في العشرين من تشرين الثاني عام 2004، في مدينة الفاتيكان. قال له ملحد مرة إنه مع عدم إيمانه بالسيّد قط، إلا أن كنيسة سيستين جعلته يشكّ. كيف لأحد أن يشكّ في وجود السيّد في هذه القاعة؟ رأى الكاردينال أندرياس تورك الكثير من الخطاة يتوبون بدموع اللحظة التي يرفعون فيها رؤوسهم نحو السقف ليشهدوا عمل مايكل أنجلو المجيد. لا قلب لبشر يبقى بلا تأثر أمام هذا الكمال المعماري والبصري. تذكر أغلبهم جزء خلق آدم من اللوحات الجدارية، لكن مايكل أنجلو رسم قصصاً أKثر بكثير، وكلّ واحدة عجيبة بطريقتها. استطاع الكاردينال قضاء ساعات مذهولاً بهذه الوليمة السماوية للحواس، وكان منظر السائحين وهم يلتقطون صوراً لهذه الأعجوبة دون تقديرها يبكيه في داخله. لكن لم تكن هذه ساعات فتح متاحف الفاتيكان. وحدها خطوات رجل واحد ترددت في الكنيسة لتنضم إلى رئيسه مع دقّ الساعة منتصف الليل. حيّا المحقق أمبروزيو الكاردينال قائلاً: "الأب تورك"، مرتدياً ثياب الكنيسة الكاثوليكية الرومانية السوداء. كان أمبروزيو أكبر من أندرياس بأكثر من عشرين سنة، برأس بدأ يقرع ولحية ذهبية تتساقط أطرافها عند الحواف. ومع ذلك، لمعت عيناه الخضراوان بوقدة محرقة الساحرات ذاتها التي تدفئ قلب أندرياس. كان أندرياس تورك أحد أصغر الكيادينالاس سناً في الكنيسة الكاثوليكية بمرسوم من قداسة يوحنا بولس الثاني، ولم يبلغ الأربعين بعد. تساءل كثيرون عن تعيينه وفضيلته وإنجازاته. لم يكن له فعل عظيم يُذكر، وكان يحب الأمر هكذا. كان عمله يؤدى على أحسن وجه في الظلال. ماليوس ماليفيكاروم، جهاز الاستخبارات السري التابع للفاتيكان، لم يكن موجوداً حتى بالنسبة لمعظم أعضائه. كانت الكنيسة على حياد رسمي في الشؤون العالمية، ولا تعمل إلا عبر شبكة دبلوماسيتها الواسعة. كانت كذبة بالطبع. امتلكت الكنيسة الكاثوليكية أعداء كثر، واحتاجت السيوف الملتهبة بقدر ما احتجت ريش الكتابة. تمثل غرض ماليوس ماليفيكاروم في إبقاء قداسة البابا على واعية بكل الأخطار المهددة للإيمان الحقيقين ولدفع مصالح الكاثوليك حول العالم. حين انضم أندرياس إلى الخدمة، لم يكن سوى محقق، وهو أدنى رتبة في هذه الأخوية السرية. قضى الكاردينال المستقبلي معظم مسيرته وهو يقوض الطاعون الشيوعي الذي أصاب أوروبا الشرقية، وينعش نفوذ الكنيسة في مناطق الاتحاد السوفيتي المنهار. وحين أصبح في النهاية المحقق العام للمنظمة قبل سبع سنوات، عمل أندرياس تورك نيابة عن قداسة البابا للتحقق من نفوذ الجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط. ورغم أن يوحنا بولس الثاني كان على فراش الموت محاطاً بكاردينالات يتآمرون، عمل ماليوس ماليفيكاروم بلا كلل لتحقيق رغبة البابا في السلام الشامل. باختصار، اعتاد أندرياس تورك قتال الشر البشري. لكن الأهوال التي