ذا بيرفكت ران الفصل 64 — شظية ماض: موت في موناكو

اقرأ ذا بيرفكت ران الفصل 64 — شظية ماض: موت في موناكو باللغة العربية على مانجا تايم.

مات رايان رومانو مرات لا تحصى، على يديه أو على يد غيره. لكنّ موتاً واحداً فاقها جميعاً. الموت الذي جعله يکفّ عن الاكتراث، وعلّمه كيف يستمتع بالحياة. الموت المثاليّ، الذي لا ينبغي لأحد أن يعود منه. هذه هي قصة ذلك الموت. هذه هي قصة موناكو.

الاول من نيسان عام ٢٠١٧، فرنسا، قرية لا توربي.

كان الشمس تغيب خلف الأفق، وتتلألأ مدينة موناكو من الأسفل. وقف على حافة جرف تيت دي شيان، ودراجته الموثوقة وحقيبة سفره بالقرب منه، يراقب هدفه بعناية. لقد مضت خمس سنوات منذ أن غادر إيطاليا، وها قد حان وقت الحقيقة. حسناً، تقنياً كانت المدّة ثلاثة أشهر، لكنه عاشها مراراً، وتكراراً، وتكراراً بلا توقف. طاف سواحل البحر الأبيض المتوسط، باحثاً عن أيّ أثر للين وغواصتها. كان يعلم أنهما خططتا للذهاب إلى أمريكا قبل... قبل الانفصال، لكنها ما كانت لتتمكن من عبور المحيط الأطلسي. لا بدّ أنها توقفت في مكان أقرب. مكان في متناول يده. ومع ذلك، بدأ رايان يفقد الأمل. طاف اليونان، وإسبانيا، وفرنسا، وكل مكان خطر بباله. جاب أرض الخراب بعد الحروب، وعاد خاوي اليدين. وإن كانت قد غادرَت أوروبا تماماً، وانتقلت للعيش تحت الماء أو على جزيرة بعيدة، فكأنما يبحث عن إبرة في كومة قش. لم يبقَ إلّا مكان واحد حول البحر الأبيض المتوسط لم يزره رايان بعد. البلد الذي حذّره الجميع منه. المكان الذي لا يرجع منه أحد. قال رايان وهو يتأمل المدينة الساحلية: "موناكو". بدت... لطيفة، إن جاز التعبير. وقد أزعجه ذلك كثيراً. قبل كل شيء، كانت تلك الدويلة لا تزال قائمة. وحدها تلك حقيقة غير معتادة. كانت موناكو يوماً أحد أكثر منتجعات أوروبا الساحلية فخامة، ومقصداً للقمار والمليونيرات؛ وبطريقة ما، لا تزال تبدو كذلك بعد نهاية العالم. بدا أن القناخات، والروبوتات، والأوبئة النانوية قد توقفت عند الحدود. نجت المباني والبيوت من أيّ تدهور، ومع ذلك لم يصرع مسافر الزمن أحداً في الشوارع. تطفو القوارب واليخوت في البحر، وتشكل السيارات الفارغة صفوفاً طويلة على المداخل، ولم يُسمع لرايان أيّ صوت. ولا حتى زقزقة الطيور. تمتم رايان لنفسه، كما اعتاد يفعل ليخفف من وحشته: "أعلم أنني أستجلب النحس بقول هذا، لكن لدي شعور سيّئ حيال هذا المكان". حفظ مسافر الزمن هذه اللحظة بالذات، احترازاً. ذهب كثيرون إلى موناكو، بحثاً عن المؤونة، أو الإكسيرات، أو ملاذ آمن؛ لكن أحداً لم يعد. إلا أن أياً من هؤلاء لم يكن قادراً على السفر عبر الزمن أيضاً. قال رايان وهو يمتطي دراجته وينطلق نحو المدينة: "حسناً، أظنّ أن هذه هي الفرصة الأخيرة يا قصير القامة". "إن لم تكن في المكان الذي لا يعود منه أحد..." حسناً، كان بإمكانه دائماً محاولة عبور المحيط والوصول إلى أمريكا، إن كانت لا تزال موجودة. لكن المرجح أن رايان سيضطر لمواجهة الحقيقة الواضحة. أن لين قد رحلت. أبدى مسافر الزمن حضوره بوضوح، مرسلاً إشارات عبر أبراج الراديو وأيّة قنوات اتصال وجدها. وإن لم تكن قد تواصلت معه بعد، فهذا يعني إما أنها عاجزة عن الردّ أو ميتة. ولم يدرِ رايان ما يفعل، إن تخلّى عن صديقته. لقد قاده سعيه للعثور على لين عبر الكثير من عمليات إعادة البناء، ولم يكن له هدف آخر في الحياة. لا قاضية يكرّس نفسه لها. شعور بالتيه يرافق مسافر الزمن منذ موت برودستريم، ولم تُفلح حتى قوّته في صدّ شعوره الناشب بالوحدة. بلا لين، غدا لوجوده معنى. طرد رايان هذه الأفكار، وامتطى دراجته، واتبع الدرب نزولاً نحو موناكو. وحين بلغ الحدود الرسمية للمدينة، لاحظ مسافر الزمن يافطة سيئة الصّنع على جانب الطريق. قرأ رايان بصوت عالٍ: "لن تقهر جيوش أندورا أمتنا العظيمة أبداً!" ألم تكن أندورا دويلة أخرى؟ لقد أخرجت نهاية العالم حقاً كل المهووسين من مخابئهم. قاد رايان في شوارع موناكو، ومما أثار دهشته، لم يحدث شيء رهيب. لم يقع صريعاً على الفور، ولم يكمن له مجنون مهووس. كان الأمر مخيباً للآمال تقريباً. غير أن مسافر الزمن استشعر التوتر المهيمن في الجو. الشوارع نظيفة، والسيارات مصطفة في أماكنها الصحيحة، وأعمدة الإنارة تعمل بشكل مثالي بطريقة ما؛ ومع ذلك علم رايان أن المدينة تحتاج إلى استيراد الكهرباء من الجمهورية الفرنسية التي انهارت منذ زمن طويل. وحين اختلس النظر عبر نوافذ المنازل، وجدها خاوية. شقّ رايان طريقه إلى أشهر معالم موناكو، ساحة الكازارين. شامخاً فخوراً وقف كازينو مونتي كارلو الشهير، وقد حُفظت روعته التي تعود إلى القرن التاسع عشر من كارثة نهاية العالم. بقيت الساعة فوق المدخل عالقة عند الثانية عشرة، بينما ظلت الأنوار تعمل. نافورة المدخل أمام الباب تعمل هي الأخرى، يحيط بها ممر مورق وترتيبات من الزهور. سأل رايان مستجلباً النحس: "أهناك أحد هنا؟". لم يُجبه سوى صمت ثقيل. حسناً، ربما يجدر به أن يبحث —

اختفت الساحة في ومضة من الأصفر والبنفسجي. في طرفة عين، وجد رايان نفسه داخل رواق رخامي فخم. زانت اللوحات الجدران، وبثت الثريات بعض الضوء، وأفضى المكان نحو أبواب خشبية ضخمة. بعد لحظة وجيزة من الدهشة، التفت رايان حوله، ليجد نفسه مستنداً مجدداً إلى جدار وما يحمله غير حقيبة مؤونه. أكان قد نُقل إلى مكان آخر؟ ألقى رايان نظرة على اللوحات، ورُسم معظمها بأسلوب سريالي أعاد إلى ذهنه لوحات رينيه ماغريت. أظهرت إحدى اللوحات، وعنوانها التكوين، يدين مرتديا قفازين تفتحان صندوق معجزات خيميائي. بينما جسدت لوحة أخرى، انتصار موناكو، جيشاً من الرجال الذهبيين يجتاح روبوتات ميخرون. شعر بالحيرة، فالتقط حقيبة مؤونه وسار في الرواق حتى بلغ الأبواب في نهايته. لاحظ لافتة معلقة فوقها، رُسمت بإتقان وبأشد الألوان سطوعاً. الافتتاح الكبير لمونتي كارلو! مع ذلك، بجانب تلك اللافتة، لاحظ رايان كلمات حُفرت بعشوائية على الجدار الرخامي. لا تثقوا بالمهرجين فهم سيأكلون قلوبكم. تابع رايان القراءة، فعثر على المزيد من النصائح المحفورة في الحجر. اتبعوا الأسهم نحو الأجنحة قبل أن يحل الظلام. وُكتبت جملة ثانية بجوارها. بدا أن من حفرها فعل ذلك على عجلة من أمره: لا تستخدموا السلالم، خذوا المصعد. خفض رايان نظره، ملاحظاً أسهماً مرسومة على الأرض. تزايدت حيرته، ففتح الأبواب الخشبية ودخل الغرفة التالية. لمفاجأته الشديدة، وطأ رايان نسخة مطابقة لكازينو مونتي كارلو؛ أو على الأقل، ما رآه قليلاً في الصور المُلتقطة قبل الحروب. ترددت أصداء خطواته في رهو رحب تدعمه أعماد، وقد استُبدل بالأرضية طاولة روليت عملاقة ذات رقاقات معدنية يبلغ عرض الواحدة منها متراً. وانبعث النوار من الشمعدانات المتدلية من السقف، بينما مثلت الزخارف الفنية ذروة فخامة القرن التاسع عشر. ألقى رايان نظرة على النوافذ، فإذا بها جميعاً مسدودة بالرخام. أهلاً بك أيها الضيف العزيز! انبعث صوت عن يسار رايان، فقد تسلل أحدهم واقترب منه. آه! تراجع رايان خطوة إلى الوراء، وحاول فوراً تجميد الزمن. هكذا ظن على الأقل. شعر بقدرته تجهد ضد قوة خفية لثانية وجيزة، لكن الزمن أبى أن يتوقف. استبد به الذعر، فاستل مسدساً مخبأً تحت ملابسه، ليدرك خطأه سريعاً. بدا الكائن الواقفه أمامه بشرياً، لكن في مظهره الخارجي فقط. اكتست بشرته بياضاً غير طبيعي، والأهم من ذلك، أن وجهه كان قناعاً مهرجياً مصنوعاً من الذهب الخالص. وارتدى زي موزع ورق اللعب، متضمناً ربطة عنق فراشية، وسترة قديمة، وقفازين. مرحباً بك في موناكو! هكذا قال المهرج بصوت مرح، وتحرك القناع الذهبي بشكل غير طبيعي مع كل كلمة جديدة. رشح الظلام من عينيه وفمه. أعظم دولة على وجه الأرض! كيف يمكنني مساعدتك؟ حاول رايان إيقاف الزمن مجدداً، لكن شيئاً منع قدرته من التفعيل. اللعنة، أكان هذا المكان يعرقل قوته؟ في هذه الحالة، إن مات رايان بين هذه الجدران... أين أنا يا بينيوايز؟ سأل مسافر الزمن، مبقياً مسدسه مسدداً نحو كائن المهرج. في موناكو بالطبع! أعظم وأزهر أمة على وجه الأرض، برعاية العناية السماوية لصاحب السمو جان ستيفان! أهلاً بضيف جديد! سمع رايان صوتاً جديداً، إذ دخل مهرج آخر إلى الرهو، بيد أن وجهه كان مصنوعاً من البرونز لا الذهب. ومثل زميله المهرج، ارتدى زي موزع ورق اللعب وحمل صينية فضية تحت إبطه. أهلاً بك! أأقدم لك مشرُوباً بحق؟ ماذا—ما اللعنة؟ أَدخل رايان رواية لستيفن كينغ بطريق الخطأ؟ جان ستيفان؟ رددها، غير متأكد أيهما يطلق النار عليه أولاً. صاحب السمو جان ستيفان الأول، أمير موناكو السيّد، فاتح ليختنشتاين وسان مارينو! لوّح المهرج الذهبي بيده نحو تمثال رخامي قرب الأعماد، يصور كائناً غريباً في وضعية متملقة. تذكر رايان بشكل غامض رجلاً ببدلة وقبعة فيدورا، لكن بذراعين متطاولتين وملامح وجه مشوهة. ارتقى صاحب السمو من أصول متواضعة ليجلس على عرش موناكو في عام ألفين وخمسة، بحكم موت كل شخص آخر! قال ذلك بمرح شديد... ومنذ ذلك الحين، دافع ببسالة عن موناكو ضد الجموع الأندورية التي تحاول تدمير أمتنا العظيمة، تابع المهرج البرونزي حديثه، قبل أن يشير بيده إلى اتجاه ما شرقي الرهو. والآن، بوسعي أن أريك مطعمنا ذي النجوم الخمس، إن كنت ترغب في وجبة ساخنة؟ أم تفضل الاستمتاع بلعبة روليت؟ لماذا النوافذ مسدودة؟ سأل رايان، وهو يلقي نظرة على الأرض. أشارت الأسهم المحفورة على الأرض غرباً. أين المخرج؟ لماذا قد ترغب في مغادرة موناكو؟ سأل المهرج البرونزي بضحكة خافتة. لماذا قد يرغب أي شخص في مغادرة موناكو، أعظم أمة على وجه الأرض؟ أنا أرغب في ذلك، أجاب رايان، وشعر بتزايد انزعاجه. لكنك ضيف، لقد جِئت مدعواً، تابع الخادم، بينما تحول قناعه إلى ابتسامة مقلقة. وفي حين بدا صوته بريئاً ومرحاً، إلا أن شيئاً في نبرته جعل رايان يرتجف. نحن في خدمتكم خلال ساعات العمل. نحن موجودون دائماً من أجلك أيها الضيف العزيز! كلما مكث طويلاً في صحبتهم، زاد شعور رايان بعدم الارتياح. بدا لطفهم زائداً ومفتعلاً. وعد قائلاً: سأعود لاحقاً، وتبع الأسهم. لكننا سنغلق قريباً، قال المهرج الذهبي، بينما تبعه هو والخادم الآخر. لقد تغيرت وضعيتيهما قليلاً، لتصبحا مهددتين. سنغلق قريباً جداً. ابتعدا! رفع رايان مسدساً في وجهيهما، قبل أن يلاحظ مهرجين آخرين يشقون طريقهم إلى الرهو. وفي حين ارتدى الجميع أزياء موزعي ورق اللعب، صُنعت أقنعتهم من البرونز أو الفضة أو الذهب. ورغم محافظتهم على مسافة محترمة، إلا أنهم ظلوا يطاردون مسافر الزمن كقطيع ذئاب مبتسم. لست خائفاً من المهرجين! نحن نريد مساعدتك فقط أيها الضيف العزيز! قال المهرج البرونزي. حاول أن يبدو مطمناً، لكنه بدا مخيفاً فحسب. نحن نوجد لنخدم البشر. تذكر رايان الرسالة عند المدخل، وتساءل فجأة عما إذا كانت الجملة تحمل معنى مزدوجاً. تتبع مسار الأسهم وبلغ في النهاية مصعداً مفتوحاً بين سلالم. نظر الهائم إليهما باختصار، ليلاحظ مصائد دببة وأسلاكاً نُصبت على السلالم. ومع انعدام أي مخرج آخر، سار إلى داخل المصعد مهدداً المهرجين بسلاحه. لاحظ الجينوم لافتة كُتب عليها هنا مباشرة بجوار زر الطابق الرابع، فحطمها بأقصى ما يستطيع من قوة. اغلق الباب أمام رايان، بينما رمقه عشرة كائنات مقنعة بنظرات حارقة في صمت مخيف. أيها الضيف العزيز. تجمد رايان، حين سمع صوتاً رجولياً ينبعث من مكبر صوت المصعد. يجب أن نخبركم أنه بسبب طوارئ وطنية، سيُغلق كازينو مونتي كارلو باكراً! لكني أؤكد لكم أنه طالما يحمينا صاحب السمو جان ستيفان، فلن تدمر جيوش أندورا إمارتنا أبداً! لتسقط موناكو! ما اللعنة التي كان عليها هذا المكان؟ حين بلغ المصعد الطابق الرابع بصوت رنين، كانت الأضواء قد انطفأت؛ وأغلق باب المصعد في اللحظة التي غادره فيها رايان. كما سمع صوتاً من الأسفل، لشخص أطلق فخ السلك. استشعاراً بأن الأمور ستغدو سيئة للغاية قريباً، التقط رايان هاتفه المحمول وفعل خيار المصباح اليدوي. بدا المكان كأنه رواق يؤدي إلى أجنحة فندقية متنوعة، رغم تدعيم الجدران والأبواب بصفائح فولاذية. بدا أن غرفة واحدة فقط، حملت الرقم أربعة وأربعين، ينبعث منها ضوء من الجانب الآخر، فقرع رايان بابها سريعاً. مهلاً! صرخ بأعلى صوت يستطيعه، رغم عدم إجابة أحد. أهناك أحد؟ مهلاً! رنين! نظر رايان إلى المصعد إذ انفتحت أبوابه، وخرج منه نصف دزينة من المهرجين. هذه المرة، لم يدعوه بلطف، أو ينطقوا حتى بكلمة واحدة. بدل ذلك، حمل كل منهم شوكات وسكاكين فضية في أيديهم، ومقاديل حول أعناقهم. ولهذا السبب لا يحب الأطفال المهرجين بعد الآن! أطلق رايان النار من مسدسه، محاولاً إيقاف الزمن مرة أخرى. لم تفشل قدرته في التفعيل فحسب، بل تلقى مهرج فضي رصاصة في وجهه من دون أن يبطئ سرعته. انفتحت أبواب الجناح، وخرج أحدهم. ولمقدار راحة رايان، كان منقذه بشرياً عادياً، وإن بُني بجسد يشبه كونان البربري. ارتدى منقذه زياً مُلتقطاً يتكون من خوذة لاعب كرة قدم أمريكية ووسادات، مدعومة بقطع من درع من العصور الوسطى. والأهم من ذلك، أنه حمل بندقية صدمية. كنت أعلم أني سمعت شيئاً! تحدث الرجل بالفرنسية، معشقاً بندقيته. تجعد الوجه تحت الخوذة، وبدت العينان زرقاويين كالجقيد. تحرك! تنحى رايان فوراً عن طريق منقذه، إذ أطلق بندقية الصدم. أطاح الطلق بمهرج برونزي فتته، وتسرب من الكائن سائل أبيض لا دم. مع ذلك، دفع البقية الجثة بعيداً بسرعة واندفعوا نحو البشر بنظرات جائعة. هيا، هيا، هيا! صرخ الرجل في وجه مسافر الزمن، وهرب الاثنان ببسالة إلى داخل الجناح. أغلق الشكل المدرع الباب خلفهما وأحكم إقفاله، فسمع رايان ضَوْءاً قوياً على الجانب الآخر. بدأت موزعات ورق اللعب الخبيثة تصرخ خلف الباب المعدني، وتلكمه بكل قوتها، لكنه صمد. ذات يوم، قبل أن ينال مني التهاب المفاصل، سأقوم بعملية انتحارية من أجلكما! صرخ الرجل المدرع عبر الباب. سأطلق النار عليكم جميعاً مثل توني مونتانا، وأقتل كل واحد منكم! ثم التفت إلى رايان. أانت بخير أيها الفتى؟ أظن ذلك... استجمع رايان أنفاسه وتلفت حوله. وكما بدا من الخارج، كانت المنطقة جناحاً فندقياً فخماً، كبيراً بما يكفي لاستقبال عائلة بأكملها. زُين المكان بأسلوب القرن التاسع عشر الفرنسي، وامتلك جدران بيضاء كالثلج، ونوافذ مسدودة بالرخام. واحتوى الجناح على وسائل راحة متنوعة، من أريكة مع تلفزيون، إلى مكتبة وحتى منضدة بار. والأكثر غرابة، لاحظ رايان أيضاً حفرة محفورة في أحد الجدران، مع معول قريب. تبدو إيطالياً، أأنت ريتال؟ سأل الرجل المدرع، منتقلاً إلى الإيطالية. تجاهل تماماً الأصداء القادمة من الخارج وتحرك نحو المنضدة، تاركاً بندقيته على مسافة ذراع. خلع خوذته،كاشفاً عن صلعة تامة؛ وقدر رايان عمره في حدود الستين، أو ربما أكثر قليلاً. لقد تجولت بعيداً عن بلدك، يا ماكروني. ما اسمك؟ رايان، أيها الجبن الفرنسي، أجاب المسافر بفظاظة. رايان رومانو. اسمي سيمون. أنا شريف بلدة الأجنحة. قال الرجل وهو يخرج كأسين وزجاجة براندي. أي تاريخ هو اليوم في الخارج؟ يجب أن أتحقق. الأول من أبريل، عام ألفين وسبعة عشر، أجاب رايان بعبوس. أطلق الرجل تنهيدة ثقيلة. اللعنة، اثنا عشر عاماً يا رجل. اثنا عشر عاماً محبوساً في هذا المكان. ألا يزال الكوكب مكب نفايات مشعاً؟ أجل، لكن أين نحن؟ سأل رايان، مطالباً بإجابات. أهذا هو مونتي كارلو؟ كنت سأقول الجحيم، لكنك لست محظوظاً إلى هذا الحد. أنت في موناكو. موناكو الحقيقية، التي لا يعود منها أحد. تردد صدى إنذار في الغرفة، ونظر سيمون تحت المنضدة لالتقاط هاتف أرضي. أجل، مارتين؟ رغم عدم فهمه للمحادثة. سمع رايان صوت امرأة على الطرف الآخر من الخط. أجل، أجل، وصل شخص جديد وتبعه المهرجون. أجل، إنه آمن. لا تقلق. رمق سيمون رايان بنظرة مباشرة في عينيه. أتملك أسلحة في حقيبتك؟ أه، ثلاثة مسدسات، ورصاص، ومستلزمات طبية، وطعام، وماء... جيد. سأطلب منك المشاركة. لا متطفلين أنانيين هنا. ثم ركز سيمون على الهاتف. أجل مارتين، سنلتقي غداً. اعتني بنفسك. قلت إنك شريف بلدة الأجنحة؟ أشار رايان بعد أن أغلق سيمون الخط، متقبلاً الكأس بحذر. لاحظ كتاباً على حافة المنضدة، أسطورة سيزيف لألبير كامو. نحن نحو أربعين شخصاً متفرقين في أنحاء الطابق الرابع، شرح الرجل. أحافظ على تأمين حدود المصعد، وأصون مصائد السلالم. إذا أجبرنا موزعي ورق اللعب على استخدام المصعد، فهذا يخلق عنق زجاجة. يجعلهم محتملين. أرأيت أي شخص يدعى لين؟ سأل رايان، عاضاً على بصيص أمل في هذا الكابوس الجنوني. لين سابينو. شعر أسود، وعنوان زرقاوان، ماركسية لينينية. لا بد أنها وصلت إلى هنا قبل عام. لم أر أي شيوعيين بعد، وأنا هنا منذ فترة. قد تكون ميتة مع ذلك. أمثالك، الذين يصلون خلال ساعات العمل، هم المحظوظون. أولئك الذين يصلون في وقت سيئ، حسناً... أشار سيمون إلى الباب. يُأكلون. لذا إما أن لين كانت ميتة، أو أنها لم تكن في هذا المكان. صلى رايان للأخير. أهناك— ليس هناك ملاذ آخر، ولا مخرج أيضاً، قال سيمون بفظاظة. الأجنحة هي المناطق الآمنة الوحيدة. يمنعهم شيء ما من الدخول، بشرط إغلاق الباب. سنجد لك جناحاً خاصاً بك. منح الرجل رايان ابتسامة ماكرة. ستبقى هنا لفترة، أيها الريتال الصغير. تباً.

