"أنقذتِ حياتي يا إيلوديا!"
بدا إلف ذو شعر ذهبي وهو يعانق امرأة ترتدي نظارات وتملئ يديها حزمة من الأوراق.
"لا أعرف ماذا كنتُ لأفعل لولا وجودكِ."
تراجعت إيلوديا خطوة إلى الوراء مبتعدة عن الإلف المندفع بينما كادت حزمة الملفات التي تحملها أن تنقلب.
لم تلبث زميلتها أن غادرتا المكان إذ كان لديها "موعد"
بالغ الأهمية مع معجب جديد.
"نعم، وماذا كنتِ ستفعلين حقاً..."
تذمرت إيلوديا مع نفسها وهي تنظر إلى العمل الإضافي الذي سيتعين عليها إنجازه. لم تكن هذه المرة الأولى التي تترك لها صديقتها مهاماً إضافية. لو حدث ولم يُنجز جزء من هذا العمل حتى اليوم التالي فإن رئيس النقابة سيوبخهما على الأرجح. وحيث إنها كانت تقف على أرض مهتزة بالفعل منذ تلك الحادثة مع أرمان فهي تفضل عدم المجازفة. سيستغرقها كل هذا حوالي ساعة إضافية لتنتهي منها وهي ليست بالسيئة.
ومنذ أن بدأ رئيس النقابة يخوض في تجارة الأسلحة زاد حجم العمل. كانت هناك بعض التعيينات الجديدة هنا وهناك لكن إلقاء مهمة تعليمهما القواعد وقع على عاتقها وحدها. ولكون المرء العامل الأفضل فلذلك محاسن ومساوئ. وكونها الشخص الأكثر دراية جعل الجميع يلجؤون إليها طلباً للنصيحة. وهذا بدوره سلب منها وقتاً من عملها الخاص الذي راح يتراكم حتى نهاية اليوم. وإدراكاً منها لاحتمال وقوع أمر كهذا كانت إيلوديا قد تحدثت مسبقاً مع لوبيليا، شقيقتها الصغرى.
سيكون عليها الاعتناء بالأطفال حتى تعود إلى البيت. لحسن الحظ أنها لم تكن في مغامرة اليوم إذ كانتا قد عادتا للتو من غارة سرداب. استرجعت بذاكرتها اليوم السابق، وتلك الصيحات الأكثر صاخبة التي دارت في ذلك الصباح بين شخها وأغامرة آخرين. كان أرمان ما يزال متهوراً للغاية مما دفع به للاصطدام بالمغامرين الآخرين. قدمت هي ولوبيليا كفريق لكنهما لم تنتميا إلى أي مجموعة مغامرين أكبر.
كانا يذهبان معاً أو ينضمان إلى مجموعات أصغر تبحث عن أيدٍ مساعدة. لم يكن سجل أرمان جيداً بهذا الحد. وكلما انخرط في أي من الفرق الأفضل كان طرده يحدث بعد نوع سخيف من الحوادث. والسبب الوحيد الذي مكّنه من إنجاز العمل إلى حد ما كان مهاراته. مقارنة بأنواع المحاربين الآخرين في نطاق مستواه كان هو البارز. ويمكن عزو هذا إلى الطريقة التي نشأ بها وشقيقته الكبرى هنا تعرف السبب.
"على الأقل يمكن لتلك الشخصية أن تحط من غروره..."
استرجعت بذاكرتها رجلاً مدرعاً معيناً تشاجر مع شقيقها الأصغر. ومع أنه كان أصغر سناً من أرمان إلا أنه استطاع الخروج منتصراً بعد كل اشتباك. وبدا الآن أن شخها قد هدأ بعض الشيء عندما صار بالقرب من ذلك الشخص الذي هزمه. أطلقت إيلوديا ضحكة قصيرة إثر تذكرها للمرة الأخيرة التي شهدت فيها صديقها الجديد في العرض. وكما كان متوقعاً فقد بدا كسمكة خارج الماء، والطريقة التي تحدث بها إلى الجمهور كانت سريعة على نحو ملحوظ.
وكان جلياً أنه أراد الانتهاء من الأمر على عجل غير أن هذا جعله يبرز أكثر. لقد بدا غريباً بعض الشيء وفريداً عندما قارنته بالبدايات الأخرى التي التقت بها. في البداية بدا وكأنه شخص يحاول الاختباء والهرب من شيء ما.