واجهوها هذه الأيام... كانت شيئاً آخر كلياً. شيئاً غير طبيعي. جلس الكاهنان على مقعد، وأعطى أمبروزيو رئيسه ملفاً من خمس وعشرين صفحة. كُتبت كلمتان فقط على الغلاف. حادثة ستانفورد. تجعدت حاجبا أندرياس بعمق مع كل سطر قرأه، وقطب الكاهن جبينه علانية حين بلغ الصورة الأولى. سأل تورك: "من غيرنا يعلم؟" أجاب الأب أمبروزيو، ويداه متشابكتان وعبوس متأمل على وجهه: "الأمريكيون وحدهم الآن. ونحن. لكن فيديو شق طريقه بالفعل إلى الإنترنت. إنها مسألة وقت فقط قبل أن يكتشف الأمر جهاز الاستخبارات البريطاني والروس أيضاً." جعل الإنترنت إخفاء الأسرار عن العالم أصعب من أي وقت مضى. تفاجأ الكاردينال بقدرة الأمريكيين على إبقاء شيء بهذه الضخامة طسماً، لكنه تساءل للمدى الذي سيصمدون فيه. استطاعوا إخفاء دمار قرية، لا وحشاً هائماً. أظهرت الصورة مسخاً مستقراً مباشرة من أعمق حفر الجحيم. وحش أبيض البشرة بلا وجه يرفع سيارة بسهولة كرسي. كانت الذراعان طويلتين على غير العادة، وتوهج ضوء مضيء حيث كان الوجه ليحس. بالنظر إلى فارق الطول مع الرجل الذي سحقه تحت قدمه، لابد أن طول الوحش بلغ ستة أمتار على أقل تقدير. أحاط به كفن من الضباب الأزرق مثل رياح دوامة. طوال حياته، لم يرَ أندرياس سوى يد البشري في العمل. لكن ذلك الشيء... ما عساه يكون سوى شيطان حقيقي من لحم ودم، كما وُصف في الكتب المقدسة؟ أعلن أندرياس بحزم: "هذا عمل الشيطان. شيطان." رد أمبروزيو بجهامة وبعث قشعريرة في عمود الكاردينال الفقري: "كان بشرياً يا أبتي. تابع القراءة." تصفح أندرياس محتوى التقرير، ملخصاً إياه بصوت عالٍ. ساعده ذلك على حفظ المعلومات. "ستانفورد في نيفادا، مئتان واثنان من السكان. في طريقها لتصبح مدينة أشباح بعد جفاف مناجم الحديد الخاصة بهم. نصفهم موتى أو مفقودون، والنصف الآخر في قبضة الحكومة." حدث الأمر في الرابع عشر من تشرين الثاني، قبل ستة أيام من وصول التقرير إلى الكاردينال. وفقاً للناجين، انفجر الوحش من العيادة المحلية في نحو السابعة والنصف مساءً وانطلق في هياج. مزق الوحش الرجال بأيدٍ عارية، وأدى تنفس الضباب الذي تلاه في أعقابه إلى تحول الناس إلى متوحشين. بحلول وقت تمكن الناجون فيه من الاتصال بالسلطات وفرضت الحكومة الحج الصحي على المنطقة، هرب الوحش إلى صحراء موهافي. جعل نقص التغطية بالإنترنت والهاتف استجابة الحكومة سريعة أمراً عسيراً، لكنه سهل التستر عليه لاحقاً. النمط نفسه دوماً. لاحظ الكاردينال: "وقعت الحوادث السابقة كلها في مناطق معزولة مماثلة." رد أمبروزيو: "لكن قط لم تكن لها عواقب مميتة كهذه. الوحش طليق هناك، ولم تلتقطه حكومة الولايات المتحدة بعد. لن يبقى مختفياً للأبد." "لا، لن يفعل." كان المسؤول يزداد جرأة وطيشاً. قلب أندرياس الصفحة حتى وجد صورة لرجل يبدو