عشر ساعات. دام هجوم المهرجين عشراً كاملة. صرخوا وضربوا الباب بلا راحة. عاد النور في الممر فتوقف الهجوم فجأة. هدأ المهرجون وأنزلوا أنفسهم إلى الطابق السفلي. تبين لاحقاً أنهم يتحولون إلى وحوش وقت «الإغلاق» فقط. في اليوم التالي، عرّف سيمون رايان على مارتين عمدة المجتمع، شقراء في الثامنة والعشرين تقيم على مسافة أربع غرف من حدود المصعد. مدت له سريعاً موجزاً عن الوضع. لكل فرد في البلدة القصة نفسها. جاؤوا إلى موناكو غير واعين بالخطر أو مستخفين به، فانتهى بهم المطاف منقولين آنياً إلى ممر المدخل. كان سيمون الأقدم هنا، بعد أشهر قليلة من بدء حروب الجينوم. لم يمتلك سواه قوى، ولم يفلح إيقاف الزمن الخاص برايان في ذلك المكان الغريب. حسناً، ما زال يشعر بقدرته تشرع في العمل، لكن قوة معارضة كانت تبطلها في اللحظة الأخيرة. حين عرف المزيد من المعلومات عن هذا المكان، أدرك المسافر عبر الزمن السبب في نهاية المطاف. كان كازينو مونتي كارلو عبداً جيبياً. أو هكذا كان تخمين رايان الأفضل. عدا أرضية الجناح، كانت كل غرفة تنويعة من ثماني أخرى: مطعم مطبخ، طاولة روليت عملاقة، ردهة، غرفة آلات قمار، متجر بيع بالتجزئة، حلبة ألعاب ورق، منطقة تخزين، ومسرح. أفضت كل غرفة إلى أخرى دون أن تتخذ الترتيب نفسه قط، لتشكل متاهة عملاقة لا علامات بارزة فيها سوى المصعد و«ممر المدخل». وفق تقديرات المستكشفين، غطت المنطقة ثمانية كيلومترات مربعة على الأقل، أي أربعة أضعاف مساحة موناكو ذاتها. وظلوا يكتشفون غرفاً جديدة. ذكّر هذا رايان بلعبة فيديو لاستكشاف الأبراج المحصنة بغرف منولدة حاسوبياً. عدا أنها كانت أقل تسلية بكثير مما يذكر. على الأقل كانت القهوة والمطاعم تتزود بالمؤن بانتظام، مع أن أحداً لم يدر كيف حدث ذلك. وضع أحدهم كاميرا يوماً في مطبخ لتسجيل الظاهرة، فظهر الطعام والماء سحراً أثناء «ساعات الإغلاق». لم يكن رايان متأكدًا إن كانت نقطة حفظه ما زالت تعمل. لم تكن هناك سوى طريقة واحدة لمعرفة ذلك، ولم يكن متعجلاً لتجربة ممر المشنقة. مات عشرة مرات، وبدت كل تجربة محطمة للأعصاب حتى الآن. أخبره كثيرون أن الموت نهاية هادئة، لكنهم لم يموتوا قط من قبل بوضوح. انقسم المجتمع إلى مجموعات، خُصصت كل واحدة بمهمة محددة؛ من مستكشفين يمسحون المتاهة، إلى جامعيل يبحثون عن الطعام. بما أنه كان أحد القلائل أصحاب الخبرة بالأسلحة النارية، صار رايان سريعاً نائب سيمون مع جناح خاص به بجوار المصعد مباشرة. كان المسافر عبر الزمن يرافق جماعة مارتين الآن وهم ينقبون عن الطعام. وندم على ذلك. "عزيزي الضيف، أتمنى لك وقتاً سعيداً في موناكو، أعظم أمة على وجه الأرض!" قال مهرج فضي لرايان، عارضاً عليه طبقاً مليئاً بالجمبري الرائع ونخب السلمون. "هل لي أن أقدم لك هذه الهدى من طاهينا؟" "اغرب عن وجهي"، رد رايان مهدداً الوكيل بسلاح ناري. أما مارتين، فكانت أقل قطعية، إذ اكتسحت كل قطع النخب ووضعتها في حقيبة. اتسم المهرجون بالود الشديد خلال ساعات العمل، وهو ما زاد في نظر رايان من بشاعتهم. انتقلوا من اللطف المصطنع إلى الجوع القاتل بسرعة مرعبة، وأجادوا التسلل إلى الناس ببراعة مخيفة. والأسوأ أن كازينو مونتي كارلو «أغلق» مراراً مبكراً وفق أهواء أي قوة كانت تتحكم بمكبرات الصوت. المرة الأولى التي حدث فيها ذلك، ولم يبق سوى خمس دقائق للعودة إلى الأجنحة، ظن رايان أن ساعته الأخيرة قد حانت. لو لم يركض بجنون نحو المصعد لهلك حتماً. تردد صدا صوت عبر مكبرات الصوت. خشي رايان لبرهة أن يعلن إغلاقاً طارئاً، لكنه لم يكن سوى الهراء المعتاد. "اليوم يوم عظيم لموناكو! حقق جنودنا نصراً عظيماً على دوق لوكسمبورغ! فلتصبغ دماء أعدائنا يخوتنا!" كانت «موناكو» في حالة حرب مع ليختنشتاين، لوكسمبورغ، أندورا، سان مارينو، لكن أبداً مع الدولة ذاتها كل يوم. تابع الصوت: "انهضي يا موناكو، انهضي! عاش جان ستيفاني!" أخبرت مارتين رايان: "لست متأكدة حتى إن كان موجوداً، لم يره أحد قط، ولا حتى المهرجون." تدخل أحد المخلوقات متجاهلاً: "لأن سموه أسمى من إدراكنا! عاش جان ستيفاني!" قال رايان بينما أنهت الجماعة تنقيبها وعادت إلى المصعد: "قد يكون من أصحاب القدرات النفسية." إن تدخل في قدرته فربما كان بنفسجياً. "مع أنني لا أفهم لم لم يلاحقني أحد." أردفت مارتين وهما تعودان إلى طابق الأجنحة: "ربما تدعمه قدرته. أي تقدم بخصوص جهاز الراديو الخاص بك؟" "لا." تضمنت بعض الكتب التي نجحت الجماعة في جمعها أدلة أو مجلات تقنية ما قبل الحرب. ظن رايان أنه يستطيع ربما صنع راديو قوي بما يكفي لطلب الإنقاذ. كان أملاً أحمق، لكن حتى يجد أحدهم مخرجاً، لم يمتلك الجماعة سواه. عرضت عليه: "أترغب في مشاهدة فيلم tonight؟ وجدت شريط فيديو لفيلم مغامرات كبرى ذات يوم. ليس كوميديا رفيعة، لكنه يساعد في تمرير الوقت." توقف رايان أمام غرفة سيمون ورد: "ربما في يوم آخر. علي تفقد العجوز." تنهدت العمدة: "لا أستطيع فهم سبب استمراره في الحفر. أظن أنه يشغل نفسه بأفضل ما يمكنه." هز رايان كتفيه وفتح باب غرفة سيمون. بصفته النائب، امتلك نسخة مزدوجة من مفاتيح الجميع. بعد إغلاق الباب وراءه، شق رايان طريقه إلى الفجوة في الجدار، وشغل مصباحاً يدوياً، ودخل. استغرق الأمر أكثر من ساعة، لكنه سمع أخيراً صوت معول يصطدم بالحجر. كان سيمون منهمكاً في الحفر ومصباح مربوط بخوذته. أعلن رايان حضوره قاصداً: "مرحباً يا سيمون"، رغم أن المأمور لم يتوقف. "لدينا جمبري لليلة." تذمر الرجل وهو يضرب الجدار بمعوله: "تباً، كنت لأقتل في سبيل شطيرة برغر. كم مضى على انضمامك إلينا أيها الصغير الأجنبي؟" "ستة أشهر." "ستة أشهر... مما يعني شهرين أخيرين حتى يغيروا القائمة. يفعلون ذلك في كل مرة في عيد الميلاد." أطلق العجوز تنهيدة. "تعلم، كان هناك هذا الرجل الذي امتلك جرواً صغيراً. ظنه ظريفاً، فظل يرسل إليّ صوراً له. كلما نظرت إلى المخلوق المكسو بالفرو ظل ينبح عليّ. نبح ونبح ونبح. كان مزعجاً إلى حد لا تصدقه. كلما أثار أعصابي، تساءلت... كيف سيكون طعمه؟" سأل رايان وقد شعر ببعض الانزعاج من الحوار: "الرجل؟" قال سيمون: "الجرو. وفي يوم... لم أستطع المقاومة. لم يكن هناك لحم كثير، لكن طعمه كان جيداً. كهدية عيد ميلاد قدمتها لنفسي." "لست متأكدًا أنني أفهم إلى أين يقود هذا..." توقف سيمون برهة وقال: "وضعنا السيد على الأرض لسبب يا صغيري. كان سببي أكل الجراء. حين أنظر إلى هؤلاء المهرجين المسعورين بالخارج، يبدون جميعاً لي كجراء." أدرك رايان فجأة أن السنوات المحبوسة داخل جناح فندقي تفعل العجائب بعقل الإنسان. خشي الهائم أن يتخيل كيف سيتبدو حاله بعد عشر سنوات من الآن. "كم بلغ طول نفقك الآن؟" "كيلومتران يا صغيري." كرر رايان: "كيلومتران." كيف لم ينهار كل شيء عليه حتى الآن؟ "نفقك بطول كيلومترين الآن." "لدي طاقة تكفي لعشرة أخرى." "أنا أقول فحسب، لا أظن أن هناك مخرجاً في هذا الاتجاه." رغم أن رايان لم يتخل عن العثور على واحد، إلا أن حدسه أخبره أن هذا البعد المجنون يتمدد بلا نهاية. "لا أفهم لم تستمر في الحفر." نظر الرجل المسسن في عيني رايان. "أقرأت يوماً أسطورة سيزيف؟" "لا، لكنني سأفعل غالباً، طالما أنك تطرحه عليّ طوال الوقت." "فيها، يعرض كامو مصير سيزيف المجبر على دفع صخرة للأبد. مهمة خالية من المعنى تماماً. لكن حين يدرك أخيراً أنها عبثية، ويتوقف عن المقاومة ضد مصيره، يصبح حراً حقاً. لقد تقبل وضعه، ووجد السعادة عبر التقبل." سأل رايان بعبوس مقرفز: "إذن أنت... ماذا، أتظن أننا لن ننجو أبداً؟ وأن كل جهودنا بلا جدوى؟" "نعم، جهودنا بلا جدوى. لكنني تقبلتها باعتبارها بلا معنى، لذا أنا في سلام مع نفسي. أما أنت يا صغيري؟ ما زلت تظن أنك ستخرج، وكلما فشلت زادت إحباطاتك." أشار رايان مستحضراً لن: "هناك شخص ينتظرني في الخارج." رد سيمون مهزاً كتفيه: "لا أظن ذلك. لكن افعل ما يناسبك. أنا أخبرك بسسر السعادة فحسب، لكني لا أستطيع فرضه عليك. ما أقوله هو أنك حين تواجه عبثاً بلا معنى، عليك فقط أن تتماشى معه. مثل الصخرة." "هذا سخيف." هز سيمون كتفيه: "في يوم من الأيام، ستدرك أن الصخرة ليست عدوك. بل صديقك." قال رايان: "ماذا لو بلغت النهاية بأعجوبة ما؟ لكن بدلاً من مخرج، أفضى نفقك إلى جناح آخر؟ كيف ستكون ردة فعلت؟" أجاب سيمون بابتسامة مشرقة وهو يرفع معوله مجدداً: "سأجد جداراً جديداً، وأحفر حفرة أخرى." فتح رايان فمه ثم أغلقه، ثم فتحه مجدداً. سأل عابساً: "الصخرة صديقتك؟" "الصخرة صديقتك الوحيدة."

