ذا بيرفكت ران الفصل 91 — إمبراطورية الدم

اقرأ ذا بيرفكت ران الفصل 91 — إمبراطورية الدم باللغة العربية على مانجا تايم.

وضعت لين يدها على حوض السمك، ورمقتها عينا بلودستريم المتعفنتان بنظرة. ملأ هذا المشهد رايان بالازدراء والتقزز. "كيف؟" سأل الساعي، بينما ضاق نفسه وألمه وجعه الحاد حول عنقه. حتى بعد كل هذه السنين... حتى بعد كل هذه السنين، ما زال يتذكر يدي أبيه بالتبني وهما تشتدان حول حنجرته. لقد كان ما يقولونه حقيقياً. المرء لا ينسى أبداً تجربته الأولى. "كيف..." "طفرات سيكو غير المسيطر عليها"، أجاب الدكتور تيرانو بكتفين مرتجفين، إذ أخطأ فهم السؤال. "رفض نائب الرئيس إطعامه الجينومات، لذا استمر شفرته الوراثية في التدهور ليتحول إلى كائن غريب تماماً. لم يستطع الجزء البشري مجاراة تلك القوى بعد فترة وجيزة". عبرت فكرة ذهن رايان: إن هذا هو المصير الذي ينتظر السيكو أجمعين، إن عجزوا عن درء التحلل. فقد أعادت الإكسيرات صياغة أجسادهم لتصير شيئاً غير بشري. شيئاً ملائماً أكثر لاحتواء الطاقات غير المحدودة للأبعاد الملونة. أكان بلودستريم واجداً ومدركاً حتى؟ أَبقيت جمرة من الإنسانية، أم لم تفضل سوى الإكسيرات؟ أتعرف إلى ابنته، أم إلى ريح دمائها؟ "أهو..." بدا صوت شورتي مهزوزاً وواهن بالكاد استطاع رايان تبين كلماتها. "أأبي... أأبي موجود هناك؟" "قمنا بإخصاء المخلوق كيميائياً قبل سنين، وتوقف عن محاولات التواصل كافة بعد ذلك"، رد الدكتور تيرانو بلا أي أدنى ذوق. قد يكون عبقرياً، لكن العلاقات الاجتماعية لم تكن قطعاً من اختصاصه. "كيف لك... كيف لك أن تفعل هذا؟" هجست لين، وهي ترمق العالم المخبول. "كان... كان هناك رجل في الداخل!" "ليس تماماً، فقد صنفته الإدارة كأصل من أصول الشركة"، قال تيرانو، فائتاً عليه المعنى برمته. تحرك رايان نحو لوحة الحاسوب الموصولة بحوض السمك، فاخترق درع ساتورن النظام المغلق بيسر. ظهرت البيانات على عدساته، من تحليلات حيوية إلى تقارير عن اختبارات المنتجات المقلدة. أكد الساعي سريعاً أن ديناميس احتجزت بلودستريم منذ عام ألفين وستة عشر؛ وقد نسخه تيرانو من عينات أُخذت بعد أن داهم السيكو مستودعاً للشركة. لاحظ رايان أيضاً مجلداً يحمل اسم "مشروع فتاة الوحش"، فرفض فتحه. انتابه شعور بأنه سيصيبه بصدمة نفسية طوال الحلقات القادمة. لكن الأهم من ذلك كله، علم رايان أن الدكتور تيرانو استعمل نظام بريد إلكتروني مشفراً للتواصل مع آخرين، ومحاميه أساساً. حفظ الساعي رموز الوصول ليتسنى له التواصل مباشرة مع العبقري المعتوه في حلقة مستقبلية. "لماذا... لماذا أردتموني؟" سأت لين، مسددة بندقيتها المائية نحو تيرانو. رفع ممانع الديناصور يديه استسلاماً. "ما المغزى؟" "لأن أباك زرع عميلاً خارجياً داخل خلايا دمك، وهو ما يجعل المنتج المقلد يتفاعل بعنف عند التلامس"، اعترف تيرانو. "بما أن العميل القديم في دمك يسبق الإخصاء الكيميائي، فإن الاصطناع يُنشئ مادة جديدة قادرة على مقاومته. ومستهلكونا يتحتم عليهم... الانعكاس". طريقة مهذبة للقول إنهم تحولوا إلى استنساخات لبلودستريم. "التتمست الإدارة لدراستك بعمق وتقليل مخاطر الانعكاس، لكن السيد إنريكي ظل يمارس حق النقض ضد مقترحي"، تذمر العالم. جعل هذا