لم يكن رويس يوماً ممن يعبأ بالأصول. ولا شك أن الظهور في غرفة نوم الكونتيسة يحتل مرتبة متقدمة في قائمة الزلات، غير أن مغادرتها وهي ما زالت في منتصف كلامها ربما كان أسوأ. وكان قد تجاوز النصف في طريقه العودة إلى بريكن ديل قبل أن يخطر بباله أصلاً أن يتساءل لم فعل ذلك. لقد أرعبته. لم يجد تفسيراً غير هذا. فتاة نبيلة مدللة هزته بعنف شديد جعله يلوذ بالفرار. يلوذ بالفرار. هرب من شابة تمتلك طريقة مزعجة في النظر إلى الأشياء.
وطوال طريق العودة إلى البلدة، تردد في ذهنه صدى كلمتين: مستحيل. وكان يلقي بين الحين والآخر صفة فظة أو يضيف: اللعينة مجنونة. وفي الغالب، كان يكز على أسنانه، ويتنفس بقوة من أنفه، ويعصر اللجام بقبضتين حتى صرخ الجلد. وكان العزاء الوحيد في كلام السيدة دولغاث هو ألا يكون هادريان برفقته، وألا يكون قد سمع. على الأقل، أحد أبويك هو ما يدعوه الناس قزماً. لم يكن الأقزام يحظون باحترام يزيد على احترام الصراصير، وحثالة البرك، وعفن الخبز.
ففي زمن سحيق، كانوا عبيداً للإمبراطورية الأولى. وعندما سقطت، نالوا حريتهم لكن لم يكن لديهم مكان يقصدونه. ومنذ ذلك الحين، تكتل أولئك العبيد الذين تحولوا إلى متسولين في أسوأ أحياء كل مدينة. ومثل الحشرات الغبية التي تجذبها نار المخيم، تجمهروا في مستنقعات القاذورات مادين أيديَهم ومتوسلين الفتات. وكانوا كل يوم يقبلون أقدام أولئك الذين يبصقون عليهم. لقد كان رويس مخطئاً تلك الليلة عندما ناقش أيهما أسوأ، الكلاب أم الأقزام.
وكان ينبغي أن تكون إجابته هي الأقزام، بلا شك. لقد كانوا في مرتبة أدنى بكثير في القائمة، لدرجة أنه كان يتجاهل ذكرهم تماماً في الغالب. بالكاد أستطيع رؤيتك، لكنك لا تجد صعوبة في رؤيتي. ضوء النجوم الداخل من النافذة يكفي لكشف لون عيني. كانت مصيبة، مع أنها لم تكن لتدرك ذلك. البناؤون يعرفون أفضل الطرق لهدم المباني، ورويس يفتخر بتحطيم الأكاذيب. كان ينفذ بنظره عبر الخداع، والملق، والابتسامات المزيفة.
وكان يتبع المنطق، وعندما لا يكتمل الحساب، كان يعلم أن حبات الرمل الكاذبة ترقد في قاع الأساس. لكن كل شيء بدا منطقياً هذه المرة، وكل الحسابات استقامت. وهو فقط لم يرغب في تقبل الحقيقة. لم يسبق لرويس أن عرف والديه. وقد أُخبر بأنه أُهمل في مجرى موحل بمدينة راتيبور عندما كان رضيعاً. وكان الأطفال الآخرون يسخرون منه وينعتونه بالقزم. لقد كان ضئيلاً، ونحيلاً بالقدر الكافي، ويبدو بالفعل في أثواب المعدمين.
ولبراءته حينها، صدقهم. وحين كبر، أدرك أن الأطفال كانوا على خطأ. فقزم لم يكن سوى أبشع كلمة استطاعوا اختلاقها. وعلى مدار العقود، شهد الكثير من القسوة البشرية حتى بات يتقبل التخلي عنه بوصفه أمراً طبيعياً، ودعامة أخرى في إطار ثابت. ولم يكن السؤال هو: كيف استطاعت أمي تركِي في مجرى موحل؟ بل: لم لا يُهمل المزيد من الأطفال في الوحل؟ إنها مجرد حظ أغبى. لقد بني على الاعتقاد بعالم قاس، لكنه شعر بعد فراره من غرفة نوم السيدة دولغاث أن ذلك الأساس يتداعى.
