بدأت فقرة العرض الأولى بحاوي أفعى استدرج كوبرا ضخمة للخروج من سلة. تحكم بها بآلة تشبه الماي هواءً لا غير. سكن الجميع في الحشد بالدرجة ذاتها. خفتت القاعة إلى همسات مكتومة. لكن هادريان لم ينبهر. كان يعرف العرض. الحواة في الشرق كانوا أطباءً فيما مضى. تخصصوا في التعامل مع الحيوانات الخطرة ومعالجة لدغات الأفعى. تعلموا مع الوقت جني المزيد من المال بصيد الكوبات، وانتزاع أنيابها، وحبسها في السلال، وتخديرها وتسهيل ترويضها بحرمانها من الماء.
ثم تظاهروا بسحر الحيوانات المسكينة بموسيقى رديئة العزف. بل ذهب بعضهم إلى خياطة فم الأفعى. استحال اللدغ حينها. ضمنوا موت الأفعى جوعاً. صفق الحشد. لم يفعل هادريان. جاء البهلوانات تاليًا. كان العرض أكثر إثارة وهم يتقلبون ويهبطون ويقفزون عبر المسرح. كان أغلبهم جنياً. خطفت الأنفاس مهارات توازنهم وقفزاتهم المقاومة للموت من حبل عالٍ داخل القبة إلى آخر.
"هادريان؟"
قالت غوين. نهضت بعد انتهاء البهلوانات وتصفيق الحشد إعجابًا.
"أتعبك للحظة؟"
قالت بانزعاج بينما وضعت يدها على بطنها وعضت شفتها السفلى. ثم أشارت بحركة شاملة نحو القاعة المزدحمة الصاخبة.
"النبيذ. أظن من الأفضل أن يرافقني أحد."
نظر هادريان إلى رويس. جلس بينهما. لم يتحرك اللص ولم ينطق بكلمة. بدا وكأنه لم يسمع.
"بالتأكيد."
قال هادريان. تبع غوين حين استأذنت وابتعدت عن جزيرتهما الخشبية الصغيرة. سبحت في بحر المحتفلين نحو جدار السمك. تحركت غوين وسط الفوضى بقصد واضح. عرفت طريق وجهتها. تخيل أنها رأت آخرين في وقت ما أو تلقت توجيهات من أطين. شغل كل مقعد في الببغاء الأزرق. وقف المزيد من الزبائن في المساحات الفارغة بينها. شكل الرجال الجزء الأكبر ممن تحاشاهم هادريان وغوين، أولئك الواقفين في الممرات أو المرتكين على الأعمدة أو الجدران.
حمل الجميع شرابًا في أيديهم. انشغل أغلبهم بأحاديث. لوح البعض محاولين لفت انتباه شخص آخر. وبدا عدد قليل ضائعًا. لاحظ عدة رجال، والمزيد من النساء، غوين. تتبعوا حركاتهم. حتمًا رصد كل منهم هادريان أيضًا. أدرك حينها حكمة اختيارها للمرافق. قادته غوين عبر ممر مقوس إلى دهليز صغير وصولاً إلى منصة حيث تدير فتاة كشك خفظ المعاطف.
"أساعدكما؟"
سألت الفتاة.
"لا أبداً، أخشى ذلك."
أجابت غوين. ثم التفتت إلى هادريان.
"ما كان لي أن أتي."
بدَت كلماتها جادة، حازمة، ويائسة. ضمت يديها إلى صدرها فاض وجهها بالقلق. نظرت غوين من خلف هادريان إلى القاعة الرئيسية التي غادراها للتو. لم يُر لا المسرح، والأهم من ذلك، طاولتهم وكل الجالسين عليها.
"هذه كارثة. كله خطئي. أنا فقط..."
عانت كي لا تبكي. لكنها معركة خاسرة.
"أردت فقط الذهاب إلى مكان أستمتع فيه لنفسة واحدة. وظننت—لا أعرف—ظننت أن رويس قد يرغب في مرافقتی."
هزت رأسها. تموج شعرها الداكن وتأرجحت قرطاها.
"إنه لا يرغب. وأنا أسبب المشاكل فقط. كاد يقتل أولئك الرجال على الواجهة المائية. رأيت ذلك في عينيه. ظن أنهم سيؤذونني. خطط للتأكد من عدم فعلهم—ليس حينها، ولا أبدًا. كادوا يموتون. كان كل شيء سيصبح..."
بكت حينها. عانقها هادريان. ابتهج لكون دهليز المدخل أخفاهما عن الطاولة. علم أنه إن كانا في مرأى العين، لكان رويس يراقب. كيف سيفسر الأمر حينها؟ بدا عناقها غريبًا. طالما كان حضور غوين وتأثيرها على حياة من حولها كبيرًا لدرجة صدمته بمدى صغر حجمها بين ذراعيه.
"أمتأكدة أنني لا أستطيع المساعدة؟"
سألت موظفة خفظ المعاطف. ارتدت إحدى سترات الببغاء الزرقاء المميزة. زُرِّرَ الزران الأخيريان فقط. انزلق أحد الكتفين كاشفًا عن كتف عارية ووشم فراشة.