الساعي يحترم بلاكثورن أكثر قليلاً من ذي قبل. "إليك السؤال المليوني إذن"، قال رايان، ملقياً نظرة على الشوغوث الملطخ بالدماء السابح في حوضه. "كيف نقتل هذا الشيء؟" تراجعت لين. "ريري..." "لين، أبوك قد رحل"، جادل رايان، ملوحاً بيدٍ مكسوة بقفاز نحو السيكو المعلق في علبة. "لم يعد بشرياً حتى". "قلت... قلت إنك تستطيع إيجاد علاج للسيكو!" اعترضت. "أعظن أن بمقدورنا علاج البشر من طفراتهم، لا تحويل عصير الطماطم إلى هومو سابيين". راقب رايان سلاح لين وهو يرتجف بين يديها المرتعشتين. "أقرأ تقارير التحليل الآن، وهو يتشارك أقل من خمسين بالمئة من حمضه النووي مع البشر حالياً. الموز أقرب إلينا منه". حتى مع كل وقت العالم، الذي يملكه رايان، سيحتاجون إلى جينوم يتمتع بقوة حل معجزية. علاوة على ذلك، لم تكن لدى الساعي نية لإهدار هذا القدر من الوقت لمساعدة ذلك الوحش غير القابل للإصلاح. لقد داهم هذا المختبر ليؤكد بقاء بلودستريم، لكن شبح الطفولة الذي أرعب أيامه الغابرة بدا وكأنه زال بلا رجعة. لكن رايان لكان منح ماله كله مقابل رؤية رد فعل لين من خلف خوذتها. وقفت ساكنة برهة قبل أن تخفض رأسها وسلاحها معاً. لم تببس بكلمة وهي تستوعب كلمات صديقتها. ربما كانت تعلم دوماً أن الأمور ستنتهي هكذا، مكابرة في الإنكار حتى وضعت الحقائق نصب عينيها. الأب الذي أحبته مات قبل سنين. "لا أظن أن لديك علاجاً للمنتجات المقلدة؟" سأل رايان تيرانو. "بالطبع لدينا علاج"، اعترض العبقري المخبول، مما أثار دهشة رايان الكبيرة. "أتظننا مهملين جنائياً؟" "لقد حولت وحشاً إلى مشروب!" رد رايان بفظاظة. "أنت أسوأ من بيبسي!" "لكن مخاطر الانعكاس والمشاكل الصحية تقترب من الصفر طالما استُخدمت جرعة واحدة فقط!" "وهذا بالضبط سبب قومي بتأميم هذا المكان ومصادرة أصوله كافة. ومعك أنت". "لا يمكنك تأميم شخص—" "أنا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وهي العالم أساساً"، قاطعه رايان. "نحن نأممك أنت وعلاجك. كيف يعمل؟" فتح العالم فمه للاعتراض أكثر، حتى أشار رايان إلى سلاح صدره. آه، مزايا الاحتكار القسري... "طورت عاملاً معادلأ قائماً على الحقن، يهاجم خلايا بلودستريم ويصلح الشفرة الوراثية للهدف إرجاعها إلى حالتها قبل الاستهلاك"، اعترف الدكتور سكالي. "يمكن حقن متغير أقوى من التركيبة داخل حوض السمك تحسباً لأي خرق لاحتوائه. فهو يدمر المنتجات المقلدة تماماً". "لكن ليس إكسيرات الخيميائي؟" سأل رايان للتأكيد، فهز العبقري رأسه. بدا الأمر منطقياً. ظلت المنتجات المقلدة المرتكزة على بلودستريم خلايا سيكو متحورة في النهاية، بينما كانت الإكسيرات الحقيقية كيانات غريبة تتجاوز البيولوجيا التقليدية. "إذا كان علاجك لا يعمل إلا عبر الحقن، فماذا يحدث إذا ارتد عدة مستخدمين للمنتجات المقلدة في الوقت ذاته؟ حتى لو دمرت المصدر الأصلي، فلن يمحو المادة الكامنة داخل زبائنك أجمعين". "خطر الانعكاس الجماعي غير موجود قط"، أجاب تيرانو بكتفين مرتجفين، مستهزئاً بالقدر. لم تكن لدى هؤلاء الأبطال أي خطة البتة. كان إهمال ديناميس الجنائي يتجاوز الإدراك. "حسناً، في تلك الحالة، ستسلم هذا العلاج وتأتي معنا إلى المنطقة واحد وخمسين". ضيق الديناصور عينيه. "المنطقة واحد وخمسين؟" "قاعدة ميكرون، إن أردت الدقة". بما أن رايان يعرف مواقع أخريات، فيمكنهم دائماً الانسجام إلى هناك لبحث علاج لحالة السيكو. لقد قطع وعداً لسا—بيانكا، وسيوفيه. "يمكننا صنع منتجات مقلدة أمنة سوى الهلامات المعلبة التي تحصدونها هنا. إكسيرات تتبع بروتوكولات السلامة الصحية". "قاعدة ميكرون؟" أضاءت عينا العبقري باهتمام. لم يستطع مقاومة إغواء مختبر من صنع ميكرون. "أتعلم؟ أنا مرتبط بعقد ألا أعمل لصالح المنافسين، لكن إن اختطفتني فلن أقاوم كثيراً. أعظن أن الاختطاف يُعد قوة قاهرة؟" "في حالتي؟ إنه فعل سماوي". دافع رايان عن التسامح الديني، ولكن لطائفته وحدها فقط. "والآن، أين لقاح بلودستريم الخاص بك؟ سنقوم بتخليصه من عذابه في طريق خروجنا". لم ترد لين حتى، مما أثار دهشة رايان. توقع منها أن تقاوم قراره، لكن اكتشاف الحقيقة هز كيانها حتى العمق. نزّل رايان بيانات لقاح بلودستريم لاستخدامها في حلقة مستقبلية. الآن، عليهم تدبير طريقة لمغادرة المبنى رفقة تيرانو، إن أمكن. وبما أن رايان علم بالرسائل الإلكترونية المشفرة وأكد بقاء بلودستريم، فيمكنه دائماً التواصل مع العالم في المستقبل وتحسين غارة المختبر ستة وستين. لاحظت مستشعرات درعه فجأة ارتفاعاً حاداً في درجات الحرارة. لا... "شورتي، انبطحي!" صرخ رايان، لكن صديقته لم تصغ. كانت تحدق في حوض السمك صامتة، غارقة في أفكارها. "شورتي!" ذاب أحد جدران الغرفة في ومضة قانية. جاء الانفجار من الغرفة السابقة، مطهراً الحطام الساد للطريق في الخارج. غطى رايان خوذته بيده بينما ملأت سحابة من الغبار المختبر. عاد ألفونس مانادا، تجسساً حياً للنيران النووية. لكنه لم يكن وحيداً. تبعته فرقة صغيرة من الرجال يرتدون دروعاً واقية، بقيادة شقيقه بلاكثورن نفسه. غطت الكروم والطحالب درع مدير إيل ميليوري كطبقة حماية ثانية، وكان وحده من لا يحمل سلاحاً ناريّاً. ورغم ذلك، لم يبدو سعيداً بوجوده، ملقياً نظرة مقززة على حوض السمك. "ما كان لشيء من هذا أن يحدث، لو لم تكذب عليّ أنت وأبي آنذاك"، قال إنريكي بينما رفع رجاله أسلحتهم نحو لين ورايان. استعد الساعي للشق طريقه قتالاً. "كان فيفرن محقاً. لا يمكن لهذا أن يستمر بعد الآن". "ستنتهي الأمور كلها على خير، سترى"، رد شقيقه، كاذباً على نفسه. "أما الأب... فسيكون خارج الصورة بعد هذا، بغض النظر عن الطريقة". رفع فالاوث يده نحو رايان ولين، لكنه لم يطلق النار. كان خطر اختراق حوض السمك عظيماً للغاية. "رجالكم أجمعين موتى، وأنتما محاطان"، هدد. "استسلما". "لا أظن ذلك"، قال رايان مقترباً من لين بينما اختبأ تيرانو خلف حاسوبه. "لا زلت أمتلك القنبلة الذرية في حقيبتي الظهرية. وإن أردتم سلطة فطر كبيرة، فستنالونها". "لا أصدقك"، أجاب ألفونس، مجازفاً بكشف خدعته. "لا أفهم ما نويتم فعله هنا أيها المسوخ، لكنكم فشلتم". "شورتي، غطيني"، قال رايان. لم يستطيع مواجهة فالاوث وجهاً لوجه، لكن بمكانهما تجاوزه إن حسنا تدبير أوراقهما. لكن صديقته لم تجب. "شورتي؟" سددت لين بندقيتها المائية نحو حوض السمك، وأطلقت النار. اصطدم تيار سائل مضغوط بالزجاج قبل أن يتمكن رايان من إيقاف الزمن. كان الأمن الخاص قد فتح النار على لين بينما رفع إنريكي يده عبثاً ليأمرهم