وإن كانت على حق، فسيشرح ذلك الكثير. وما زال رويس يؤمن بقسوة الحياة، غير أن الغلظة ربما لم تكن توزع بهذه العشوائية. فهو لم يُنبذ لأن العالم قاس، بل جُفي لأنه كان قزماً.
حين بلغ باب باين أدرك الكاهن مزاج اللص ولم يكلف نفسه دعوته للداخل. عوضاً عن ذلك وجّه الراعي رويس نحو دار كالدويل قائلاً إنه حاول إبعاد هادريان ولكنه رآه يتجه في تلك الوصلة. وصل رويس إلى المكان الذي أشار إليه باين ولكنه لم يعثر على لافتة بل على شرفة تغطيها اللبلاب. وقف ثلاثة رجال معاً قرب الباب المفتوح يراقبونه وهو يربط حصانه.
"هذه دار كالدويل؟"
تجاهلاه. قفز رويس فوق حاجز الشرفة وتفرق الرجال.
"لا تعرهم اهتماماً"
قالت شابة وهي تخرج من جو الدار المظلم المغطى باللبلاب. استدار رويس نحوها وشحب الوجه الواقع تحت خصلات الشعر الأحمر كشبح. اتسعت عيناها وفمها ولوحت بكفيها كعلميين أبيضين صغيرين.
هتفت: "سحقاً لي!"
"لا شكراً"
قال رويس.
"لست في المزاج وأنت لست نوعي المفضل."
تراجعت إلى الخلف متعثرة بقدميها محاولة الابتعاد. كانت ردة فعلها غريبة ولكن الرعب المطلق في عيناها نبهه إلى وجود مشكلة فأبطأ رويس خطواته. تذكرها من أيامه في الماسة السوداء وإن لم تكن أكثر من مجرد وجه. عُرفت باسم فلسبار وكانت عاملة نظافة من الدرجة الدنيا جندية في جيش الماسة تعمل ضمن فريق في إحدى زوايا كولنورا الأقل إنتاجية. بدا وكأنه يتذكرها تعمل مع شاب يحمل اسم النقابة جليتر الذي كان يجذب الحشود بألعاب الخفة والسحر.
أما الخفة الحقيقية فكانت تحدث خلف الكواليس. كان الخوف منه أمراً معقولاً بالنظر إلى الحرب المصغرة التي خاضها ضد النقابة قبل بضع سنوات ولكن خوفاً أشد فورية انبثق من وجهها. كانت المفاجأة أو حتى الرهبة متوقعة ولكن فلسبار أظهرت تعبيرًا لا يُرى عادة إلا على وجوه أولئك الذين يتوقعون زيارة منه. كانت تنضح بالذنب وتبع رويس تراجعها نحو الحانة. هادريان. لم يكشف نظرة سريعة عن أي أثر له.
ربما ذهب إلى غرفتهما المستأجرة ولكن ذلك بدا مستبعداً نظرا لوجود الحانة.
كان ينبغي على شريكه أن يجلس ويشرب ويغازل فتاة جميلة — "أين هو؟"
سأل رويس. كانت فلسبار لا تزال تتراجع ولكن ببطء. ذكية. يعلم الجميع أن المرء لا يفر أبداً من مفترس فهذا لا يطلب سوى الهجوم. أحصى رويس ثمانية آخرين في الحانة. جلس قطيع الرجال الأربعة ذاته الذي أراد طلاء الراعي على طاولة محاولين قدر الإمكان عدم لفت الانتباه ومع ذلك واصلوا إطلاق نظرات قلقة. استند اثنان آخران إلى عمود يراقبن. كان الساقي وفتى يرجح أنه يعمل هناك مهتمين بالقدر ذاته.
"لم أكن أعلم أنك أنت. أقسم بالسماوي لم تكن لدي أي فكرة. لو كنت أدرك..."