كبلطجي هزيل لدرجة جعلت الكاردينال يتساءل إن كان يعاني من سوء تغذيه. "جيمس بول؟" قال أمبروزيو: "عامل صيانة فقير مُعدم. كان موعده مع جرعة ثانية من لقاح الكزاز، بعدما تبين أن الأولى مجرد دواء وهمي. افترض بطبيب المدينة، جيسون هوبفيلد، استقباله في السابعة والنصف." أشار التقرير إلى العثور على جثة الطبيب في الحطام مبقورة من الذقن إلى العانة كسمكة. تابع أمبروزيو: "جاء اللقاحان من شركة خاصة تُدعى نيوه. أنت تعرف الأمريكيين، فهم لا يثقون برعايتهم الصحية أبداً. يظن البعض أن حكومتم تضع رقائق دقيقة فيهم، ولذا يبحثون عن مصادر بديلة." كانت الشريحة الدقيقة لتكون مصيراً ألطف من التحول إلى وحش. قدّم أندرياس صلاة لكل من الطبيب والمريض. "ما الذي نعرفه عن هذه الشركة؟" "القليل، إلا أن أثر الأوراق لا يودّي إلى شيء." أجز على أسنانه الكاردينال. "إذن هو طريق مسدود آخر؟" قال أمبروزيو بينما كان رئيسه يقلب صفحات التقرير: "ليس تماماً. التقط شريف المدينة صورة لموصل اللقاح. شيء ما في سلوكها أقلقه." هي. تلك المرأة مجدداً. وجد أندرياس صورتها سريعاً وقطب جبينه. كانت هي، شعر أسود قصير، وعيان زرقاوتان، وعادية للغاية، في الثلاثينيات من عمرها. ارتدت قبعة حين سلمت تلك الشحنة، لكنها كانت أوضح صورة لها عثر عليها ماليوس ماليفيكاروم حتى الآن. الرابع عشر من تشرين الثاني، الرابع عشر من تشرين الثاني... تسلل شكّ إلى عقل الكاردينال. سأل زميله الكاهن: "في أي ساعة التُقطت هذه الصورة؟ التوقيت العالمي المنسق؟" "في الواحدة صباحاً بالتوقيت العالمي، على ما أعتقد." أغلق تورك الملف وشدّ على فكيه. "رصدها المحقق سيلوس قرب مختبر غير قانوني في بلدة حدودية بأوزبكستان في الثانية صباحاً بالتوقيت العالمي، قبل أن ينقطع صوته." لم يستعيدوا الجثة بعد، ورغم أن الكاردينال صلى من أجل نجاة وكيله، إلا أنه أوعى من أن يتوقع ذلك. تحول المختبر إلى أنقاض محترقة حين وصلت التعزيزات، ولم يكن سيلوس موجوداً. سجّل أمبروزيو الكلمات وقطب جبينه. "أمتأكد أنها هي؟" "تطابق وصف سيلوس مع تلك الصورة." كان الوكيل يتعقب ذلك الفرد منذ عام، منذ رُصدت أثناء حادثة المرأة المحترقة في تاجيستان. "كيف يمكن امرأة التنقل بين طرفي الأرض في غضون ساعة؟" "أو أنها كانت في مكانين في آن واحد." من كانت تلك المرأة؟ ما كانت تلك المرأة؟ نوع من الساحرات أم الشياطين؟ "أاستخدمت برنامج التعرف على الوجه الخاص بنا على الصورة؟" أجاب أمبروزيو: "نعل، وخرج باسم." رغم أن معظم الكهنة كانوا أكبر سناً من استيعاب التكنولوجيا الجديدة، استثمر ماليوس ماليفيكاروم بكثافة فيها للحفاظ على ميزة دائماً. "مقترناً بالرسومات السابقة، توصل البرنامج إلى اسم: إيفا فابر." إيفا فابر، إيفا فابر... بدا الاسم مألوفاً. لحسن الحظ، امتلك أندرياس ذاكرة خارقة، وتذكر سريعاً مصدره. قال: "ملفات جييبان الفرنسية. انتحار جماعي في القطب الجنوبي عام 1992." احتفظ الفرنسيون بأرشيف ليس بسري تماماً حول مشاهدات الأجسام الطائرة المجهولة، وسمع أندرياس شائعات عن نيتهم إعلات بعض الملفات للعامة... لكن ليس شيئاً من تلك المثيرة للاهتمام حقاً بالطبع. ربما انفصلت فرنسا عن الكنيسة الكاثوليكية قبل قرن، لكن الإيمان ظل له أصدقاء في مواقع رفيعة. شارك جنرال فرنسي ماليوس ماليفيكاروم نسخة من ملفات جييبان، وكان بعضها مزعجاً للغاية. تماماً كعديد من دول العالم، احتفظ الفرنسيون بوجود في القطب الجنوبي. كانت لديهم محطة أبحاث رسمية هناك تدرس البطاريق... لكن تورك علم يقيناً أن لفرنسا ذات يوم مختبراً ثانياً سرياً أعمق في الداخل يُدعى محطة أورفيون. سرّي، لأن المحطة خُصصت لدراسة الأسلحة البكتيرية بعيداً عن الحضارة. كانت إيفا فابر عالمة الوراثة الرئيسية في القاعدة. همس أندرياس: "في ليلة الثاني عشر من كانون الأول عام 1992، تواصلت محطة أورفيون مع وزارة الدفاع الفرنسية لإبلاغها بحدث غريب. رأى العلماء وميض ضوء أرجواني في السماوات، ثم جسماً مجهول الهوية يتحطم في نهر جليدي قريب. فقدت السلطات الفرنسية الاتصال بالمحطة بعد يومين. حين بلغ الجنود الفرنسيون المحطة للتحقيق، وجدوا اثنين وعشرين من أصل ثلاثة وعشرين باحثاً موتى." هربت بكتيريا تجريبية مميتة وأصابت الطاقم. ظن الجنود أنه حادث، إلى أن فحصوا أجهزة الراديو ووجدوه مخرباً. ورغم حساب جثث جميع الباحثين تقريباً، لم تُعثر على جثة إيفا فابر أبداً. تستر الحكومة الفرنسية بهدوء على الحادث، وبعد خمس سنوات من البحث عن العالمة المفقودة، أغلقت الملف. ظنوا أن إيفا فابر تسببت في تفشي المرض قبل أن تقتل نفسها. العزلة تجنّ الرجال والنساء جنوناً. ولم يجد المحققون أي أثر لتصادم نيزكي، ولا حتى عبر المراقبة بالأقمار الصناعية. انضم الحدث إلى الحكايات الغريبة الأخرى لملفاتي جييبان، ونُسي. بحث أمبروزيو داخل ثوبه عن صورة ناوله إياها. رفع تورك حاجبه قبل أن يقارنها بلقطة الشريف. لم تقتصر قدرة إيفا فابر على الانتقال الآني فحسب، بل إنها لم تقدم في السن طوال نحو اثني عشر عاماً أيضاً. لسبب ما، لم يفاجأ الكاردينال حتى. سأل أندرياس بعد وضع الصور كلها داخل الملف وإغلاقه: "إلى أي مدى برد؟ أتعني أثر نيوه؟" شرح أمبروزيو: "لم يجد الأمريكيون أحداً يعمل لدى هذه الشركة، لكن مخبريّ حظوا بحظ أوفى مع المركبة المستخدمة في التوصيل. جرى شراؤها عبر شركة واجهة أمريكية مملوكة لبنك سويسري." غالباً المصرف نفسه الذي موّل المختبر غير القانوني في أوزبكستان. أمر أندرياس: "جد أحداً واجعله يتحدث. تتصاعد هذه الحوادث في شدتها، مما يعني أنها تبدأ لشيء ما." "أبلغني معرّف