل أي شخص هنا لكن إرسال رسالة لنقابة اللصوص بعدم مهاجمته بدت خطوة في محلها.

اتضح له تعامل هؤلاء بجدية فقط عند معرفتهم باستحالة العبث معه. لاحظ أمراً ما قبل إطلاق كرة اللهب على الشخصين. انحسر الغطاء عن رأس الفتاة بفعل انفجار الرياح الذي أحدثه. كشف الأمر عن وجهها وآذانها الطويلة نوعاً ما. اضطر رولان إلى كبح نفسه عن إطلاق كرة اللهب هذه بوجه الفتاة التي عرفها. لم يعنِ هذا إلغاء التعويذة تماماً إذ احتاجت لتقديم تفسير قبل تركها تفلت.

"لوبيليا؟ ماذا تفعلين برأيك؟"