"تابع"
قال رويس وهو يتبعها إلى الداخل.
"لو كنت أدرك... ماذا؟"
أدركت خطأها وأطبقت فمها.
"دودج؟"
نادى أحد الرجال قرب العمود ودفع اثنان آخران على الطاولة كراسي صرير صوتها على الأرضية الحجرية. لم يكن المفترض أن تسير الأمور هكذا. لقد بدأ للتو يدركان أن المسرحية توقفت عن اتباع النص. اندفع رويس إلى الأمام وأمسك بقبضة من الشعر الأحمر جاداً فلسبار إلى الخلف وركل قدميها من تحتها. وثب بقية الشباب على الطاولة وبدأ الاثنان قرب العمود يعبران الغرفة مقبلين نحوهما.
"توقفوا!"
أمر ووضع نصل أفرستون على عنقها.
"ليجلس الجميع. أخمّن أنها ليست الوحيدة القادرة على إخبار بما أريد معرفته. حين تكافح لتتفسر عبر ثقب جديد في حلقها سيكون بقيتكم أكثر تعاوناً."
"أيها الصغير الـ..."
بدأ أحدهما يقول.
"اجلس!"
صرخت فلسبار.
"إنه لا يمزح. سيفعلها."
تجمدت الغرفة. كان رويس أول من تحرك. جارفة إياها بشعرها سحب المرأة عبر الأرض إلى الباب المفتوح وأغلقه. جذب الترباس.
"هناك"
قال.
"لا يغادر أحد حتى نجري حديثاً قصيراً."
لم يجلس أحد.
"اقعدوا على مؤخراتكم فهو لا يسأل مرتين!"
صرخات. عثر الجميع على كرسي.
"حسنآ الآن."
جذب رويس رأسها إلى الخلف لتنظر في عينيه.
"بما أنني أعلم أنك تفخرين بخفة اليد سنلعب لعبة العشرة أصابع."
أطلقت أنيناً.
"آه تتذكرين كيف تُلعب جيداً. لم أكن أخطط لشرحها."
سحبها نحو طاولة.
"هيا لست من أصحاب الصبر."
وضعت فلسبار يداً مرتعشة راحتها على الطاولة.
"افصلي أصابعك. لا ترغبين بفقدان اثنين دفعة واحدة عن طريق الخطأ أليس كذلك؟"
"ما اللعنـ..."
بدأ الرفيق ذو الستر البرتقالية يسأل.
"اخرس!"
صرخت.
"اخرس فحسب! ولا تحرك ساكناً. أرجوك من أجل السماوي لا يحرك أحد ساكناً."
كانت الدموع في عينيها واهتزت الطاولة التي لم تكن مستوية تماماً. أحدثت الأرجل غير المتساوية صوتا أجوفاً مزعجاً طق طق طق. وضع رويس طرف أفرستون بين خنصرها وبنصرها اليمنى. عكس النصل المصقول الغرفة.
"السؤال الأول: أين هادريان؟"
"في القبو هناك."
مع معرفتها بالقواعد أشارت برأسها. رفع رويس السكين وأسقطها بين بنصرها ووسطها.
"الثاني: أحيّ هو؟"
"نعم إنه نائم فحسب."
"امرأة محظوظة حقاً."
وضع طرف السكين بين إصبعها الأوسط والسبابة وكارتا ترتجفان بشدة لدرجة ظنت أنها قد تقطع نفسها. سيكون الأمر سهلاً؛ لم يكن أفرستون نصلاً متسامحاً.
"الثالث: لماذا هو في القبو؟"
"أغلق الباب على نفسه بعد أن أدرك أنني خدرته."
"خدّرته؟"
توقف نفسها للحظة. وحين استأنف أخيراً جاء متقطعاً.
"الرابع: لماذا لا يزال هناك؟"
"أخذ المفتاح الوحيد ولم أكن سوى عاملة نظافة لا لصة. ليس لدي مهارات. كنا نظن أنك ستأتي قريباً ولم نرد أن نُضبط ونحن نحطم الباب عند وصولك. لكنني لم أكن أعلم أنك أنت القادم."