بالتوقف؛ تجمدت أشعتهم الليزرية في منتصف الهواء، فهوى الساعي بلين أرضاً بعيداً عن متناولهم. "شورتي، ما ال—" لم يستتم رايان جملته، إذ تفقد خوذتها عن كثب. لم يرى سوى دم أسود كثيف يتلظى خلف القناع. رمق رايان بلودستريم الأسير برعب، إذ كانت عينا الوحش المتعفنتان ترمقان ابنته بحدّة شريرة. ورغم أن المخلوق لم يعد واعياً، إلا أن قربه أطلق العنان للعدوى داخل شورتي وسمح لها بالسيطرة عليها. اصطدمت بعض الأشعة الليزرية بالحاجز الواقي لحوض السمك مع استئناف الزمن، وتقدم ألفونس بغضب زائر. انفجر قناع لين، وتدفقت منه محاليق دموية أجبرت رايان على القفز للخلف. لم يستطع الساعي سوى المراقبة بينما تسرب الدم من درع بدلة صديقته الغواصة، بعد أن استهلكتها المادة من الداخل. أما عن حوض السمك... فقد تصدع الزجاج، وذرف دموعاً من دم. لم يمنح الوقت لرايان سوى خطوات معدودة قبل أن تندمج محاليق لين مع الهلام المحبوس داخل الحوض. وصرخ بلودستريم. انفجر حوض السمك بعنف، بينما نما المخلوق المحبوس حجماً وقوة. ونمت هلامات الغول المخيفة أفواهاً مخملية تشرشر بصخب جنوني، وعيون زرقاء متلألئة باتساع شاشات التلفزيون، وثقوب مسامية تطلق ينابيع من جزيئات الفيض الأخضر. وتكون طحالب غريبة غريبة على أي شيء تلمسه هذه الجزئيات، كعدوى قادمة من واقع آخر. تمنى رايان لو استطاع محو ذاكرته متى شاء، وهو يرى درع لين يُمتص داخل الهلام الذي دَعته يوماً أبًا. التهم الغول ابنته. مد بلاكثورن كرومه لإنقاذ تيرانو، لكن بعد فوات الأوان. غرق العالم في حمأة حمراء، واضطر ألفونس لاستخدام تفجير ذري لإبعاد الوحش. تلقى الهلام سيلاً من النيران النووية في وجهه، لكنه تجدد فوراً. واستمر شكل بلودستريم الوحشي في التمدد، امتلأت الغرفة بلحمه البشع. وحالما التهم لين، وجه الوحش انتباهه نحو رايان. لم تظهر تلك العيون الغريبة المتلألئة أي ذكاء أو أثر للتعرف؛ بل الجوع وحده. لقد تدهور العقل بما يتجاوز الإصلاح، ولم يبق سوى غريزة الانتشار. أصبح بلودستريم فيروساً. والأسوأ أن بعض أفراد الأمن الخاص بدأوا يصرخون، فتدفق الدم من دروعهم ومزق خوذاتهم. بدأت المنتجات المقلدة في دورتهم الدموية بالانعكاس، رغم أن رايان لم يدر إلى أي مدى امتد الأثر. "ما مداه؟" همس رايان لنفسه، بينما عبرت ذهنه فكرة مقلقة. أمطرت رشاشات المياه مادة بيضاء في الغرفة، وربما كان ذلك لقاح تيرانو. لكن السائل عجز عن التأثير في بلودستريم المعزز، فتحول الرعب المتحور إلى موجة مد دموية. أوقف رايان الزمن ثانية انتهت فترة تبريده، وفرّ بأسرع ما يمكن. كان ألفونس مانادا قد شكل درعاً طاقياً حول شقيقه ونفسه، صاداً موجة الدم العارمة ورجاله معاً. رمق رايان تيرانو، لكن الرجل كان قد غرق بالفعل داخل البحر الأحمر الخرافي. فر الساعي عبر الثقب في الجدران، تاركاً المانادا يدافعون عن أنفسهم. لم يستطع رايان المخاطرة بأن يتجاوز بلودستريم درعه. وإن تمكن الوحش بطريقة ما من السيطرة عليه وتخريب نقطة حفظه... كان على رايان العودة إلى ليفيا لإتمام نقل الذاكرة. "عليّ العودة"، همس لنفسه، وصولاً إلى ما تبقى من مصنع الاستنساخ. "العودة إلى الماضي". انهار السقف على مصنع الاستنساخ، طامراً الغرفة وحلفاء رايان الموتى