"أستطيع فعل أكثر من حراسة المعاطف."
شمخت غوين. تراجعَت.
"نحن بخير."
قال هادريان.
"شكرًا."
"وفي العرببة،"
تابعت غوين، "لولاك أنت—لو فتح أولئك الرجال الباب—لحصل الشيء ذاته. كله بسببي. أنا عبء رهيب. أرتجف خوفًا من مقتل أحدهم بوجودي هنا. هذا ناهيك عن تعريض حياة رويس للخطر. يجدر بي العودة للمنزل فحسب. ظننت الأمر سيكون رائعًا. لكنني كنت مخطئة للغاية. لا بد من وجود عرببة أخرى، أو ربما سفينة أستقلها. جلبت بعض المال، لذا سأكون قادرة على الدفع."
"غوين،"
قال، "لا أظنها فكرة جيدة."
"أوه، هادريان!"
شهقت بالبكاء.
"لماذا لا يعجبني؟"
"يعجبك. صدقيني، إنه كذلك."
"لا، لا يعجبني. إنه هادئ ومؤدب دائمًا. لكن... لقد مضت أربعة أواصر. انتظرت طوال حياتي تقريبًا ليظهر، وحين فعل، ظننت دائمًا—أعني، علمت أنه لا ضمانات، لكنني أملت. أملت بشدة. وهناك... أوقات يتصرف فيها وكأنه يهتم، لحظات أقسم فيها أنه يحبني، ثم يبدو الأمر وكأن بابًا يُغلق فجأة. يكون هو في جانب وأنا في الآخر. إلا أن جانبه ينفتح للخارج، وجانبي سجن. أوه، هادريان، أظنني كنت مخطئة—مخطئة بشأن هذه الرحلة، وبشأن رويس، وربما بشأن كل شيء."
"لست كذلك."
صر هادريان على أسنانه.
"باستثناء احتمال كون رويس في خطر لأنني أفكر جديًا الآن في ضرب الرجل حتى يفقد وعيه لكونه بهذه الغباء."
"أوه، لا!"
أمسكت غوين بصدر قميصه.
"لا يمكنك! أعني، لا أريد أن أكون—أوه، أفسد كل شيء هكذا. لا أستطيع الوقوف بينكما. لا أستطيع أن أكون إسفينًا هكذا!"
أمسكها من كتفيها وأبعدها عنه.
"لست كذلك. كنت أمزح... نوعًا ما. انظري، رويس واقع في حبك. ثقي بي في هذه. إنه لا يدري ما يعنيه ذلك، ولا حتى كيف يعمل. هذه لغة أجنبية بالنسبة له. لديه مشاكل في الترجمة. يظن في هذه اللحظة أنك تكرهينه."
"أنا؟ أكرهه؟"
بدت محطمة وضائعة في آن. تدلى فمها فاتحًا بينما فتشت عيناها الزجاجيتان زوايا الممر المظلمة بحثًا عن كلمات. بدت غوين مستشاطة غضبًا.
"كيف له أن يظن يومًا أنني أستطيع كرهه؟ ماذا فعلت أو قلت لـ—"
"اسمعي، كنت أضغطه ليتحدث إليك، ليشرح مشاعره. لكن هذا يشبه توقع أن يجري أرنب حديث قلبًا لقلب مع ذئب."
"ماذا تقصد بالذئب؟ أأنا الذئب؟"
أرجح هادريان رأسه يمينًا ويسارًا.
"نوعًا ما، نعم. رويس مرعوب منك."
استقامت غوين. بدت حائرة. شمخت ورفعت يديها باسطة راحتيها.
"حسنًا، ربما لا نتحدث عن رويس ميلبورن ذاته. الذي أتحدث عنه لم يخف شيئًا قط، وأقلها أنا."
لمست غوين برفق الجفن السفلي لعينيها بإبهاميها.
"هكدا، يا عزيزتي."
مدت موظفة خفظ المعاطف يدها وأعطت غوين قطعة قماش بيضاء صغيرة.
"شكرًا لك."
قالت غوين. ثم نظرت إلى قطعة القماش التطرزة بدقة.
"أوه لا. هذه جميلة جدًا. سأفسدها."
"أوه، لا تقلقي. ليست لي."
وضعت الفتاة مرفقيها على المنصة. انحنت إلى الأمام. سمحت بسترتها بالانزلاق أكثر على ذراعها بينما راقبتهما.
"لمن هي إذن؟"
رفرفت الفتاة بيدها باهتمام خلفها نحو الملابس المعلقة.
"لا أعرف، ولا أهتم. تحتاجينها أكثر من صاحبها الحقيقي."
"لستِ جيدة جدًا في عملك، أليس كذلك؟"
سأل هادريان. هزت الفتاة كتفيها. ابتسمت غوين للموظفة ومسحت عينيها.
"أفسد الآن منديل كتان يخص غريبًا تمامًا. لا أستطيع فعل شيء دون إفساد الأمور."