"الخامس: حين أتركك هل ستفرين؟"
"لا."
"اليد الأخرى"
أخبره رويس وسحب الأولى بعيداً. بقيت بقعة عرق على الطاولة. انزلقت الأخرى بتردد في مكانها. وضع رويس طرف أفرستون بجوار خنصر يدها اليسرى وتركه يلتوي في الخشب.
"السادس: لمَ لا؟"
"لا مكان أذهب إليه ليكون بعيداً بالقدر الكافي."
"أنت جيدة في هذه اللعبة."
ابتسم رويس ثم فاجأها بتحريك النصل في تعاقب سريع ماراً به بين أصابعها الأربعة التالية بسرعة جعلت يبدو كقرع طبل صغير. ارتعشت فلسبار وقفزت رجلاها وأطلقت صرخة ألم. لكنها لم تحرك يدها على الطاولة بمقدار شعرة.
"السابع: أتمكن هادريان من الحصول على غرفة قبل أن تخدريه؟"
"نـ-نعم."
سحب النصل من الطاولة.
"انهضي"
أمرها وتركها تعثر على قدميها بنفسها.
"سأفتح ذلك الباب. وخلال ذلك ستشرحين لأصدقائك لماذا سيكونون أولاداً طيبين جداً."
عبر رويس الغرفة متحركاً بلا صوت. كان القبو يحتوي على قفل بدائي ذي مسمارين؛ استغرق إخراج مفاتيحه وقتاً أطول مما استغرقه فتح الباب. في الداخل وجد هادريان متهالكاً على الأرض.
"أخبر أصدقائك ذوي البنية القوية أن يحملوه إلى الغرفة."
أومأت فلسبار وأشارت لعنق الثور بالتحرك.
"هيا يا دودج"
اعترض.
"الرجل نحيل كدجاجة."
كان صوتها صارماً.
"افعل ما يقوله بروك."
"ثمة ثمانية منا. لا أرى سبباً يجعلنا نفعل أي شيء يقوله."
ألقت فلسبار نظرة على رويس.
"عذراً"
قالت ثم مشت نحو الحانة والتقطت سكين تقشير. عادت إلى بروك ودون سابق إنذار أو تعليق غرست السكين في فخذ الرجل. صرخ وانحنى ممسكاً ساقه. ثم سقط إلى الخلف على الأرض مرسلاً أحد الكراسي منزلقاً.
"أ.لا.ترون. ذلك؟"
انحنت فوقه صائحة ومشيرة إلى النصل في فخذه.
"لمَ فعلت ذلك؟"
سأل الساقي.
"من الواضح أنها تعجب به"
شرح رويس. التقطت فلسبار السكين ونهضت ومسحت الدموع بظهر يدها.
"اصعدوا بهادريان إلى الأعلى. حالاً!"
سقطت الكراسي بينما نهض الرجال وتوجهوا نحو القبو. أبقى رويس عيناً حذرة بينما كانوا يحملون هادريان.
"دثروه جيداً يا فتيان."
"نعم ـ من أجل السماوي لا تؤذوه."
وضعت فلسبار السكين على الطاولة ورفعت يديها مرة أخرى.
"داستر أقسم لك لم أكن أعلم. لم أكن هنا حين وصلتما. سمعت أن رجلين أفسدا طلاء باين وظننت أن الكنيسة أرسلت بعض المفتولين لحمايته. سمعت أيضاً إشاعات عن قاتل مأجور ولكن لو كنت أعلم أنك أنت..."
"تهانينا على لعبة عشرة أصابع ملعوبة ببراعة. أنت بارعة في ذلك. لا عجب أنك لا زلت تملكين كل أصابعك."
راقب رويس الموكب الذي كان يحمل هادريان صاعداً سلالم النزل دون حوادث. بدا وكأنهم حاملو نعش في جنازة.
"سيسعد هادريان لأنه أنقذ حياتك بإغلاق الباب على نفسه في القبو"
أخبرها.
"إنه غريب بهذا الشكل."