وكان هذا شيئاً تستطيع تفهمه إذ إنها و"عائلتها"
انتقلا هنا أيضاً ليبدءا من جديد. كان وجوده يبدو كحزمة من التناقضات. بدا وكأنه يريد تجنب الناس، لذا كان اختيار العيش في جزء منعزل خارج المدينة أمراً منطقياً. ومن جهة أخرى ارتدى طقماً ملحوظاً من الدروع الحمراء الزاهية مع نقوش مختلفة عليه. وحتى هي وجدت نفسها تطيل النظر إلى حرفيته، كأنه كان يحاول دفع الناس للتطلع إليه. كانت زيارات نقابة المغامرين سريعة ومباشرة على الدوام.
وفي البداية بدا وكأنه يتجنبها لكنه كان يزور جزءها من النقابة في أحيان أخرى. وبدا دائماً عارفاً بما جاء ليفعله وكيف يعظّم مكاسبه. لم تكن هناك أسئلة مزعجة أو مضايقات كتلك الصادرة عن بعض المغامرين الأقل شأناً. ثم جاء ذلك اليوم المشؤوم حيث فعل شيئاً مذهلاً. ودفاعاً عن مساعدته هرع إلى إي من الحانات وأبرح أحد فرق المغامرين السيئي السمعة ضرباً. وما عدا ذلك كان تاريخاً ومحاولتها طمس تورط أرمان لم تسر على ما يرام.
"آه، فيما كنت أفكر..."
أطلقت إيلوديا تنهيدة بينما وضعت بعض الأوراق جانباً. وبينما كانت تتذكر التوبيخ الذي تلقته وأيضاً مقدار المال الذي خسره منزلها خلال الحدث بأسره لم تستطع سوى هز رأسها. ولحسن الحظ لم يضغط وايلاند من أجل عقوبة أبعد والتي بفضلها استطاع أرمان مواصلة عمله كمغامر. أما عملها الشاق لترك انطباع جيد لدى رئيس النقابة فقد ذهب هباءً منثوراً. كانت تأمل في الحصول على زيادة لكن أصبح من الصعب الآن طلبها بعد أن أغضبت رئيس النقابة.
مرت الساعة بسرعة ورُتبت حزمة الأوراق بعناية إلى الجانب. وكانت سجلات محاسبة للمشروع الجديد للننقابة. عادة لا يخوض رؤساء النقابات في هذا النوع من الأعمال حقاً. وكل النقابات الأخرى تقريباً لم تمتلك سوى متاجر تحوي المعدات الأساسية التي لا يستخدمها سوى مغامرو الطبقة الدنيا. وحين كانوا يرتقون في الرتب كانوا جميعاً يجدون حدادهم الخاص ليلائم أسلوب قتالهم. وبدا أوردحان رئيس نقابتهم وكأنه رجل أعمال نوعاً ما.
فقد استغل حقيقة أن صانع رون كان مغامراً أيضاً وتمكن بطريقة ما من جلبه. وبعد العرض، أُشتريت الأسلحة الرونية التي وضعت على الأرفف تدريجياً. في البداية كان المغامرون متوجسين من استخدام بائع غير مختبرة لكن اسم وايلاند بدأ يُعرف. وانتشر هذا في الغالب عن طريق المغامرين الجدد الذين قيل إنهم ساعدوا من قبله أثناء غارات السرداب. ومع انتشار اسمه بحسن نية جرب بعض المغامرين الأسلحة الجديدة.
وكانت المراجعات الأولية جيدة وأثبتت النسخ الرونية للأسلحة السحرية تفوقها على نظيراتها الأقل شأناً. فقد تطلبت مانا أقل واستطاعت إنتاج تأثيرات أفضل وهو كل ما تطلّبه الأمر.
"لكن هل سيكون هذا كافياً؟"
وفي حين أظهرت الحسابات ارتفاع الأسلحة الرونية فلم يكن هذا هو الحال بالنسبة لجميع السلع الأخرى. ولم تكن المتاجر قادرة على بيع الكثير من المعدات العادية نظراً لأن متاجر رون الخاصة بالأقزام خفضت الأسعار. وكان واضحاً أنها أصبحت حرب استنزاف ستكون شاقة للوافدين الجدد. وعلى الرغم من قدرة الأقزام على الحصول على دعم اتحادهم إلا أن هذا لم يكن مورداً لا نهائياً. وسيتعين على الشخصيات البارزة الاتفاق فعلياً على أن الاستثمار في ألبروك مجدٍ.
وإذا لم يحدث هذا فسيتعين على الجانبين التعايش معاً إلى حد ما.