"أمتأكدة من رغبتك في التورط مع ذلك الرجل، عزيزتي؟"
سألت الفتاة.
"يبدو مختلاً بعض الشيء."
تفرست الفتاة صعودًا في هادريان. جالت عيناها على طول جسده.
"ما خطب هذا الفتى؟ يبدو من النوع اللطيف، كتفان جميلتان، عيون رائعة، ويملك أسنانه كلها وبابتسامة قاتلة تثبت ذلك. عذرًا لقولي هذا، لكنني، من جهتي، لنان مانعًا في أن يقذفني هذا الرجل يمينًا ويسارًا."
"هادريان مجرد صديق جيد."
تنهدت الفتاة وقدمت لهادريان نظرة متعاطفة.
"أوه، لا بد أن ذلك مؤلم."
"شكرًا للمنديل،"
بدأت غوين، "لكن—"
"أعلم، أعلم."
استقامت الفتاة وسحبت سترتها إلى أعلى. استخدمت أصابعها للطرق على سطح المنصة بتوتر عصبي.
"يجدر بي الاهتمام بشؤوني الخاصة. يجب أن يكون طاقم العمل غير مرئي. أدرك ذلك. لكن من الواضح تمامًا أنك لا تعرفين شيئًا جيدًا عندما يقف أمامك حرفيًا."
قدرت هادريان مرة أخرى وتنهدت.
"أخمن أن الرجل الآخر وسيم أيضًا، وربما من النوع المظلم المتأمل—من أولئك الذين يعيشون الحياة على الحافة؟ أوه، لقد عشت ذلك، عزيزتي. لكن دعيني أخبرك، هذا النوع من الأمور—لا ينتهي جيدا أبدا."
نظرت غوين من خلف هادريان. اتسعت عيناها فجأة.
"إنه قادم!"
"من؟"
انتفضت الفتاة على أطراف أصابعها لتتفرس من خلفهما.
"الفتى السيئ المظلم؟"
"أرجوك لا تقولي له شيئًا!"
ترجت غوين.
"أنا أم هادريان؟"
سألت الفتاة.
"أيا منكما!"
ألقت غوين المنديل مجددًا على الفتاة.
"أخبريه أنني ذهبت للبحث عن إناء قاذورة."
"يدعونه قاعة العرش هنا أسفل،"
نادت الفتاة خلفها بينما هرولت غوين عائدة إلى الحشد.
"وهو عند الفيل. الفيل للنساء، وغوريلا للرجال."
تركها هادريان تذهب. علم بحاجته لاعتراض طريق رويس لشراء وقت لغوين لتجمع شتات نفسها. أمل فقط أن يكون عدد كافٍ من رجال الحشد السكارى قد رآه معها مسبقًا وعلموا ألا يثيروا المشاكل. بدت في ذلك الفستان الأبيض طُعمًا ألقي على بركة راكدة مليئة بالأسماك—بركة تضم سمكة قرش ذات قلنسوة سوداء.
"إذن، أمتزوج أنت؟"
سألت الفتاة هادريان. انحنت مرة أخرى فوق المنصة. انزلت السترة الصغيرة مجددًا.
"أنهي مناوبتي بعد ثلاث ساعات. إن رغبت—"
"ما الذي يحدث؟"
سأل رويس هادريان حين دخل دهليز خفظ المعاطف. استقرت عيناه على طيف غوين الأبيض المتألق وهي تشق طريقها عبر الحشد نحو جانب الفيل من المسرح.
"تبحث غوين عن إناء قاذورة. يدعونه قاعة العرش هنا أسفل، على ما يبدو."
"هذا كثير من الصوف الثقيل يا سيد."
تحدثت الفتاة إلى رويس.
"أترغب في أن أمسك هذا المعطف لك؟ لا تكلف شيئًا."
"أنا بخير."
أجاب.
"هذا ما سمعته."
ضيَّق رويس عينيه.
"ماذا؟"
"شكرًا لك، يا سيدة خفظ المعاطف الودودة بشكل غير معتاد،"
قال هادريان وهو يلوح لها بينما قاد رويس عائدًا إلى القاعة الرئيسية.
"يجدر بنا تتبع غوين. التأكد من أنها بخير. الكثير من الناس الغربيين في هذا المكان."
"سمعت ذلك!"
نادت موظفة خفظ المعاطف خلفهما.
حين عادا إلى القاعة الرئيسية، بدا الصخب الحاد منعشاً كالغوص في بحيرة باردة. كان الجميع يصفقون بانتظام على إيقاع الفرقة، بينما كانت مجموعة من النساء يرقصن على المسرح، رافعات حواشي ثيابهن حتى يكاد الحضور يلمحن ركبهن. دار هادريان حول طاولة لرجال يضعون قبعات صفراء متطابقة ويقرعون أكواب البيرة بتوافق. شعر بحاجة متزايدة إلى شراب، وتساءل أي نوع من البيرة يقدمه مكان كهذا.