تحت أطنان من الأنقاض: رغم أن ألفونس مانادا نجح في إذابة مسار. ومع زوال السقف، كانت قطرات المطر الحمضية تتساقط على الأرض من ثقب في الأعلى. فُعل رايان حزامه النفاث، لحظة استئناف الزمن. تدفق فيضان من الدم إلى المصنع بعد لحظة، متغلغلاً في المبنى. نجح رايان في الإفلات من الفيضان، محلقاً في سماء مقر ديناميس الرئيسي. وإن استطاع بلودستريم توليد كتلة من العدم، فهذا يعني أن طفراته قد عززته بما يتجاوز قواه الأصلية. لكن رايان لم يدرك المدى إلا حين ألقى نظرة فاحصة على روما الجديدة. لقد تحولت المدينة إلى لون أحمر. تحور البشر في كل مكان رمقه رايان، فانفجر الدم من جلودهم ليحولهم إلى استنساخات لبلودستريم. انعكست كل إكسيرات المنتجات المقلدة في أرجاء روما الجديدة إلى طبيعتها الأصلية. تحولت الجينومات إلى وحوش، مهاجمة غير المصابين كالكلاب المسعورة. على الأرض، شاهد رايان استنساخاً واحداً لبلودستريم يطلق مسامير متبلورة نحو أفراد الأمن الخاص. وانضم كل من خدشته المقذوفات إلى حشد الزومبي. انتشرت الحرائق في كل مكان، وعجز هطول الأمطار الحمضية حتى عن إخمادها. تحولت جبل أغسطس إلى شمعة ملتهبة، وحجب الدخان المنبعث منها السماء لأميال، ولم تبدو مدينة الصدأ أفضل حالاً. "قوته لم يعد لها مدى"، أدرك رايان، وحلقه يؤلمه من ألم شبحي لحلقته الأولى. "العالم بأسره. سينتشر في العالم بأسره. سيغدو هو العالم". هذا... كان كابوساً. "هيلين؟" صرخ رايان. وظل الهطول الحمضي يتساقط بطريقة ما. "هيلين، أين أنت؟" أبصرها على الأرض. وحش دموي، يتبادل الأماكن مع قطرات المطر بينما ينقض على غير المصابين كالصقر على الفئران. لم يقتصر الأمر على إصابة بلودستريم للجينومات، بل واصل استخدام قواهم. وإن أصاب رايان... إن أصاب رايان، فسيحظى بلودستريم بالوصول إلى السفر عبر الزمن. "تي. ألشيمو؟ برينديد، أأنت هناك؟" نادى رايان بقية فريقه بذعر هستيري، فلم يتلق سوى صمت الراديو. "أحد ما؟" لكن أحداً لم يجب. ظن رايان أنه لن يهتم سوى لتي، لكن صمت أبيها... جعل قلبه يعتصر لأجل اللحظة. اللعنة، كانت هذه ثالث نهاية عالم تحدث في روما الجديدة منذ بدأ، والأسوأ على الإطلاق! "ليفيا؟" نادى رايان وهو يغير التردد. تحول المبنى تحته إلى الأحمر، إذ حطم بلودستريم المتنامي أبداً النافذة وتدفق على الجدران الفولاذية كشلال. حاولت محليق طويلة بطول ثلاثين متراً التقاط الساعي، فتفادى وحلق جنوب المدينة. "ليفيا؟ ليفيا!" إن بلغها بلودستريم قبله... أجابه صوت هادئ ومطمئن، "رايان". أطلق رايان شهقة ارتياح. "ليفيا، أأنت بخير؟" "نعم، أنا... أنا في مخبأ بمدينة سورينتو". وقفت وقفة قصيرة، وتسارع نفسها بذعر. "رايان، ما الذي يحدث؟ رؤاي... لا أصدق ما أراه. إنها تمطر دماً في الخارج". لحسن الحظّ، لقد نجحت سيدته الأولى في بلوغ جبال شايان. "تحصني واستعدي لنقل الذاكرة. أنا أرسل إليك البيانات التي جمعتها. سجليها ولا تلمسي أحداً سواي. ولا قطرة دم واحدة". "إنها ديناميس، أليس كذلك؟" خمنت وهي تسعل. "أهو... أهو متأخر للغاية لفعل شيء ما؟" "لقد فات الأوان هذه المرة"، رد رايان بفظاظة، وقبضتاه تطبقان بغضب. "ولكن ليس للمرة القادمة". لكان أقسم أنها أومأت برأسها في الطرف الآخر من الخط. "لا