سنديان لاهب المستوى 65
قال، وهو يرمق الغرفة المضيئة ببريق غريب: "هم..."
رأى صنفاً ياقوتياً من السلمندر البركاني ووحوشاً أخرى.
وسأله روببرت وهو يستعد لقتل الوحوش: "كم عددهم؟"
أجاب رولاند رفقته المؤقتة: "ستة... رأيت زاحفتين سكولوبيندرا..."
أظهر جهازه الكاشف ستة وحوش تختبئ في الكهف المكشوف. نظر برهةً إلى الخارج ليرى أقرب وحش إليه. وجد أنه صنف نادر من السلمندر البركاني. وبقية الوحوش حشرات مقرفة تزحف على السقف.
سأل رولاند: "سيدي روببرت... أتكون المقدمة؟"
أومأ روببرت بلا تذمر. خشي أن يتكرر ما جرى خلال هجوم قطاع الطرق قبل أعوام. لم تكن هذه النبيلة وفارسها أول رفقاء درب يعمل معهم. لم يبدو روببرت مفرط الحماية تجاه الليدي لوسيل، بل بدا واثقاً بقدراتها السحرية.
"سأكون خلفك مباشرةً... وليدي لوسيل امنحينا دعماً من بعيد إن أمكن."
"اترك هذا لي، سيدي وايلاند!"
"ابقِ آمنةً ليدي لوسيل، إن حدث شيء فاهربي فحسب!"
التفت روببرت نحو ساحرة الجليد، فأومأت المرأة وردت: "لا تقلق سيدي روببرت، سأكون بخير، فوحش سيدي وايلاند المستأنس سيحميني."
رفع أغني خطمه عالياً كأنه يقول: "اترك الأمر لي".
كان هذا الذئب الياقوتي أضعف أفراد المجموعة لكنه يستطيع على الأقل إيقاف بعض الوحوش مؤقتاً. سيهب هذا لوسيل وقتاً ثميناً لإنهاء التعويذة وتوجيه الضربة القاضية. قضت الخطة باستخدام الهجمات بعيدة المدى، وكان روببرت الوحيد الذي يفتقر إليها. كُلف بمنع الوحوش من تجاوزه بينما يمطرها رولاند ولوسيل بالتعاويذ.
"هل الجميع مستعد؟"
أومأت لوسيل وروببرت لقول رولاند ودخلا الكهف المضيء بغرابة. كان متوسط الحجم، بطول مئة متر وعرض خمسين. كان السقف عالياً، متجاوزاً عشرة أمتار. بدا التصميم غريباً بوجود أحجار كريمة متوهجة في كل مكان. شعرا بتركيز المانا يرتفع حتى قبل الدخول. انبعث الضوء من هذه البلورات المعلقة من السقف كالهوابط. وجدت ثقوب صغرى في الجدران تتسع لزحف حشرات أم الأربع أربعين والبزاقات. وتوسّط الغرفة بركة حمم بركانية خرج منها السلمندر الياقوتي على الأرجح.
"أيتها المانا، يا مصدر كل قوة اسمعي نداءي..."
بدأت المعركة ببدء لوسيل تعويذتها. كانت سريعة الكلمات، أسرع بكثير مما كان عليه رولاند حين كان يتدرب على الصنعة السحرية. ورغم ذلك، لم يحتاج رولاند سوى لرفع عصاه السحرية لتوليد دفقة من الطاقة الباردة. كانت هذه تعويذة تدعى مطر الجليد. خلقت جُملة من الإبر الجليدية الصغرى الحادة لتطير في دفقة هواء بارد عبر مساحة واسعة. تفقد هذه المخلوقات بعض وظائفها الجسدية عند تعرضها لدرجات حرارة متجمدة.
وكانت أفضل طريقة لتحقيق هذا هي استخدام تعويذة واسعة التأثير. احتوى الكهف المكشوف على بركة حمم صغرى في المنتصف زادت العملية صعوبة. كما كان مغلقاً من معظم الجوانب والمساحة محدودة، مما منح هذه الاستراتيجية شيئاً من الصلاحية. استمر رولاند في رش الهواء البارد والإبر الجليدية في الاتجاهات كافة بينما حماه روببرت. نجحت الليدي لوسيل في إنهاء تعويذتها، ورشت التعويذة التي استخدمتها طاقة باردة برفقة ثلج في الاتجاهات كلها.