فكر في البحث عن حانة أو نادل، لكن ذلك عليه الانتظار. كانت لديه مهمة ليؤديها. تمثلت مسؤوليته —في نظره— في إلهاء رويس ليمنح غوين وقتاً. لمع الإشراق في ذهنه حين لمح إحدى النخلات الكثيرة. كانت ترتفع نحو عشرين قدماً، ومغروسة في جرة مغرة اللون بارتفاع ستة أقدام ومزينة ببقع من فضلات الببغاء. لم يكن وضع الشجرة مصادفة. كانت العقارات باهظة الثمن في القاعة، وبما أن الشجرة لم تكن زبونة تدفع المال، فقد وضعت في مكان يفتقر إلى إطلالة على المسرح.
جعل هذا النخلة المستأنسة والمنطقة المحيطة بها واحة جزيرية حقيقية من الخصوصية. بلغ هادريان الجرة، والتقط أنفاسه، ثم استدار نحو رويس ليلعب ورقته الرابحة.
"أين كنت؟"
"ماذا؟"
سأل رويس.
"حين وصلنا لأول مرة، اختفيت. إلى أين ذهبت؟"
بدا رويس منزعجاً.
"وما شأن غوين؟"
"إنها هناك تماماً."
أشار هادريان إلى الشخصية مرتدية البياض الناصع التي كانت تنتظر في طابور النساء الممتد يسار المسرح نحو الفيل. بحظ أو بتدبير، كان ظهرها موجهًا إليهم، تثرثر مع المرأة التي أمامها. كان ذلك محظوظاً، لأن بصر رويس كان حاداً بما يكفي لرؤية مساحيق تجميلها الملطخة.
"إذن، ما قصة الاختفاء المفاجئ؟"
توقع هادريان أن يوضح رويس أنه كان يتفقد الأمور كالعادة، لكنه مع وجود غوين كان شديد الحذر فحسب. واحتمل أيضاً أن يكون بحاجة لزيارة فيله الخاص. لقد كانا على الطريق بلا توقف لفترة من الوقت. في كلتا الحالتين، كان رد رويس سيضع حدّاً للاستفسار ويجبر هادريان على اختلاق موضوع آخر لتشتيت انتباه شريكه. كان هذا سيئاً لكونه عاجزاً عن التفكير في أي شيء — لا شيء مهم بما يكفي ليتطلبا التحدث على انفراد.
كان هادريان يبحث بجنون عن موضوع آخر حين أدرك أن رويس لم يرد. لم يكن اللص ينظر إليه ولا حتى إلى غوين. حدق شريكه في الجرة، ثم في الأرض، ثم راح بصره يرفرف عبثاً عبر الحشد.
"رويس؟"
قطب اللص جبينه ثم تنهد.
"لقد رأيته، أليس كذلك؟ أهذا ما قصدته بوجود الكثير من الغرباء في هذا المكان؟"
"رأيت من، رويس؟"
سأل هادريان وسط صخب الفرقة المتصاعد وطرق كعوب السيدات. مال رويس مقترباً من أذن هادريان.
"فالكرك دي روش."
"فالكرك دي... ماذا؟"
ارتبك هادريان. كان الاسم مألوفاً بوضوح باهت.
"أنت تعلم، الرجل الشاحب، شديد البياض حتى يبدو كأنه ميت منذ ثلاثة أيام. له شعر أحمر متوهج ولحية مطابقة. يرتدي عباءة وقلنسوة، وقد تكون هناك ندبة قبيحة تمتد عبر عنقه أو لا تكون، كأن شخصاً ما قطع رأسه."
حدق فيه هادريان.
"لا يمكنني القول إنني رأيت أحداً كهذا. ولو فعلت، لا أظنني كنت لأنساه. ما قصة هذا كله؟"
مرة أخرى، قطب رويس جبينه وأشاح بنظره.
"حين قلت لك إنني لم أقتل الليدي ليليان، لم يكن ذلك يعني أنني لم أقتل أحداً في تلك الليلة. كان هناك شاهد. كان خارج عقار ترافال."
"شاهد؟"
سأل هادريان.
"على ماذا؟ قلت إنك لم تفعل شيئاً."
"هذا ما شهده."
تحدث رويس مجدداً بصوت مسموع لهادريان بالكاد بينما كانت عينا اللص تراقب الحشد.
"لم أستطع السماح له بالعودة إلى هربرت ترافال والإبلاغ بأن زوجته كانت في السرير مع رجل آخر. لذا، أزلت التهديد."
"أزلت التهديد."
أومأ هادريان برأسه.
"أقتلت رجلاً بريئاً؟"
"كان يحاول ابتزاز المال مني، هكذا ظننت."
"أهذا الأشقر الشاحب شريك للرجل الذي قتلته؟"
"لا، الأشقر الشاحب هو الرجل الذي قتلته."
حاول هادريان تفكيك اللغز لكنه لم يستطع.
"بالنظر إلى أنني رأيته مجدداً في كروغر الليلة الماضية وحدها، أعتقد أنه يمكننا استبعاد كونه بريئاً وميتاً بأمان."