كان كانون الأول من عام 2035 في مدينة البدلات، ولم يتغير سوى قائمة الطعام. لم يدخل أحد المتاهة منذ سنوات، وربما أدرك الناس أخيرًا خطر موناكو. أو لعل خاطفهم الغامض قد مات، وظل بعده بُعده يعمل دون توقف. وأياً يكن الأمر، ومع غياب الدماء الجديدة، بدأت أعداد المجتمع تتقلص. فبعد أن بلغت قرابة الخمسين في ذروتها، انخفضت الآن إلى النصف. لقد التهم المهرجون بعضهم، بينما آثر الآخرون... الاستسلام فحسب. أقدم سايمون على الانتحار بالأمس، تمامًا كما وعد. خرج في إحدى الأمسيات ليموت كرجال، بسيجار في فمه، وزجاجة فودكا في يده اليسرى، وبندقية الصدد في اليمنى. ولم يقتله الموظفون في النهاية، رغم أن عدداً منهم قضى محاولاً ذلك. وبدلاً من ذلك، خانه قلب الشريف العجوز، وعجز عن تحمّل ضغط القتال. لم تلتهم المخلوقات الجثة، رغم أن رايان لم يكن متأكدًا أكان ذلك لأن سايمون أرعبهم حتى في مماته أم احترامًا مشوهًا. أحرق القرويون الجثة ودفنوا العظام تحت منضدة الحانة التي عشقها، وتولى رايان منصب شريف مدينة البدلات. بل إنه ورث جناح سايمون أيضًا. والآن... واجه رايان النفق، متسائلاً عما يفعله به. تفاخر سايمون بأنه بلغ علامة خمسة كيلومترات قبل أن يهلك، وكان ليواصل طريقه على الأرجح لو لم يخذله جسده. بل إنه ترك معوله بجانب المدخل مباشرة؛ وقد صار الآن خشناً من فرط الاستخدام، وبالكاد يفلح في الحفر مجدداً. ومع ذلك... تمتم رايان لنفسه وهو يلتقط المعول: "الصخرة صديقتك، أليس كذلك".

كان كانون الأول من عام 2101 في مدينة البدلات، وكان رايان آخر رجل في موناكو. استلقى على فراشه، بينما وُضعت كومة من الطعام في متناول يديه، يخط مذكرات حياته داخل دفتر. ورغم عدم قدوم أي جديد منذ عقود، أراد أن يترك أي مساعدة تستطيع النقذ في حال علق شخص ما في موناكو. على مدار القرن، استكشف الهائم كازينو مونتي كارلو أبعد من أي شخص آخر، لكنه لم يتعلم سوى القليل. كانت المتاهة لا نهائية حقًا، على حد علم. ولم تحتاج أي من الأنظمة إلى الكهرباء لتعمل، وظلت الهواتف الأرضية التي تربط الغرف تعمل حتى عندما فُصلت عن بعضها البعض. لم يكن هناك نظام اتصالات مركزي لنقل الأوامر عبر مكبرات الصوت، ولا مقر لانطلاق الموظفين. لم يكن هذا المكان منطقيًا بأي شكل. لقد كان مساحة تصورية بلا منطق سوى إرادة صانعه. ولا بد أنه كان من صنيع جينوم أصفر، لكن رايان لم يستطع تأكيد ذلك أبدًا. جرّب كل شيء، بدءًا من أجهزة الراديو وحتى القنابل. نسف مرور المدخل، وشرّح المهرجين، وحتى حاول ممارسة طقوس غريبة عندما باءت كل المحاولات الأخرى بالفشل. لم ينجح شيء. لم تكن هناك سوى طريقة واحدة للهروب من هذا المكان، وكان لدى رايان شعور بأن ذلك سيحدث قريبًا. قبل عقدين من الزمن، عندما بقي خمسة منهم فقط وكان معظمهم عجائز لا يستطيعون البقاء على قيد الحياة بدون مساعدة، عقد الناجون اجتماعًا. قرر جميعه اختيار خيار رصاصة النهاية، باستثناء رايان. لقد مات مرات أكثر من اللازم ليرغب في التعجيل بالأمر. طرق مهرج باب جناحه، مقاطعًا عمله. "أيها الضيف العزيز، لعلّك تستمتع بلعبة الباكارا في الأسفل؟ نحن ننظم بطولة خصيصًا من أجلك". هدر رايان بصوت أجش رافضًا مغادرة فراشه: "لا شكرًا". انتظر أولئك الأوغاد عند الباب ليل نهار. انتظروا أن يموت مثل ضبع جائع يتربص بأسد عجوز. لكن المسافر عبر الزمن رفض الهلك من باب العناد الخالص. بوصفه جينومًا، وهو بطبيعته أسمى من البشر، تقدّم رايان في السن برشاقة. ورغم ظهور التجاعيد على جسده، فقد حافظ على حيوية رجل في منتصف العمر حتى بعد تجاوز القرن من العمر. ثم بدأ صحة رايان تتدهور فجأة قبل عام واحد. ولعل جسده المعزز بالإكسير جاء بمدة صلاحية محدودة، أو لربما كانت تلك مجرد ضريبة متراكمة لعيش طويلاً بلا ضوء شمس طبيعي، أو هواء نقي، أو صحبة. وقبل ثلاثين يومًا، استيقظ الجينوم ليكتشف أنه عاجز عن الابتعاد عن فراشه دون أن ينهار. ولحسن الحظ، كان قد جمع مخزونًا من الطعام والماء خصيصًا لهذه المناسبة. شعر رايان بندم طفيف لأنه لم يقم برملة انتحارية مثل سايمون عندما سنحت له الفرصة. على الأقل، كان ليحرم سجانيه من أي رضا بطريقته الخاصة. تطوفت عيناه العجوزتان نحو حافة غرفته، والنفق الذي وراءها. لقد كاد يبلغ علامة خمسة عشر كيلومترًا عندما خانه جسده أخيرًا، وظل ذلك أحد آخر ندماته. ولكن أكثر ما ندم عليه رايان هو عدم عثوره على لين قط. وعدم معرفته بما حدث لها. لقد تعلّم أشياء كثيرة على مر السنين، والتهم أي مصدر معرفي استطاع إيجاده، وصقل مهاراته القتالية، لكنه لم يكتشف قط كيف استمر العالم وراء هذه الجدران. سيموت وأعماله لم تكتمل. وكان ذلك الجزء الأكثر خزيًا. لكن... حسنًا، لقد كانت حياة على الأقل. لقد هزم مجرى الدم، وحرص على ألا يقتل أي شخص آخر أبداً. لم يفعل رايان كل ما كان بمقدوره فعله، لكنه حاول. ولعلها كانت محاولة عجوز أخيرة لتهدئة ضميره المذنب، لكن... بينما أغلق عينيه للمرة الأخيرة، ظن الهائم أنه عثر على القبول الذي بشّر به سايمون منذ زمن بعيد. لم يجلبه قبول مصيره السعادة. لكنّه جلب له الختام. ولذا، نام رايان.

