الفصل الأربعون: آخر ما تبقى مني (٤)
دعا روان ميف، وكانت هي والقائد تايتس خلفه، وكان الحرس في المؤخرة، وعيونهم ترقب أي أخطار، "شكراً لكما على جهودكما في وقت سابق. لما كنت لأصل إلى هنا لولاكما".
"لقد كان ذلك شرفي، يا لورد. لولا قوة سواعدكم، لكانت أي مساهمة أقدمها عديمة الفائدة"، هكذا ردت ميف.
أشار روان أيضاً إلى القائد الذي اقترب منه، "أيها القائد. ليس هناك في عقودكم كحرس لعائلتي ما ينص على وجوب قتالكم ضد الكائنات البغيضة. أحيي شجاعتك وشجاعة رجالك. إن القصص التي سمعتها عن شجاعة الحرس لا تعطيكم حقكم".
انحنى له القائد تايتس بشكل رسمي، "نحن درعك ورمحك، أيها الأمير. إن حياتنا تكتسب قيمتها من خلال الخدمة لعرش كورانيز".
الخدمة. تأمل روان في قرارة نفسه. بالنسبة لرجال كهؤلاء، كانت هذه الكلمة تحمل وزناً ثقيلاً. أومأ روان برأسه نحو القائد، "أريدك أن تعلم أيها القائد، أنني سأبذل قصارى جهدي للتأكد من حصول الساقطين على كل الشرف الذي يستحقونه".
صرف روان القائد. انحنى القائد مرة أخرى وتراجع إلى الوراء.
التفت روان إلى ميف، "سنعقد اجتماعاً عاماً للتداول حول الوضع الحالي، لكنني أود معرفة رأيك بشأن خطوتنا التالية".
فكرت ميف قليلاً، "يا لورد، الكائنات البغيضة هي كارثة إقليمية. إن لم يُسيطر على هذا الوباء، نظرياً يمكنها التوسع إلى ما لا نهاية، مكوّنة أشكال معركة أقوى حتى تجتاح القارة بأكملها.
لقد أرسلت رسائل إلى قصر العائلة وثكنات الجيش في ورهولد، وهي الأقرب إلى كلكتا. يمكننا الصمود لفترة داخل القصر. أنا متأكد من أن التعزيزات ستصل قريباً".
تنهدت ميف، "في البداية، اعتدت أن أظن أن البديل الأنسب هو مغادرة هذه المنطقة والفرار إلى أروث العاصمة، حيث يقع منزل عائلتك هناك. يمكننا بسهولة جلب قوة نارية كافية لتطهير هذا الوباء.
إن وجود المخربين في القصر وكمية الكائنات البغيضة التي نواجهها يعني أننا إن غادرنا، فلن نكون قادرين على الدفاع عن أنفسنا بشكل كافٍ، لافتقارنا لأي معلومات استخباراتية موثوقة عن أعدائنا.
لا يمكنني الجزم بمستوى أشكال المعركة التي قد يكونون بلغوها. وإن احتمل وجود بطل لديهم، فنحن هالكون إذن.
كما تعلم، لدينا مساران رئيسيان للعبور: عبر الغابة أو البحيرة. لقد رأينا الكائنات البغيضة تتراجع نحو البحيرة، لذا فهذا فخ موت قيد التشكيل، ولا شك عندي في وجود المزيد من الكائنات البغيضة داخل الغابة، فنحن محاطون فعلياً بلا أي مسار للهروب.
يمكننا أن نقرر الفرار مع الحرس ومحاولة شق طريقنا عبر العقبات التي سنواجهها، لكني أترك ذلك كخيار أخير لنا.
البقاء وصناعة دفاع في القصر سيكون أهون الشرين. سننتظر التعزيزات، ويمكننا إقامة دفاع فعال، ومع الرموز الدفاعية الموجودة على القصر، قد نتمكن من النجاة".
"كيف يمكن أن يحدث هذا؟" هكذا قال روان، "كيف يمكن لمثل هذه الكمية الكبيرة من الكائنات البغيضة أن تحيط بهذه البلدة دون أي مؤشر مسبق؟"
قطبت ميف حاجبيها، "من الناحية المنطقية، ينبغي أن يكون ذلك مستحيلاً، فبالنظر إلى كميات الكائنات البغيضة التي واجهناها، كان لزاماً عليها أن تقتل عشرات الآلاف لتنمو إلى هذا المستوى. لم تكن هناك أي تقارير عن سقوط بلدات هنا وهناك أمام وبائها. التفسير الوحيد الكافي سيكون المسيطرين... أقوياء منهم أو مسيطر سماوي بقدرة فريدة".
"إذن كيف نقاتل ضد ذلك؟" تذمر روان موافقاً، "الكائنات البغيضة أفهمها، فهي تأتي للقتل والاستهلاك، لكن كيف نقاتل عدواً لا نعرف نياته ولا غاياته والأمر الأكثر إثارة للقلق هو نواة الكائنات البغيضة تلك، فهي جذر هذه الكارثة، ولا أعتقد أننا نملك القدرة على تدميرها بعد".