"انتظر. أرايت الرجل الذي قتلته في ميلينغار، بعد يومين في كروغر؟ كيف يعقل هذا—"
شبك رويس ذراعيه.
"من الواضح أنني رأيت الرجل الذي ظننت أنني قتلته. أدركت أن ثمة خطباً ما حين طعنته في حلقه وخرج أليفيرستون دون أي دم على النصل. ليست لدي فكرة عن كيف نجح في ذلك، لكن لا يمكن الجدال مع الحقائق. الرجل حي وتحدث خلف المراحيض بينما كان البقية تتناولون الطعام. قال إنه يلاحق مذكرات الليدي مارتل. وعرض علي حياة أبدية إن أحضرتها له. لذا، حين وصلنا، أردت التأكد من أنه لم يتبعنا مجدداً."
ابتسم هادريان، وكاد يضحك.
"حسناً، لنوضح هذا. الرجل الذي قتلته —آسف، ظننت أنك قتلته— الذي رآك لا تقتل ليليان ترافال، طاردنا طوال الطريق إلى هنا ليوظفك لتجد مذكرات مارتل، وهو يعرض أن يدفع لك بالحياة الأبدية؟"
"نعل."
أومأ هادريان بمعرفة.
"رويس، لقد غفوت على سقف العربة. إنه حلم برمته."
قطب رويس جبينه.
"ليس حلماً."
"حقاً؟ تطعن أحداً في عنقه، ولا توجد دماء؟ تقتل رجلاً، ولا يبقى ميتاً؟ ثم يظهر بوحي سحر وسط العدم؟ وماذا يريد؟ المذكرات التي أزعجتك منذ أن سرقتها. وماذا يعرض في المقابل؟ حسناً، مبلغ الحياة الأبدية المعقول جداً! بالطبع إنه حلم، يا رويس. كانت رحلة طويلة. كنت وحدك هناك أعلى. شعرت بالدوار. غفوت وحظيت بكابوس."
"لم أحظ بكابوس."
"كيف عرفت؟"
"كوابيسي ليست لطيفة قط."
نظر رويس عبر الغرفة إلى غوين، التي كانت الآن في مقدمة الطف. فتح الباب الصغير بين ساقي الفيل، وخرجت المرأة التي كانت قبل غوين. تحدثا واضحكا لثانية، ثم دخلت غوين.
"وليس حظي في اليقظة بلطيف أيضاً."
بدا رويس بائساً.
"إنها نادمة على المجيء، أليس كذلك؟ ظنت أن هذه ستكون رحلة رائعة لكنها أدركت أنها ليست كذلك."
"هذا..."
بدأ هادريان بقصد الجدال لكنه لم يستطع.
"صراحة، هذا دقيق بشكل مذهل."
أومأ رويس.
"أخبرتك أن الأمر لن ينجح. من السهل التخيل حين ترى الشخص أحياناً فقط وحين يكون في أفضل حالاته، لكن إن رأيته بلا توقف لفترة طويلة، تظهر العيوب."
"حقاً؟ ما العيوب التي وجدتها في غوين؟"
نظر إليه رويس بتعابير لا أستطيع تصديق أنك بهذه البلادة المعهودة.
"ليست هي— أنا. إنها تراكني أخيرًا على حقيقتي."
"لقد عرفت من تكون طوال الوقت. بحق مار، رويس، إنها تعيش في الحي السفلي، وهو مكان زينته بدماء رينور غرو! صدقني، إنها تعرف. وغوين امرأة ذكية وواقعية، وليست نزيلة منعمة مدللة."
"المعرفة والرؤية أمران مختلفان. الجميع يعلم أن قطة صغيرة لطيفة تصطاد الفئران، لكن حتى ترى الهرة الصغيرة تقضم كل ساق لفأر ثم تلوه بالجذع الذي ما زال حياً لساعات، فأنت لا تفدر حق الأدرك."
"أامتلكت قطة قط، رويس؟"
"ما أقصدة، لا يمكن لامرأة تحترم نفسها مثل غوين أن ترغب بأي صلة برجل مثلي. وصراحةً"— خفض رأسه، مظللاً وجهه بالقلنسوة— "حتى لو فعلت، ما كنت لأسمح لها بارتكاب ذلك الخطأ. إنها تستحق ما هو أفضل. إنها تستحق فعلاً... حسناً، شخصاً مثلك."
ارتفع حاجبا هادريان.
"كلاكما شخصان جيدان،"
نطق رويس الكلمة كأنها نقص مخز.
"أنا لست كذلك ولن أكون أبداً. السمك والطيور، لا مكان لكليهما معا."
"أتريد القول إنه سيكون مقبولاً لديك لو أنني... "
أشار بيديه نحو الفيل.
"أتعلم؟"
"حاول، وهذه القطة ستلعب بجذعك المقطع."
أومأ هادريان.
"إذن، تلك لا إذن."
خرجت غوين من الفيل وبدأت بالعودة.
"لا تخبر غوين بشأن فالكرك،"
قال رويس.