تمت في الطريق"، توسلت ليفيا. "سأكون في انتظارك". قطع رايان الاتصالات، بينما تقاطع مساره مع مسارات طائرين آخرين في السماء. راقب ليو الشمس الحية وشراود الدمار بصمت مهتز؛ رغم أن الأخير خلق سحابة من شظايا الزجاج المتطايرة عند رؤية الرئيس يقترب. "هدنة!" صرخ رايان، مصلباً ذراعيه. "هدنة!" "أنت من سبب هذا!" زمجر شراود. "هذا كله بسبب—" خرج ليو هارغريفز من غيبوبته ورفع يده ليوقف رفيقه. لقد أدرك أنه في هذه المرحلة، لا طاقة لهم بالقتال. ولا حتى لبطل خارق أنيق. "أأختك..." سأل شاين رايان، والمطر الحمضي يتحول إلى بخار ملون عند التلامس. "أهي ميتة؟" أدار رايان وجهه، فكان صمته تأكيداً بذاته. "أنا..." نظر ليو الشمس الحية أسفل في هزيمة كاملة. "أنا آسف، لأجلها. وأجلك، ماثياس. لقد أخفقنا في طلب أمك الأخير". "ما استطعنا إيقافه"، همس شراود لنفسه، وصوته يتهدج حزناً ويأساً. "أكنت تعلم أن هذا سيحدث؟" سأل رايان، مستاءً من نفسه أكثر من أي شيء آخر. "لقد تنبئ به، لذا... لذا حاولنا تدمير بلودستريم، لكن..." كافح ليونارد لإيجاد كلماته. "فشلنا". "لقد أخرنا الكارثة فحسب"، قال السيد الرائي، قبل أن يرمق رفيقه. "ليو، عليك فعلها". "إن أطلقت كامل قوتي، سيحترق الجميع في المدينة"، حذر ليو. لم يسمعه رايان يبدو قط هكذا... مهزوما هكذا. "الملايين سيهلكون". "وإن نجا طائر واحد، فسيتبعه العالم أجمع". أطلق شراود تنهيدة استسلام. "لا سبيل آخر". "العالم بأسره متأثر"، قال رايان. ورغم أنه سيُحمّل قريباً، إلا أنه لم يعتقد أن ليونارد يستحق أن تحمل هذه الوفيات على ضميره في أي خط زمني. "لدى ديناميس جينومات خارج روما الجديدة، وربما تحولوا. الأمر عديم الفائدة". "لكنه سيوخر انتشار الفيروس"، أصر شراود. "يمكننا كسب وقت كاف لحماية مجتم—" دوى الرعد فوق رؤوسهم. اصابت صاعقة قانية شراود، مطهية لحمه داخل درعه الزجاجي ذاته. شكلت الصاعقة ثقوباً في صدره، مبخرة أعضاءه ومرسلة الحارس مسقطاً إلى شارع محترق في الأسفل. أطلق ليو صرخة رعب ومفاجأة، بينما نظر رايان أعلى نحو مصدر الصاعقة. "هارغريفز". هبط أغسطس من الغيوم في الأعلى، متوشحاً بصواعق قانية كملاك مضيء مطروح على الأرض. "كان عليّ أن أعلم بتورطك". كانت ثياب مؤخرة البرق قد مُزقت أرباباً، لكن الرجل نفسه خرج سليماً. وكانت يده اليمنى تحمل النصف العلوي من لعبة أرنب محطم، وقد اسود فروه الأبيض بالأرماد. لقد فاز الملوك بلبيروماخيا. "أيها الاحمق!" زمجر ليو في وجه عدوه اللدود، وقد أصبحت نيرانه مبهرة العمى. "العالم على المحك هنا!" "العالم الوحيد الذي أريد العيش فيه"، رد موب زيوس رافعاً قبضته، "هو ذاك الذي غربت فيه شمسك". متحركاً بسرعة رايان في يوم جيد، لكم أمير الحرب ليو في صدره، مخترقة أصابعه النيران لتصيب قلباً محترقاً في الأسفل. أرسلت الضربة الشمس الحية محطمة على الأرض، ومبخرة بوقعها استنساخات بلودستريم إلى رماد. "أنت!" زمجر رايان بغضب عارم، بينما شحن موب زيوس البرق لصعق خصمه الساقط. سيضع هذا المعتوه ضغينته الشخصية فوق أي شيء أخر! "أيها التمثال العاجي الرخيص الأناني، لقد اكتفيت! ستسقط بطريقة ما!" رمقه موب زيوس بعينين تضمران القتل، ولعن رايان لسانه. أوقف الساعي الزمن منعكساً