"يجب أن أعود إلى المنزل."
تمطت إيلوديا إذ انتهى الأمر أخيرًا. وأثناء مغادرتها للنقابة استطاعت رؤية بعض موظفات الاستقبال الأخريات يعملن. وكان عليهن جميعاً قضاء وقت ليس بقليل في النقابة، فالأجر جيد لكن الساعات طويلة. لم تكن هناك أيام حرة كثيرة وكان على جميع فتيات الاستقبال مناقشة الأمر فيما بينهن إلى حد ما. وكن يتلقين مالاً نظير الساعات الإضافية وهذا هو سبب إيجاد إيلوديا لنفسها غالباً وهي تشغل ذلك الشاغرة.
"الأخت الكبرى قد عادت!"
"مهلا، ماذا قلت لك عن الركض في المنزل؟"
"هي هي هي."
حين عادت إيلوديا إلى منزلها أخيراً استقبلها مشهد لوبيليا وهي تلاحق أحد الصغار بمغرفة في يدها. ولم تستطع سوى الابتسام للمشهد بينما خرج المزيد من الأطفال لتحيتها. وللتغيير كان الكبار جميعاً هنا في الوقت ذاته، وحتى أرمان لم يبدو أنه تسلل خارجاً من أجل مغامراته الليلية. لقد تجمعت العائلة بأكملها هنا، ولم يكن أكبر الأطفال يتجاوز العاشرة. ومع شح الموارد بين البالغات الثلاث كان من الصعب عليهم إنفاقها على بلورة ارتقاء.
هي وغيرها وأرمان ووبيلي كانوا ثلاثة وعشرين رأساً يجب إطعامهم في هذا الملجأ. وكان هذا العدد أقل حين وصلوا إلى هنا إذ مع الوقت انتقل المزيد من الأطفال بلا عائلة للداخل. وحتى وإن بدا السرداب وكأنه وسيلة للثراء السريع فلم تكن مهمة بهذه السهولة. فقد تجول كثير من الناس داخله دون إدراك حدودهم. وكان من السهل ضياع الاتجاه في الممرات خافتة الإضاءة وزادت الحرارة من حدة التشوش.
ودخل كثير من الشباب والشابات ولم يعودوا قط. ولم يترك هذا أحبائهم سوى في الشوارع بلا سبيل لدفع رسوم نزلهم أو طعامهم. ووجد بعض الصغار أنفسهم هنا بينما ظل آخرون في الشوارع على أمل جني أسرع. ولم ينظر العمد والنُّبلاء إلا للأعلى. وكان التوسع وبناء الأجزاء الأفضل من المدينة أولوية لكن هذا ترك الكثيرين غيرهم في الخلف. ولم يحظ الجميع بما يكفي لكسب مهارة مفيدة تعينهم على قسوة الحياة.
المبنى الذي كانوا يعيشون فيه لم يكن في حالة جيدة. كانت هناك فجوات في السقف وأحياناً كانت الفئران الكبيرة تستقبلهم في الصباح. ومع نقص الوقت والأموال كان من الصعب ضبط هذا المكان. كان أرمان رجل البيت لا يزال طفولياً ويفضل قضاء وقته في الخارج صيداً للوحوش. وقد جلب معظم المال لذا لم يستطع أحد الشكوى لكنه ترك للآخرين مهمة رعاية الأجزاء المزعجة. أحزن إيلوديا حقيقة أنها لم تحصل على صنف مرتبط بالقتال.
وشعرت أنها أقل فائدة بكثير إذ لم تستطع جني ما يكفي لرعاية الأطفال. وكل ما تبقي لها لتفعله هو إدارة نفقات العائلة. وكان وكأن الملوك تلعب بالألعاب معها إذ إن الصنف الذي تلقته صُمِّم هكذا. لربما كانت لتصبح رئيسة خادمات مثالية في منزل سيّد بمهاراتها في المحاسبة والأعمال المنزلية. وكانت تجيد التنظيف والطبخ والاقتصاد. وسمحت لها مهاراتها بتحليل أي أخطاء في الحسابات بنظرة واحدة فقط.
وهكذا وجدت نفسها تفعل الجزء الأكبر من العمل في النقابة نظراً لكون العمال الآخرين يعرفون جيداً امتلاكها مهارات تساعدها على إنهاء عملها بشكل أسرع.
"أيتها إيلوديا، خذي هذا."