"سيزعجها ذلك فحسب."
"لقد كان كابوساً سيئاً، رويس. ما يجب أن يزعجها هو أنك مصاب بجنون العظمة لدرجة تخالك معها وحوش نومك تلاحقك."
تجاهل رويس التعليق.
"ربما إن لم يسء أي شيء آخر، وإن ابتعدت عنها، ستمضي وقتاً لطيفاً."
توجهت غوين نحو الطاولة. لم يبذل رويس أي محاولة لمغادرة واحة النخيل.
"هل الشرب يساعد؟"
سأل.
"هكذا تتعامل مع هذه الأمور، أليس كذلك؟"
"أحياناً. لا يحل المشكلة قط، ولا يدعك تنسى حتى، لكنه جيد في تخدير الألم، حتى لو لفترة قصيرة فقط. وإن شربت ما يكفي، تنام. والنوم مكان رائع لا يمكن للألم اللحاق فيه."
راقب رويس غوين وهي تبلغ الطاولة، وتدفع كرسياً، وتأخذ مقعدها.
"أظنني قد أجرب كاس نبيذ."
ثم، كأن حياته نفسها كانت تفلت من جسده، تنهد.
"يشبه الأمر الوقوف على ضفة نهر ومشاهدة أعظم كنز في العالم يطفو تماماً، لكن لا شيء بوسعي فعله— فلم أتعلم السباحة قط."
كانت الطواويس المشتعلة طواويس حقاً. خرج عدد منها دفعة واحدة بينما كان النُّدُل يركضون بها فوق الرؤوس على صوانٍ فضيّة كالمتوحّشين بالمشاعل. جلب آتين طبقهم، ووضَع الصينية في منتصف الطاولة. لمع وجهه بعرقٍ تلألأ في ضوء النيران المستمدة من الطيور. استشعر هادريان الحرارة. وما إن بدأت تصبح مزعجة، حتى نزع آتين الفُدامة من زجاجة صغيرة وسكب سائلةً داكنةً كثيفةً على جسم الطاووس.
مع فعله، فرقعت النيران وتطايرت شرراً وألقت قوس قزح من الألوان. ثم خنق النار بغطاء فضي، مميتاً اللهب بالكامل. وعند رفعه، كُشِف عن طير قُطِّع لحمه مسبقاً. صفّق ألبرت، مما دفع البقية للمشاركة بينما انحنى آتين.
قال: "استمتعا".
قال أركاديوس: "زجاجة أخرى من المونتيمورسي، لو سمحت".
أجاب آتين: "بالتأكيد"، ثم انطلق هارباً بينما مرّر ألبرت أجزاءً من الطير.
طعم الطاووس يشبه كثيراً الفلج أو الديك الرومي. ظن هادريان ذلك على الأقل. لم يستطع تمييز الكثير لأن الصلصة طغت على كل شيء، مشعلة انفجاراً عنيفاً من الحرارة الحارقة في فمه. لم يكن الطاووس مشتعلاً لمجرد وصوله محترقاً. أُجبر هادريان على رتشف نبيذه لأغراض طبية. ولم يكن الوحيد الذي يشرب. بينما لم يلمس رويس الطاووس الذي وضعه ألبرت أمامه، فقد أفرغ كأس نبيذه وأعاد ملأها، تاركاً ما تبقى من الزجاجة أمامه مباشرة.
كان هذا أقصى ما فعله رويس منذ عودته إلى الطاولة. جلس اللص بقلنسوته التي لا تزال مرفوعة، منحنياً قليلاً، ولم يأكل شيئاً أو ينطق بكلمة. أخذ هادريان رشفة أخرى، محركاً النبيذ حول لسانه، محاولاً تخفيف الجحيم. على الرغم من سنوات مدح رويس، لم يكن لطعم المونتيمورسي فرق يذكر عن أي نبيذ آخر. كانت له طريقة غريبة في الاختفاء عن لسانه، مأخوذة معها أي نكهة عالقة، وهو ما بدا وكأنه غش.
بالتأكيد لم يكن مروياً للعطش. جرب هادريان استراتيجية جديدة وبدأ في استنشاق الهواء مستهدفاً لسانه. نجح الأمر، لكن أثناء قيامه بذلك فقط. وبينما كان مشغولاً بإطفاء الحرائق، لاحظ هادريان الجانب الآخر من الغرفة، جزء القاعة الواقع إلى يمين المسرح. سرعان ما فكّر فيه كجانب الرجال أو الغوريلا. حيث ضم نصف الفيل غرفة السيدات، وغرفة المعاطف، والحوض المائي، ضم جانب الغوريلا مرحاض الرجال، والحانة، و...
سأل هادريان ألبرت مشيراً إلى قوس فخم في جانب الغوريلا، حيث وقف رجلان مفتولا العضلات للحراسة، كانا عاريي الصدور، مستعرضين عضلات مثيرة للإعجاب: "ما الذي يوجد هناك؟".
قال ألبرت: "هذا هو الكازينو".