بأن أحد إداريي البنك قد يكون... منفتحاً على التعاون مع تحقيق الكنيسة." "في سبيل روحه؟" "في سبيل حسابه المصرفي." في عصر الجشع هذا، حكم مامون مطلقاً. سأل الكاردينال وقطب جبينه بعمق حين أخبره وكيله بالمبلغ: "هذا ثمن باهظ. حتى يهوذا لم يطلب سوى ثلاثين قطعة معدنية فضية." "الخائنون أغلى ثمناً من أي وقت مضى يا أبتي تورك. العرض والطلب." "سأضطر لطلب مساعدته إذن." لحسن الحظ، كان الموعد التالي. "سأحول المال إلى الحساب المعتاد. لا تفشل." أخذ أمبروزيو نفساً عميقاً. "إن سمحت لي، أيها المحقق العام... عَمَّ نحقق؟" اعترف الكاردينال: "لا أعلم، وهذا ما أخافه. الشيوعيون، الإرهابيون، هم بشر في النهاية. لكن تلك المرأة، وهذه المسوخ... فهي شيء آخر." "أتظن الوقت ينفد؟" سأل الكاردينال: "كيف لك أن تشك في ذلك الآن؟ إن وصلت هذه اللقطة إلينا، فهذا يعني أنها لم تعد تختبئ. سيهلك قداسة البابا قريباً، وحينها سيكون وقت أزمة. يجب على الكنيسة التحرك الآن قبل فوات الأوان." صلّى أمبروزيو: "ليكن السيّد معنا"، قبل أن ينصرف ويترك الكاردينال وحده في الكنيسة. تجولت عيناها أندرياس نحو السقف، إلى منظر يد السيّد وهي تصل إلى الرجل الأول. تأمل كيف تطورت الأحداث إلى اليوم بلا توقف. سلسلة اختفاءات في أوائل عام 2002، كلها في نصف الكرة الجنوبي. البرازيل، جنوب إفريقيا، أستراليا، تنزانيا... اختفى المئات بلا أثر دون ما يربط بينهم. لا شيء، سوى حقيقة وقوعهم في مناطق معزولة، ورصد المرأة نفسها في ثلاث من الحالات. ثم بدأ الناس يختفون في نصف الكرة الشمالي أيضاً. 2003. اشتعلت امرأة ذاتياً في تاجيستان فقتلت أربعة عشر. اكتُشف مختبر في سيبيريا، ووجدت داخله موضوعات اختبار بشرية. امتلك بعضهم أعضاء أو أطرافاً إضافية، وكلهم كانوا أشخاصاً مفقودين من العام الماضي. التُقط مقطع لشيء متحرشف قادر على التواري في يوتا. أما 2004... فقد أطلق رجل النار على مجرم حرب صربي في بيته، لتعلم السلطات بعدها أن القتل كان مكوناً من براغي وأسلاك. عانت سراييفو من زلازل غير مفسرة، وأقسم أشخاص سماعهم تروساً تتحرك تحت الأرض. والآن هذا؟ بدأ أندرياس تورك يرى أخيراً الصورة الأكبر، النمط الذي يجمع هذه الأحداث كلها في سردية متماسكة. انقر بفكره حين سمع كلمة "لقاح". اختبارات. كانت إيفا فابر تختبر شيئاً على البشر، محولة إياهم إلى مسوخ. كان هذا التفسير الوحيد الذي يمنح معنى لأندرياس تورك، رغم عماه عن إدراك أي علم أو سحر جعلا ذلك ممكناً. أياً كانت الحال، كانت تلك المرأة الشريرة تهديداً للنظام الطبيعي للعالم، وتوجب التخلص منها. سيجد أندرياس تورك إيفا فابر قبل أن تحصد مزيداً من الضحايا. سيستمع إلى حكايتها، ويدعها تعترف بخطاياها لتنال المغفرة من السيّد. ثم يحرقها كساحة. أبعد أندرياس نظره عن