واستيقظ من جديد، مواجهاً ضوءاً ساطعاً. قال التائه: "ما هذا..." ورفع يده، فقد كان التوهج الغامر أقوى من تحمّله. لوّحت بريقته عينيه حرقاً، وتلك القوة الغريبة تلامس وجنتيه. أكانت... رياحاً؟ حين تعود رايان على الضوء، أدرك أنه يواجه الشمس. لم تكن يده مجعدة بعد، وكانت ساقاه قادرتين على حمله، وشعر أنه شابّ من جديد. شابّ جداً، وقويّ جداً. تنشق الهواء النقيّ من جديد، للمرة الأولى منذ قرن تقريباً. وحين نظر إلى أسفل، وتأمّل موناكو من الأعلى، لم يستغرق رايان وقتاً طليلاً ليدرك أين هو. كان ذات النتوء الصخريّ حيث حفظ آخر مرة، منذ قرن تقريباً. قال: "لكنني... لكنني دمت. متّ في موناكو، وقدرتي..." هل منع البعد الجيبيّ إيقاف الزمن، لكنه لم يمنع نقطة الحفظ؟ ومع ذلك، تلك الطريقة التي هلك بها... لم يكن ممكناً الخلط بينها وبين شيء آخر. عرف رايان ذلك في عمق عظامه. الشيخوخة. مات رايان رومانو بسبب الشيخوخة. وبدأت القصة بأكملها. من. جديد! مجدداً! أدرك رايان، وهو يتردّى على ركبتيه: "لا يمكنني الموت بالشيخوخة". وأضاف: "أنا... أنا خالد. أنا خالد". ولن... ولن ينتهي الأمر أبداً. لن ينتهي، لن ينتهي أبداً. سيُعيد الكرّة دائماً، من جديد تماماً. إلى الأبد وإلى الأبد. ورغم أنه قد يمنع إيقاف الزمن، إلا أن موناكو لم تستطِع إلغاء نقطة الحفظ. حتى الشيخوخة لن تلغي نقطة حفظه. تمتم رايان لنفسه: "آه..." ثمّ ضحك: "آه..." انفجر رايان في ضحك عصبيّ، متمثّلاً فوق الحجر بالقرب من دراجته النارية. لم يعلم المدّة التي ضحك فيها، ولكن بحلول نهايتها، كانت الشمس قد توارت منذ زمن، وشعر بخدوش في حلقه. ثم استلقى مسافر الزمن على ظهره، ناظراً إلى النجوم في صمت لنصف ساعة. وأخيراً، حين نهض ونظر إلى النجوم، أدرك رايان أنه لا يشعر بشيء. لقد خاف الموت من قبل. هابه. خاف الألم، والفقد، والعدم الموجز بعد انطفاء الضوء. لم يكن الموت ممتعاً. لكن ذلك كان قبل. أما الآن؟ فلم يعد خائفاً. لم يعد الموت مؤلماً. بعد أن أدرك أن حتى الشيخوخة لن تطرحه أرضاً لوقت طويل، تبلّد شعور التائه تجاه كل ذلك. كان رايان رومانو محكوماً بالحياة. بأن يحمل تلك الصخرة إلى قمة التل، ويبدأ من جديد. تذكر كلمات سايمون، وأدرك أن العجوز ربما كان على حق. كان مسافر الزمن سيزيفاً يبعث من جديد، وكانت حياته عبثية. وبدلاً من الرعب... شعر رايان بإحساس عميق بالتحرر. تمتم مسافر الزمن لنفسه، ناظراً إلى موناكو في الأسفل: "أتعلم؟" وأردف: "لا أبالي بعد الآن". إن كان رايان محكوماً بالحياة، فلتكن إلى أقصى حدّ. لم يعد خائفاً من أي شيء، وكان يملك كل وقت العالم. كل الوقت ليرى كيف يمكن لكل شيء أن يتكشف، ليجرّب كل ما يستحقّ الفعل. كانت حياته لعبة لا تنتهي، والسماء هي الحدود. كان حراً في فعل أي شيء يريده. وفي هذه اللحظة، أراد رايان تحرير سايمون ومارتين وكلّ العالقين في هذا المكان الجهنميّ. لو كانت حياة مسافر الزمن لعبة فيديو، لكانت مهمته الأولى. الأولى من مهامّ كثيرة، لكنها بعيدة كل البعد عن الأخيرة. وبعد أن رأى النهاية السيئة، لن يرضى بأقل من النهاية المثالية. لقد احتضن رايان العبث، وتعلّم أن يحب الصخرة.