لحظة أطلق الملك اليوناني الرخيص عاصفة كهربائية باتجاهه. ورغم أن العالم الأرجواني طغى على روما الجديدة وحبسها بين ثانيتين، لم يتباطأ أغسطس ولا صواعقه. تجاهل الرجل المنيع إيقاف الزمن بالكامل. لكن فولكان صنع أفضل درع، ورايان توقع ما لا يُتوقع. طرف موب زيوس عيناه عندما امتص سلاح صدر الساعي الصاعقة القانية. لم تكن الآلية تملك سعة تخزين طاقة لا نهائية، لكنها منحت مسافر الزمن وقتاً كافياً للرد. ورغم علمه بفائدته، لكم رايان أغسطس في وجهه بكل ما أوتي من قوة. وشعر بشعور طيب. اصطدم قبضة درعه بخد الرجل العاجي، وتدورت جزيئات بنفسجية وسوداء حول أصابعه. توقع رايان أن يؤذي نفسه أكثر من زيوس الرخيص، سيما وأن الأمر بدا كضرب جدار من الماس؛ لكن لدهشته، أذهلت الضربة الطاغية. لم تلحق اللكمة أي أضرر، ولم تبدو أكثر فعالية من صفعة خفيفة، لكنها أقصرت هالة البرق للحظة. لبرهة وجيزة، استطاع رايان رؤية العجوز من تحت الواجهة السماوية، وقد اتسعت عيناه بصدمة بينما لامست قبضة الساعي خده. تحولت نظرة مؤخرة البرق من المفاجأة إلى الغضب، وإن لم يكن رايان مخفقاً... فتلميح بالخوف. "لقد شعرت بهذا"، قال أغسطس. انفك الزمن بينما استوعب رايان هذه الكلمات، ولكم موب زيوس بالمقابل. لكم أقوى من فيفرن، وأدم الغول، وأي شخص أخر قاتله رايان من قبل. صدعت قبضته حماية درع الصدر، محطمة السلاح أدناه إلى حطام، ومرسلة الساعي طائراً للخلف. اصطدم مسافر الزمن بمبنى، وخرج من الجانب الأخر، ونجح بالكاد في استعادة السيطرة على تحليقه قبل أن يتحطم أرضاً. نجا الحزار النفاث من الضربة، لكن الدرع قد خُرق. وبدت قطرة دم واحدة كفيلة بالتسرب. وحتى الأن أحس بقطرة مطر حمضية تحرق جلده تحت الفولاذ. لذا ركز رايان فوراً على استعادة الارتفاع، ونظر خلفه. ولحسن حظ الساعي، اشتبك هارغريفز مع أغسطس قتالاً، مؤخراً له الوقت الأن. تحول شاين إلى نجم معمٍ يشتعل عبر السماء، متسبباً بحرارته في غليان الغلاف الجوي حوله. ورغم ذلك، استطاع رايان رؤية ظل عدوه المنيع محاولاً الإمساك بقلب الشمس الحية؛ وربما كانت تلك نقطة ضعف هارغريفز الوحيدة. أحرقت نيران الشمس الحية ثياب أغسطس، لكنها لم تستطع إذابة جسده العاجي. استطاع ليو تأخير خصمه، لكن ليس هزيمته. وفي النهاية، سينسحب البطل الخارق، أو يهلك. وحينها سيتعقب أغسطس رايان. أعاد الرئيس توجيه كل الطاقة المتبقية إلى حزاره النفاث، تاركاً روما الجديدة خلفه في الغبار.

استغرق ريان ساعة ليبلغ مخبأ ليفيا. كانت روما الجديدة قد اختفت منذ زمن في ومضة من الضوء القرمزي، وقد التهمت النيران مبانيها وأرضها وسكانها. لم يكن ريان ليعرف أبدا إن كان ألفونس مانادا قد فجّر نفسه نوويا، أم أن صَنشاين تحولت إلى مستعر أعظم. ومع أنه كان قد ابتعد أميالا بحلول ذلك الوقت، فإن ساعي البريد شعر بموجة الانفجار الصادمة. لم يغير ذلك شيئا. وبينما كان الساعي يحلق فوق غابة، راقب الأشجار وهي تحمر، وأوراقها تتحول إلى أعضاء، ولحاؤها إلى دم متبلور. حتى بعض الطيور تحولت إلى مسوخ، وأخذت تطارد ريان لتنقل إليه العدوى. كانت أبطأ من أن تلحق به، لكن منظرها ملأ المسافر عبر الزمن بالرعب. سرعان ما سيتحول هذا الكوكب الأزرق إلى الأحمر. وجد ليفيا في انتظاره