كان قطيب حاجبي ميف يشتد ببطء مع شعور بالترقب بينما استمر روان، "قد نتمكن من تخمين نياّت المسيطرين أو مجموعة المسيطرين التي قد تتسبب في هذا الوباء، هل لديك أي أفكار؟"
"إن كان هذا محرضاً من قبل المسيطرين، فحينئذ إذا فحصنا هذا الوضع من منظور المال والموارد"، هكذا أجابت ميف، "تقع هذه البلدة في نهاية العالم، فنحن لا ننتج سلعاً ثمينة وليست لدينا أي عروق أحجار كريمة أو معادن ثمينة.
إن فرع بحيرتنا لا يؤدي بشكل خاص إلى أي وجهات مهمة وليس هناك أي وحش ثمين بالخصوص ليتم اصطياده بداخلها، كما أن جبال الضباب من خلفنا قاحلة بشكل معروف.
لم تكن هناك أي تطورات أو تغييرات جديدة في هذه البلدة، باستثناء..."
"أنا"، همس روان، "التغيير الجديد كان وجودي. بسبب وُجودي، عانى كل هؤلاء الناس مصيراً رهيباً".
"يا سيد، أنا لا أوافق على كلامك هذا"، قالت ميف بحزم، "أنت لست مسؤولاً بأي شكل من الأشكال، ولقد عرضت حياتك للخطر من أجل شعبك، لقد تجاوزت واجبك بكثير وقمست بالدفاع عنهم.
أعرف معظم النبلاء الذين يفضلون الفرار بدلاً من الوقوف والقتال حتى ضد احتمالات أقل. أرجوك يا سيد، لا تتحمل أي مسؤولية عن هذه الجريمة في قلبك".
"أه، أنا أعلم أنني لست مسؤولاً شخصياً عن هذا"، هز روان كتفيه، "ولكن... يمكن القول أيضاً إن وجودي جلب الكارثة، سواء بعلم أو بغير علم. لا تفهميني خطأ. أنا لا أحمل أي شعور بالذنب في قلبي، باستثناء ذنب العجز، فلو كنت قادراً بالقدر الكافي، لما تآمر أحد ضدي بهذه الطريقة. أنا ضعيف للغاية فحسب".
تنهد روان وأحضر النصل إلى الأمام، إذ كان معلقاً على ظهره، مربوطاً بشرائط من ردائه، وكان السلاح يهتز ثم هدأ سريعاً، في اللحظة التي أمسك بها روان. تفرس في السلاح، مراراً بيده على المقبض الذي صار يحتوي الآن على عروق متعددة من الذهب تنمو في داخله.
كافحت ميف لكبح ضحكتها والتفت روان بوجهه البارد نحوها، فقالت: "يا سيد، بالقدرة التي أظهرتها. لا أعرف أي مسيطر في عمرك يمكنه التفوق عليك، وقد أصبحت بهذا القوة في غضون أيام. اغفر لي يا سيد عما أنا قائلة تالياً... أنا أكرت والدك لأسباب عديدة، لكنه منحك الفرصة لتنمو قوياً، وملوك السماء أعتقد أنك تجاوزت كل التوقعات".
بأي ثمن. تنهد روان في داخله، هل يمكن أن يكون وباء هذه الكائنات البغيضة طريقة لاختبار قدرة التفرد؟ حسناً، سيحصل على الإجابات قريباً أم لا، لقد كان عاجزاً في مقاربته لمعالجة هذا اللغز.
تحدث روان بصوت خافت: "أعتقد أن نواة الكائنات البغيضة موجودة هنا. داخل بحيرات سيلفان".
صمت لفترة بينما كان يضبط النصل ويحركه نحو كتفيه، "هل رأيت الاتجاه الذي فرت إليه الكائنات البغيضة؟"
"أعتقد أنه كان نحو البحيرة"، هكذا قالت، "رغم أنني رأيت القليل منها يمضي إلى غرب البلدة نحو الغابة".
توقف روان لفترة قبل أن يقول: "هل رأيت رأس امرأة عملاقاً، بعيني عنز؟"
"لم أره يا سيد، ومع الفوضى، لربما أخطأته، لكن سيكون من الصعب جداً بالنسبة لي التغاضي عن مشهد كهذا. مع ذلك، أظن أنك ربما رأيت ما رأيته بسبب إدراكك. أياً كانت الطرق التي تستخدمها للرؤية، فقد أرتك عالماً أعمى عنه".
بصري! ألم يكن يبحث عن طريقة لرى الحقيقة، لفهم وضعه؟ قد يكون هذا هو المفتاح لبدء فك شفرة الظلام الذي وجد نفسه فيه. لقد استطاع لمس عالم خارج رؤية أغلب البشر، حينئذ سيرى حقائق مُنعت عنه.