"مخروط البرد!"
أبطأت الوحوش هنا في رد فعلها إذ لم يستهدفها فريق المغامرين مباشرة. بدأت زاحفات سكولوبيندرا الحمراء تتململ حين شعرت بتغير درجات الحرارة. وتراجعت فطرياً عن مصدر هذه الطاقة الباردة. انكمشت بزاقتان كانتا معلقتين على بعض الهوابط وسقطتا. وتفاعل السلمندر الياقوتي أيضاً لكنه عوضاً عن الهجوم تراجع نحو بركة الحمم القريبة.
"ليس قبل أن أقول لا!"
تفاعل رولاند بسرعة مرسلاً سهم جليد نحو الوحش الهارب. تعذر هروبه، فقد كان قيّماً للغاية ويجب إيقافه قبل الفرار. اصطدم سهم الجليد بساق المخلوق، واخترق تلك الجواهر الحمراء مجمدًا الساق بأكملها في مكانها. لم يقدر مخلوق في هذا المستوى على مقاومة إحصائية الذكاء المرتفعة لدى رولاند مقترنة بأسلحته الرونية عالية الجودة. أطلق السلمندر الياقوتي صرخة جنونية والتفت برأسه نحو من آذاه.
وفتح فمه واسعاً، لتخرج فوراً هجمة لهيب واسعة النطاق متجهة نحو مهاجمه. كانت هذه اللحظة التي ينتظرها روببرت. قفز بدرعه المتقدم بين رولاند ونفث لهيب السلمندر. أصدر درعه الروني ضوءاً أزرق. توهج الضوء الأزرق بسطوع أكبر قبل أن يتمدد للخارج ليصير كتلة جليدية متجمدة. اتخذت الكتلة الجليدية شكل درع الطائرة الذي اصطدم به نفث اللهيب. ظل الدرع الروني يشع برودةً فأطفأ النيران بنجاح دون السماح لأي حرارة بالتسرب.
استغل رولاند الفرصة للتصويب مجدداً، ضارباً السلمندر الياقوتي بالمزيد من سهام التجميد. غطت الإبر الجليدية جسد الوحش قريباً وتوقف عن الحركة تماماً.
"معرفة السحر مفيدة حقاً..."
تطلع إلى الكهف الذي غطاه الصقيع الآن. لم تبدو وحوش الحشرات الأخرى بحال جيدة بعد أن خفضا لوسيل وهو درجة الحرارة في هذه الغرفة. بل استطاع رؤية روببرت يرتجف من البرد. لم تحمل بقية المعركة أحداثاً تذكر إذ تجولوا وقضوا على الوحوش المشلولة.
"أظن أن هذا كل ما هنالك... دعني أتحقق."
استغرق وقتاً في التفقد قبل إخراج جهازه الكاشف. لم يبدو وجود أعداء مخفيين آخرين الآن وتأكد هذا قريباً بمعاونة أداته السحرية. بدأ الجليد بالذوبان سريعاً بفضل بركة الحمم في الوسط. ورغم ذلك، تطلب الأمر وقتاً، وبفضله استطاع الثلاثي مع الجرو تهدئة أعصابهم.
"ما هذا المكان؟"
عقبت لوسيل بعد خطوها داخل الكهف. سارع روببرت بالاقتراب خوفاً من ظهور أي وحوش.
"المانا هنا غريبة... تلك البلورات... أهي؟"
"بلورات إلوكين؟"
شعر كل من رولاند لوسيل بكميات هائلة من المانا تنبعث من بعض الجواهر المتوهجة في الكهف. بدت أشكالاً بلورية لسائل المانا المستخدم لتشغيل الأدوات السحرية. تواجد الكثير منها هنا وبدت جديرة بثروة من الذهب. انحنى رولاند ليمسك إحدى هذه البلورات. بدت كجواهر زرقاء لكنها ألين بكثير. تنكسر بسهولة عند تطبيق قوة مفرطة بل وتتحول لسائل عند استخدامها وقوداً بعد حين. حسب ما دراه رولاند، كلما صلبت البلورات زادت كمية المانا المخزنة فيها.