سألت غوين: "منزل صغير؟".
نظر إليها ألبرت في حيرة.
"أقلتِ منزل صغير؟".
أومأت برأسها مووضحة: "منزل صغير أو مكان تجمع؛ هذا ما يعنيه الكازينو بالصليّة".
قال ألبرت بينما كان يلتقط سيخاً آخر من الطاووس الذي لا يزال يزيز: "لم أكن أعلم ذلك".
يبدو أن الفيكونت كان منيعاً ضد آثاره أو أنه قتل براعم ذوقه بشكل كافٍ بالفعل.
"لكن ما أعرفه هو أن هذه غرفة القمار. لديهم جميع أنواع ألعاب الحظ هناك: النرد، والورق، والعجلات، وكل ما يمكنك تخكره تقريباً والقليل مما لا يمكنك تخكره. يفقد الناس الكثير من الأموال هناك".
سألت غوين مضيفة قطعتها الخاصة من الطاووس إلى طبقها: "ألا يفوز أحد؟".
قال أركاديوس: "لا بد أن يفعلوا، وإلا فلماذا يفعل أي شخص ذلك؟".
هز ألبرت كتفيه.
"أفترض أن ذلك لابد أن يحدث، لكنني لم أره قط".
رفع يداً.
"لا، انتظر، أتراجع عن ذلك؛ يفوز الناس حقاً... ولكن لفترة فقط. الشيء هو أنهم يستمرون في اللعب. ترين، عندما يفوزون ليس هناك ما يمنعهم من الاستمرارية، ولكن عندما يخسرون، تنفد أموالهم في النهاية ويُجبرون على التوقف. لا يبدو الأمر عادلاً من هذه النحيّة، ولا يبدو أن أحداً يغادر مطلقاً بأموال أكثر مما دخل بها".
مازح هادريان جزئياً: "لماذا أظن أنك تعلم بشأن هذا عن قُرب، يا ألبرت؟".
لم يكن لدى ألبرت ما يتباهى به من رتبته سوى الرغبة في عيش حياة الطبقة الراقية، والتي تضمنت الكثير من وقت الفراغ وجميع أنواع الرذائل لملئه. استخدم الفيكونت أحد أفخاذ الطاووس للإشارة إليه.
"أستطيع أن أرى لم قد تظن ذلك، لكن لا، أنا لا أقامر. قد يكون هذا هو الانحلال الوحيد الذي لا أمارسه".
قال أركاديوس: "مثير للاهتمام".
كان البروفيسور يمر بوقت عصيب في تناول الطير الدهني المغموس بالصلصة، حيث تسبب في إحداث فوضى في أصابعه ولحيته. تخيل هادريان أن امتلاك لحية بيضاء كحية أركاديوس لابد أن يكون شبيهًا بارتداء قميص أبيض رقيق. كان الحفاظ على نظافتها خلال أي وجبة أمراً مستحيلاً حتماً.
"أتساءل، لم الاستثناء للقمار؟".
"حسنًا، كان ذلك في الغالب عن طريق القمار الذي خسر فيه والدي العزيز كل ما عجز والده من قبله عن تبديده. أدى هذا إلى النتيجة الرائعة لوجودي المتشرد".
صنع ألبرت وجهاً عابساً وهو يهز رأسه.
"بعد مشاهدته يرمي بكل شيء..."
توقف، متحولاً الوجه العابس إلى بؤس.
"كان الأمر برمته غبياً جداً".
لعق ألبرت صوص الحمم من أصابعه.
"نفخ والدي أكواماً من المال على المشروبات باهظة الثمن والنساء المكلفات — وأنفق المزيد على النوع الذي لا يمكنه شراؤه — لكن لم يزعجني أي من ذلك قط. أفترض أنني استطعت تفهم تلك الرذائل. الشرب يوفر نعمة رائعة. ومن يمكنه الجدال مع امرأة جميلة على ذراعك أو في سريرك؟ لكن القمار... لا أعرف. لم يكن له أي معنى بالنسبة لي قط. شعرت دائماً وك أنه كان يرمي المال فقط ولا يحصل على شيء بالمقابل. إذن، لا، لم تكن لدي رغبة قط في الانغماس".
أشار إلى الكازينو: "ليس في ذلك النوع من القمار على الأقل".
سأل هادريان: "ما فائدة الحراس؟".
أجاب ألبرت: "خاسرون متذمرون. تحصل على عدد منهم كل ليلة".
التقى شيء بعينه، فابتسم ألبرت ونهض.
"عذراً، أظن أنني أرى شخصاً أعرفه".
نظراً لطلبهم واحداً من كل شيء، لم يمر وقت طويل حتى وصل الإجاص. جاء تماماً كما أُعلن، برأسه المندس بدواعة تحت جناحه الأيسر. بدا الطير نائماً، إلى أن سحب آتين، مثل ساحر، عنقه وجناحه فارتفع الجزء الريشي بالكامل من الإجاص ليكشف عن جسم محمص بدقة ومقطع مسبقاً تحته.