بعد أن أطعم جميع الأطفال، اقترب أرمان منها بينما كانت تنظف الصحون. وفي يدها رأت بلورة، وهي نفسها التي استخدمتها ذات يوم للحصول على صنفها الشامل. سمح لها هذا الصنف بتعلم الكثير من المهارات مثل المحاسبة والإحصاء لكنه لم يكن متخصصاً للغاية.
"أعطِها لراين، فستبلغ الحادية عشرة قريباً..."
"إذن لهذا لم تكوني تأتين إلى البيت طوال هذه المدة"
ابتسمت إيلوديا لأرمان وربتت على كتفه، وعند هذا تحرك الرجل الضخم إلى الوراء بتعبير محرج نوعاً ما على وجهه.
"شكراً لك."
"هاه، كانت مهمة سهلة لهذا العظيم أنا!"
تحول وجهها المبتسم سريعاً إلى عبوس إذ بعد إطرائها بدأ شقيقها الأصغر يضحك.
"ربما لو لم تسبب المتاعب في المرة الأخيرة لكنا قادرين على تحمل تكلفة البلورة أسرع."
توقف الضاحك فجأة عندما التقت عيناه بنظرات إيلوديا. وتجنب هذه النظرة إذ غادر الغرفة مسرعاً في عجلة.
"أظنه تلقى درسه بالفعل، وحتى أنا بدأت أشعر بالأسف تجاهه..."
"إذن لا تقومي بذلك، ما لم يفعل شيئاً حيال ذلك الاتجاه سأقوم بتذكيره به!"
أصلحت إيلوديا نظارتها وعادت لغسل الصحون وسرعان ما اقترب اليوم التالي. ومع غيابها وقع عبء رعاية الأطفال الصغار على راين الكبرى. وتمنت لو أنها تستطيع البقاء هنا لفترة أطول لكن العمل في النقابة لن ينجز تلقائياً. بدأ اليوم كالعادة تماماً مع مغامرين متعرّقين ضخام يزورون جانبها من النقابة. وبينما كانت تتخلص من العمل على عجل فقدت صديقتها سولانا وقتاً ثميناً في أحاديث فارغة.
ومع ذلك بدا العملاء في ذلك الجانب أكثر سعادة نوعاً ما. وكان هذا أحد الألغاز الكبرى للحرفة التي ما زالت لا تفهمها تماماً. كانت الأفضل لكن هذا لم ينعكس على رضا العملاء. وكلما سألت سولانا عن الأمر لم تتلق سوى الضحكات وكانت النصيحة الوحيدة هي الابتسام أكثر لكن كلما حاولت بدا الأمر وكأن العملاء يبتعدون أكثر. وبعد ساعات قليلة من التعامل مع الغوغاء المعتادين ونظرات أقل من ممتازة وصل زائر غريب.
ومنذ وقت ليس ببعيد كان من الصعب عدم ملاحظته إذ كان يتجول عادة مرتدياً درعاً أحمر زاهياً. والآن من ناحية أخرى كانت ملابسه أقل تحفظاً لكنه ظل محتفظاً بذلك الجو الغريب حوله. لم تستطع إيلوديا تحديد ما هو لكنها شعرت بنوع من العظمة، كأنه من أصل نبيل. رغم أن تلك الهالة بدأت تتلاشى كلما تحدثا إذ لم يكن مولعاً بالكلام كثيراً. لم يكن الوقت مناسباً ليأخذ نصيبه من أرباح المتجر ولا كان الوقت مناسباً ليسلمها.
لذا كانت فضولية بعض الشيء إذ بدا أنه يسير نحوها.
"السيد وايلاند، كيف يمكنني مساعدتك اليوم؟"
وقفت باستقامة وتأكدت من خلو زيها الرسمي من أي عيب. ولسبب أو لآخر بدأت عينا الشاب تلتفتان هنا وهناك كما لو أنه لا يعرف ما يقوله. لذا وبقسوة بسيطة كررت.
"السيد وايلاند، هل كل شيء على ما يرام؟"
"آه نعم، كل شيء على ما يرام يا آنسة إيلوديا... لدي سؤال."
"سؤال؟ ما هو سؤالك؟"
قبل أن يجيب نظر إلى كل جانب وبدأ أخيرًا بصوت حازم إلى حد ما.
"من الأفضل ألا نفعل هذا هنا، متى تنتهين؟"
"متى أنتهي؟"
"نعم، متى تنتهين من العمل."
"أم... ما زال الوقت صباحاً، سأكون هنا لمدة سبع ساعات أخرى أو نحو ذلك."