'يمكنني إحداها داخل غول... يا ترى كم ستدوم...' تطلب الغول كأي أداة سحرية أخرى مصدراً للطاقة. ويتمثل هذا إما بسائل إلوكين أو ساحر يستخدم ماناه الخاصة. حاول رولاند تطوير بطارياته الخاصة مستخدماً معرفته من العالم القديم لكن هذا سيفي بالغرض أيضاً. لم يقتصر الأمر على هذا الكهف، فبعد ذوبان بعض الصقيع رام صخوراً غريبة الشكل أخرى. اتسمت إحداها بحمرة وبريق معدني.
"أيمكن أن تكون هذه..."
تلفظ بلا انتباه فلفت انتباه رفيقيه النبيلين. ورآه يخرج مطرقة نقش الرون الخاصة به ومعه إزميل.
"أوجدت شيئاً سيدي وايلاند؟"
سألت لوسيل دون تلقي إجابة شافية إذ انشغل رولاند بالطرق على بقعة في الأرض. رأوه بعد لحظة يخرج صخوراً محمرة نوعاً ما.
"ما هذا سيدي وايلاند؟"
"أوه... اعذراني..."
استطاع رولاند أخيراً الخروج من غيبوبته. وصعق نوعاً ما لتمكنه من إيجاد شيء كهذا هنا.
"إن لم أكن مخطئاً، فهذا ميثريل أحمر..."
"ميثريل أحمر؟"
كانت لوسيل المهتمة بالأدوات السحرية والرونات على علم بخصائص هذا الخام. وبدوره تطلع روببرت إلى الصخور اللامعة، فقد عرف الصنف الفضي العادي لكنه لم يسمع بالأحمر.
"نجل، يملك ذات خصائص الميثريل المعتاد لكنه مقاوم تماماً للنيران لامتصاصه مانا عنصر النار لأجيال عديدة."
أوضح رولاند متطلعاً إلى الصخرة. توجد المزيد منه هنا، ولو تمكن من صنع درعه بالكامل من هذا المعدن لاستطاع الغوص في بركات الحمم على الأرجح. منع المعدن الحرارة تماماً من تجاوزه، وكان أخف من الفولاذ العتيق. ما فعله بعض الحرفيين هو طلاء صفائح أنحف من هذا المعدن فوق سبائك أثقل. وحتى طبقة رقيقة من هذا المعدن فاقت مقاومة القطع لطبقة سميكة من الفولاذ العتيق. أُنجز الأمر هكذا لندرة الميثريل ولكون الدرع النحيل المصنوع منه سينثني كثيراً.
لذا وجب وضعه فوق مادة تحافظ على هيئته. ونتيجة لذلك استخدم عدد ليس بقليل من الحرفيين تصميم البريجاندين مع هذا المعدن الخيالي. ثم توجد معادن أخرى يمكن خلطها للحصول على نتيجة طيبة.
"انتظر أليس هذا..."
تردد صدى صوت صخري يرتطم بالأرض في الكهف حين رأى رولاند شيئاً من بعيد. ركض سريعاً نحو الجدار ومعه المزيد، فرأى خاماً أزرق مائلاً للرمادي إلى جوار إحدى بلورات المانا. تفاعل المعدنان قليلاً فلفت نظره.
"قد يكون هذا إثيريوم..."
"إثيريوم؟ المعدن المستخدم لصنع قلوب الأبراج السحرية؟"
سارعت لوسيل خلف رولاند، وفعل روببرت المثل. وبينما استمر 'الساحران' في الحديث عن الأدوات السحرية انشغل هو بمراقبة الوحوش.
"ذاته... خصائصه الماصة للسحر فائقة الأهمية... وروناته نادراً ما تتدهور..."
رغم أن هذا المعدن لم يكن مقاوماً للغاية ولَيِّناً، إلا أنه ظل مرغوباً بشدة لدى نقاشي الرونات. ويمكن خلطه بمختلف المعادن لإنتاج أفضل العتاد الروني أو المسحور. ومع خليط سبيكة الإثيريوم، لا تتدهور الهياكل الرونية حتى المستوى الثالث مطلقاً. أخرج رولاند مطرقته وإزميله وبدأ يضرب الجدران كالمجنون. وتوقف اندفاعه لاقتناء المعدن بيد روببرت.