تمتمت غوين: "مذهل".
قال أركاديوس: "إنهم يقدمون عرضاً رائعاً هنا حقاً. سواء على المسرح أو على الطاولة".
على المسرح، كان لاعب خفة يعرض حياته للخطر بالسيوف، والساطور، والفؤوس، مصحوباً بقرعات طبول درامية، لكن القليل من الحضور عجزوا عن الاهتمام الآن بعد أن وصل الطعام.
قال أركاديوس لآتين: "زجاجة نبيذ أخرى، أيها السيد الطيب".
نظر هادريان إلى الكأس الممتلئة أمام البروفيسور. كان واثقاً من أن أركاديوس لم يلمسها سوى مرة واحدة، عندما أخذ أصغر رشفة أثناء نخبّه لغوين. لم تكن لدى هادريان أي فكرة كيف نجا من الطاووس الجهنمي. كان لدى غوين كأس واحدة أيضاً، لكنها كانت تكاد تنتهي منه. كان الشرب الحقيقيون على الطاولة هما رويس وألبرت. بدأ الفيكونت الأمسية برشفة مترددة بينما كان ينظره رويس بالطريقة التي يلقي بها الكلب نظرة على سيده قبل انتزاع لقمة ساقطة.
حاول ألبرت ذات مرة شرب نفسه حتى الموت، وفرض رويس مرسوماً ينص على وجوب عمل ألبرت صاحياً ليكون جزءاً من رييريا. إما أن رويس أدرك أن هذه الليلة لا تُعتبر عملاً، أو أنه كان أتعس من أن يهتم. على المسرح، بدأ رجل وامرأة في غناء دويتو، وتفاجأ هادريان بملاحظة أنهما كانا يغنيان بلغة التينكين. ملأت طبقته الباريتون العميقة وطبقتها السوبرانو العالية القاعة، ورغم عدم فهم أغلبية الحضور للكلمات، هدأ الحشد قليلاً بينما استمع عدة أشخاص.
لم يكن هادريان بليغاً بالتينكين لكنه امتلك إدراكاً عملياً للغة ولم يتفاجأ على الإطلاق عندما بدأت غوين بالبكاء.
سأل رويس: "ما المكتوب؟".
كان هذا أول ما قاله منذ أكثر من ساعة، وقد ألقى السؤال بنبرته القاسية المعتادة كما لو أنه توقع منها أن تقول إن النبيذ مسموم. هزت غوين رأسها وأشارت إلى المسرح.
"الأغنية. إنها حزينة".
نظر رويس ذهاباً وإيابا بينها وبين المسرح. بدا مرتبكاً.
ثم سأل بنبرة ألطف: "عن ماذا تتحدث؟".
هزت رأسها. مع بقاء الدموع في عينيها وفمها المطبق بإحكام، بدت متألمة. مرة أخرى، نظر رويس — لا، بل حدق — إلى المغنيين كما لو أنه قد يزورهم لاحقاً تلك الليلة. تدخل هادريان.
"أخبريه، غوين".
مسحت عينيها، ومنحته نظرة مطولة، ثم استنشقت وأومأت.
"تتحدث عن رجل تينكين يدعى ليكو تعرض لهجوم مشين من قبل رجل فظ. دفع ليكو عن نفسه وقتل مهاجمه. وبفعله ذلك، فاز بزوجة الرجل، دالا، كأبَتِه، كما ينص القانون. لكن بعد ذلك، لم يلمسها أبداً. ولم يبعها أيضاً، رغم أنها كانت ستجلب سعراً باهظاً. كل ما فعله على الإطلاق هو معاملة دالا بلطف. عاشا معاً لسنوات بهذه الطريقة. وهو يعتني بها في المرض، ويجلب لدالا الزهور وغيرها من الهدايا. كافحا معاً ضد المجاعات والحروب والجفاف. لكن طوال ذلك الوقت، لم يلمسها أبداً. تمنت لو فعل لأن دالا وقعت في حبه. لم يحدث ذلك إلا عندما كانا مسنين وشائبين وعندما كان ليكو يحتضر حين اعترف بكيف أنه أحبها دائماً، حتى قبل المعركة، لكنه عرف أنها لا تستطيع حبه أبداً لأنه قتل زوجها".
خفضت غوين رأسها وهي تبكي.
"أنا آسفة، الأمر... الأمر حزين جداً فحسب".
لمس رويس ذراعها. تجمدت غوين. بدا أنها توقفت عن التنفس. لاحظ رويس وتركها. رفع كأسه فوراً وأفرغها.
قال أركاديوس: "هادريان؟ أخشى أنني تناولت قدراً كبيراً جداً من النبيذ، وهذا الطعام دسم للغاية بالنسبة لرجل عجوز مثلي. يجب أن أقول، إنني لا أشعر بحال جيدة بشكل خاص. هل يمكنني إزعاجك لتوصيلي بأمان إلى السلحفاة؟".
نظر هادريان إلى كأس أركاديوس من المونتيمورسي التي لا تزال ممتلئة لكنه أومأ.