في سورينتو، جنوب روما الجديدة. كانت تقف فوق سطح المبنى نفسه الذي أخلي إليه ريان، يوم فجرت ميتا المدينة. رأى الساعي أن الأميرة أوغسطسية حمقاء لأنها عرّضت نفسها للخطر، قبل أن يلاحظ حلقة الرماد المحيطة بالمبنى. فقد أقامت عشرات الأبراج، إن لم تكن مئات، طوقا منيعا حول الملجأ، وكانت تبخر أي نسخة من نسخ مجرى الدم تقترب منه. ولحسن الحظ، تعرّف نظام الحماية إلى درعه وسمح له بالمرور. قال ريان وهو يهبط على السطح، واضعا يدا على صدره: "ذكّريني بأن أرسل الشوكولاتة إلى فولكان بعد إعادة الضبط." فقد أكلت قطرات المطر الحمضي صدره، وانساب الدم من الشقوق التي خلّفها أوغسطس. جالت عينا ليفيا على جرحه بقلق، ورغم أنه حذرها من لمس الدم أيا كان مصدره، مرّت أصابعها على صدره الفولاذي. قالت: "من فعل هذا بك؟" أجاب ريان، فعضّت ليفيا شفتها السفلى: "أبوك. حتى والعالم ينهار وسط اللهب، ظل الانتقام عنده أهم من أي شيء." عقدت حاجبيها وقالت: "فهمت. ولين؟ والآخرون؟" أطلق ريان زفرة متعبة وقال: "أنا وحدي." مرة أخرى. ومرة بعد أخرى. قالت ليفيا وهي تنظر إليه بشفقة وتعاطف: "نحن وحدنا." ثم تابعت: "أهذا ما كنت تحاول إيقافه؟ أم أن هناك شيئا آخر؟ لا أستطيع أن أتخيل العبء الواقع على كتفيك. لا بد أنه كان عذابا." قال ريان: "ما زال هناك وقت لتغيير هذه النهاية الرهيبة." امتلك ريان الآن البيانات التي يحتاج إليها من أجل مساره المثالي. كل قطع أحجية روما الجديدة. لم يكن ينقصه سوى أن يجمعها بالترتيب الصحيح. رفعت ليفيا عينيها إليه بعزم وقالت: "نعم. لكن في المرة القادمة... في المرة القادمة، لن تحمل هذا العبء وحدك يا ريان. أقسم لك." كلا. سيكون لدى ريان أناس آخرون يساعدونه على حمله. ليفيا، ولين، وألكيمو، وغيرهم. ستبقى ذكرياتهم بعد إعادة الضبط، وسيحمل عقولهم عبر المكان والزمان. فتح المسافر عبر الزمن حقيبة درع زحل، وأخرج منها خوذة معدنية. وضعها بعناية فوق رأس ليفيا، ووصل الجهاز بكرونوراديو بدلته. سألته: "هل سيتألم الأمر؟" قال: "أنا وحدي سأتألم، لكن لا تقلقي. أنا خالد." أجابت بابتسامة: "لن أخبر أحدا. سنجد طريقة بلا ألم في المرة القادمة. لن أسمح لك بأن تموت بسبب أخطائنا." كاد ريان يخبرها بألا تقطع وعودا لا تستطيع الوفاء بها، لكن هذه الحلقة، رغم نهايتها القاتمة، ملأت قلبه بالأمل أيضا. ستكون الحلقة التالية مختلفة عن كل ما سبقها. لم يكن لدى الساعي أدنى فكرة عما إذا كانت قوته ستظل على حالها، بعدما أخذت قوة العالم الأسود تجري في عروقه. كانت إعادة الضبط هذه غوصا في المجهول. لكن شخصا ما كان سينتظره على الجانب الآخر. قال ريان: "سنرى." ثم فعّل قوته. أوقف مسيرة الزمن، فتحول درعه إلى أرجواني داكن. وأحاط سيل من الجسيمات البنفسجية به وبليفيا كأنه فيضان، تتخلله بين حين وآخر بقعة سوداء عائمة، كأنها زيت فوق الماء. لاحظ الساعي رجلا عاجيا يطير في اتجاههما، لكن بعد فوات الأوان لتغيير أي شيء. وبينما اكتمل الانتقال وانهارت هذه الحلقة في محيط من الجسيمات البنفسجية، عاد ريان بذاكرته إلى قتاله القصير مع أوغسطس. كان قد تساءل عن الأمنية التي حققها له الكيان الأعظم الأسود، لكنه عرف إجابته الآن. ماذا تسمي قوة تستطيع قتل الخالدين؟ مفارقة.