"هاه؟"
تراجع للخلف حاملاً درعه لسماعه دوي الجدار. وظهر قريباً فتحة صغيرة تتسع بالكاد لحجم رولاند ليعبرها. وبعد إبعاد يده انغلقت الفتحة ثانية وتراجع خطوة.
"سيدي وايلاند؟"
"هذا زنزانة، وتنتشر حولها مهارب خفية مشابهة. ولحسن الحظ أعرف سبيل فتحها..."
لم يرغب بالإفصاح عن اعتمادها على الرونات. فلو انتشر الخبر لاستؤجر نقاشو رونات آخرون لفتح خزائن الكنز الخفية هذه. وهو يفضل الاحتفاظ بهذه لنفسه مثلاً. وستمثل الخامات المعدنية عوناً كبيراً لابداعاته المستقبلية.
"أه؟ وكيف فعلت ذلك؟ أثمَّة رونات ضالعة؟"
"أه... أعتقد أن علينا فعل حيال نقص طعامنا..."
بدت الفتاة سريعة البديهة فحاول تحويل مجرى الحديث لاتجاه آخر. استدار وبدأ بالمشي صوب الوحش الميت.
"السلمندر؟"
سأل روببرت ناظراً للوحش المجمد جزئياً.
"نعم، لحمه صالح للأكل، ويمكننا شويه عند بركة الحمم."
جربت فرقته بالفعل تناول صنف السلمندر البركاني. ولن يختلف طعمه كثيراً، ويحتاجان فحسب لإزالة القوقعة الخارجية للوصول إلى اللحم الطري في الداخل.
"أتتوقع من الليدي أكل لحم وحش؟ أجُننت؟"
تطلع روببرت للسلمندر الياقوتي المقتول الذي يشمه أغني. نظرت الليدي المعنية للوحش الميت وتراجعت واضعة يدها فوق فمها. بدا أن رفيقيه الجديدين لم يرغبا البتة في أكل هذا السلمندر الميت.
"أعندك أفكار أفضل؟ لن تدوم مؤؤني لأكثر من أيام معدودات وقد نُحتجز هنا لأصابيع."
دون انتظار رد، تحرك رولاند نحو المخلوق المجمد جزئياً. لم يكن مختصاً بالطبخ أو تقطيع أجزاء الوحوش. تكفل بيرنير بمعظم تلك الناحية لكنه رآه وغيره يفعلون ذلك. سيبدو الأمر مزعجاً بعض الشيء لكنه عرف إعداد اللحم.
"إن رأى سيدي وايلاند هذا، فلربما وجب أن نأخذه بعين الاعتبار..."
"لكن ماذا إن مرضت، وماذا إن كان هذا اللحم ساماً؟"
أجاب روببرت ناظراً إلى رولاند المشغول بتقطيع جثة الوحش. التفت إلى شقيقه الأكبر مستمعاً للحديث.
"ألم تتعلم هذا في مدرسة الفرسان؟ لحم الوحوش صالح للأكل، وما لم يكن من نوع سام فهو آمن غالباً."
لم تبد هذه الفئات النبيلة متعلّمة أي مهارات نجاة واقعية لمثل هذه الظروف. علقت الليدي هنا بأنفها العميق في الكتب بينما اهتم الفارس بالتلويح بسيفه غالباً. واقتصر تركيزهم فيما يبدو على ما تبرع فيه فصولهم ولم يهتموا بما وراء ذلك كثيراً.
"سأجربه أولاً إن كنت خائفاً... يجب أن نأخذ اللحم معنا، وستكون هذه محطة طيبة لأخذ قسط من الراحة قبل الرحيل. لا يوجد سوى مخرج واحد ومغلق."
وجدت ممران مؤديان لهذا الكهف. أحدهما أتيا عبره والآخر مغلق بقفل روني. وما زالت هناك الفتحات الأصغر التي تزحف منها الوحوش وبركة الحمم. وسيتعين عليه وروببرت الحراسة ريثما تستريح الليدي، فقد بدت مجهزة تماماً وقد استنزفت حيويتها طوال المسير والمعركة...