"عظيم، سأتي لاصطحابك إذن، لدي أمر أناقشه معك."
بعد أن قال ذلك، أومأ الشاب برأسه واعتذر من منصة النقابة التي كانت تعمل عليها. لم تكن إيلوديا متأكدة من معنى تلك الكلمات لكن وجه زميلتها سولانا ظهر فجأة بجانبها مباشرة.
"ما هذا؟ أنتِ ووايلاند؟ لم تخبريني قط أنك تفضلين الشبان الأصغر! كيف أمكنك ذلك."
"هاه؟ عن ماذا تتحدثين؟"
استغرقت إيلوديا لحظة لتدرك ما تعنيه زميلتها الإلفية. وجعلها التركيز على العمل وسلامة العائلة عمياء بعض الشيء تجاه الرومانسية مما جعلها تشرد لفترة. وأعقب ذلك رد فعل معين تجاه فكرة وجود أي نوع من الخاطبين.
"تبدين كطماطم ناضجة، لا بد أن الأمر حقيقي!"
"عن ماذا تتحدثين! أنا والسيد وايلاند لسنا في أي علاقة من هذا القبيل!"
"لكنه رتب موعداً للتو!"
"لا، لم يفعل!"
وقف المغامرون في الصف يراقبون الذهاب والإياب بين المرأتين. استغرق الأمر بضع دقائق لتسوية الأمر لكن هذا لم يخفف الأسئلة التي باتت لدى إيلوديا الآن. هل فعل أرمان شيئاً مجدداً وأراد وايلاند الشكوى لها بشأنه؟ أكان الأمر متعلقاً بأمور العمل؟ لكن لماذا سيلزم أن ينتظرها لتنهي العمل قبل التحدث إليها؟ أيمكن لما تتحدث به سولانا أن يكون حقيقياً؟ أيمكنه حقاً أن يرغب في ملاحقتها؟
وظلت هذه الأسئلة تملأ عقلها طوال اليوم. وكان من الصعب التركيز لعدم معرفتها بما تفعله. وكانت ترى أن العلاقات بين العاملين معاً أمر محرم. وكان صانع الرون الشاب موظفاً لدى النقابة إلى حد ما لكنه كان أشبه بمقاول منه إلى موظف عادي.
"حظاً طيباً، ستحتاجين إليه!"
"ليس الأمر هكذا..."
أعطت سولانا إيلوديا غمزة بينما اكتفت هي بإدارة عينيها. وكان عقلها يخبرها أن الأمر متعلق بالوظيفة لكن لسبب ما كان هناك شعور غريب داخل صدرها. وكان جزء منها يأمل ألا يظهر بينما فعل جزء آخر العكس.
"آنسة إيلوديا."
في اللحظة التي دفعت فيها باب النقابة فتحاً سمعت صوته. وهناك كان بملابسه الجديدة وبوجهه المكشوف. مشى ببطء نحوها مما دفع إيلوديا للتراجع خطوة.
"آه... مساء الخير سيد وايلاند."
"نعم، أعتذر عن منعك من العودة للمنزل وإذا أردت فيمكننا التحدث في الطريق. لن يستغرق الأمر طويلاً حقاً."
لسبب أو لآخر وجدَت نفسها تسير مع صانع رون البلدة عائدة إلى البيت. وفي حين قال إنه لن يستغرق طويلاً فقد ظل صامتاً لفترة مطولة قبل أن تكسر الصمت بنفسها.
"السيد و-وايلاند؟"
"آه، نعم أنا آسف، ليس لدي خبرة كبيرة بهذه الأمور حقاً..."
"بهذه الأمور؟"
"نعم، ستكونين الأولى لي إن وافقتِ."
'انتظري ماذا، سأكون الأولى له؟ إنه أصغر مني... هل كانت تلك الإلفية الحمقاء محقة حقاً؟'
"آنسة إيلوديا، أظن أننا درنا حول الموضوع طويلاً لذا سأبادر بسؤالك."
"ا-انتظر سيد وايلاند، لست مستعدة!"
"أترغبين في العمل لصدي؟ أنا مستعد بالطبع لتعويضك بأكثر مما تعرضه عليك النقابة لكن يمكننا الاتفاق على الشروط لاحقاً..."
"هاه؟ أتريدني أن أعمل لديك؟"
كادت إيلوديا تتعثر إلى الأمام عند الكشف عن قصد وايلاند الحقيقي. وشعرت بارتياح متساوٍ بينما غضب جزئي لسبب مجهول لم تكن متأكدة منه...