السقف حين سمع خطوات جديدة. كانت خطوات أمبروزيو هادئة حذرة؛ وكانت هذه ثابتة، ثقيلة بالقوة والغرض. كان الرجل الذي مشى في الكنيسة في منتصف خمسينياته، مخضرماً في نصف دزينة من حروب العصابات، وعملاقاً في بدلة حمراء مشتراة بمال المخدرات. كاد الكاردينال يسمع الدم يقطر من يديه، رغم بدوهما نظيفتين. لم تخفِ عيناه الباردتان عديمتا القلب شيئاً. لا يمكن لأحد رؤية هذا الرجل دون الشك للحظة في طبيعته الحقيقية. قال الكاردينال: "يانوس." أجاب الرجل بلمحة تشبه سمكة قرش في عينيه: "أندرياس. تبدو قلقاً." "أنا كذلك. نعيش في أوقات غريبة خطرة." دعا الكاردينال زعيم العصابة للجلوس، لكنه رفض. "المقعد دافئ." ردّ زعيم العصابة: "أفضل أن نلتقي في معرض الفن الكلاسيكي." على عكس أي روح عاقلة، لم يكلف نفسه حتى عناء النظر إلى السقف. كان يانوس أوغوستي رجلاً بلا إه، لكنه خدم السيّد مع ذلك. سأل يانوس ناظراً إلى الكاهن الجالس: "ما الذي يدور في ذهنك يا صديقي؟" رغم اهتزاز كثير من الرجال رعباً بحضور هذا الرجل، بقي أندرياس هادئاً. "أفترض أن الأمر لابد عاجل لتنظيم هذا الاجتماع متأخراً هكذا." "سأدخل في صلب الموضوع." أخذ الكاردينال نفساً عميقاً، آملًا ألا يلجأ إلى هذا. "أحتاج إلى ملايين." "ستحصل على أموالك. إن نظفتها." بالطبع. غسل بعض المسؤولين في بنك الفاتيكان مال المافيا لملء جيوبهم، لكن أندرياس تورك فعل ذلك لغاية أسمى. احتاج ماليوس ماليفيكاروم إلى ميزانية سوداء مستقلة عن مال المدينة المقدسة للحفاظ على إنكار معقول. كانت وظيفة قذرة، لكن كل شيء يُغفر إن فُعل في خدمة السيّد. لكن يانوس لم يكن عضواً في ماليوس ماليفيكاروم، وكلما قل ما يعرفه عن أنشطة الفاتيكان السرية كان أفضل. استطاع أندرياس قول إنه إن سمح لهذا الرجل بغرز مخالبه في المنظمة، فسيفسدها كما فعل مع كثيرين غيرهم. كان نفوذه على كامورا نابولي لا يُبارى تقريباً، ومن سماع أندرياس، نوى التوسع. لم يقدر أحد على مقاومته طويلاً. لسوء الحظ، شم يانوس أوغوستي الضعف مثل قرش يكتشف الدم من أميال. قال وهو يفحص الكاهن بريبة: "لا بد أن الموضع وخيم لتطلب الكثير هكذا. إن احتجت حمايتي، فما عليك سوى الطلب." "السيّد يحميني." "لن يحميك مني إن أردت إيذاءك." تباهٍ تجديفي، لكن الرجل لم يكن هين الشأن. فقد ملأ مقابر بأكملها، مثبتاً إمبراطورية خطيئته بالدم والدموع. "لكني صادق. أنت شبه صديق الآن، وأنا بحاجة إلى رجال بمواهبك." أجاب الكاردينال: "قد أخدم كمعرف لزوجتك، لكنك شر لا بد منه فيما يخصني يا يانوس. فلنبقِ الأمر هكذا." ضحك زعيم العصابة. "شر لا بد منه كما تقول؟ أظن الأمر ملائماً. أنا أفصل المستحقين عن غير المستحقين. لن يحتاج الرجال الطيبون الأقوياء حقاً إلى خدماتي." لم يفت أندرياس الاستفزاز غير الخفي. "أتظنني الشرير أم الضعيف؟" "لا خير ولا شر يا أندرياس، لكني أتساءل عما سيظنه باباك عند رؤيتنا معاً. أشك في موافقته على عملك." رد الكاردينال، رغم اهتزاز عزيمته قليلاً: "ما لا يعلمه قداسة البابا لا يضره. أقوم بالعمل القذر اللازم لإبقاء يديه نظيفتين. لأجل الصلاح الأعظم." من الواضح أن يانوس لم يصدقه، إن دلت نظرة التسلية على وجهه. قال: "لا بأس. طالما نظفت الدم عن مال عائلتي لأتمكن من دفع ثمن أعياد ميلاد ابنتي، فسأدعك تتمسك بأوهامك." تجاهل أندرياس الاستفزاز وبقي وقوراً. "كيف حال الصغيرة ليفيا؟" لان وجه زعيم العصابة. "طلبت مني مهراً." لم يستطع الكاردينال إلا الابتسام. "هي حكيمة أكثر من سنها، لكنها طفلة في النهاية في ذات الوقت." "تقول زوجتي إني أفسدها تماماً. ماذا تراني فاعلاً يا أبتي؟ أخطيع هو إدلال طفلة؟" "لا يمكنني القول. لم أنجب واحداً قط." بحث يانوس داخل بدلته. "على ذكر الهدايا، لدي واحدة لك." رمى كيساً صغيراً مليئاً ببلورات ملونة على الكاهن الذي التقطه بغريزته وقطب جبينه باشمئزاز فوراً. "ما هذا؟" أجاب زعيم العصابة بابتسامة: "منتجنا الجديد. سمعت أنك مهتم... بتجارب تفتح العقول." انتفض أندرياس، وظهرت ابتسامة عند حافة شفتي يانوس. استخدمت ثقافات كثيرة مخدرات محاولة الاتصال بعوالم الوجود العليا، وتساءل الكاردينال إن كانوا قد تعثروا في شيء ما ربما. لم يجرؤ قط على اختبار نظريته على نفسه، لكونه خطيئة، لكنه لم يستطع قمع فضوله. لكن كيف عرف أوغوستي؟ أكان يضع الكاردينال تحت المراقبة؟ قال أندرياس: "خذها معك." كانت لعبة قوة من نوع ما. "لا أستحتاجها." "أهكذا؟ إذن يمكنك رميها في أقرب سلة مهملات ببساطة. إن كنت الرجل الصالح الذي تحسب نفسك إياه، ستفعل." اتسعت ابتسامته الساخرة. "لكن إن كنت محقاً بشأن طبيعتك الحقيقية... فحين تكون مستعداً لقبول طبيعتك الحقيقية، سأرحب بك بذراعين مفتوحتين." مشى أوغوستي مبتعداً تاركاً أندرياس وحده مع سمه.
السابع والعشرون من آذار عام خمسة وألفين. عيد الفصح الأخير. كانا داخل الفاتيكان، يبحثان عنه. كان يسمعهما خلف أبواب المصلى التي سدّها أندرياس بالمقاعد. سيخترقان الباب، وهو يعلم ذلك. لم يستطع أيّ من وكلائه الإفلات منهما طويلاً، وقد تركا الكاردينال للنهاية. لقد فشل، واصيب العالم بالجنون. لم يكن العالم يعلم بعد، لكن أعمدة حديدية قد برزت من تحت سراييفو ونصف دزينة من المدن الأخرى في البلقان، نافثة بشراً معدنيّين وطائرات مسيّرة. ووحوشاً بشرية أخرى أطلقتها في البريّة. النماذج الأولية، خُضّاع الاختبار الأوائل، أولئك الذين احتفظوا بوعيهم. كان قداسة الحبر الاعظم قد مات لأسباب طبيعية. استدعاه السيّد برأفة ليقيه الأهوال القادمة. والأب أمبروسيو هلك هو الآخر، لكنّ هلاكه كان أقلّ رحمة. جعلت إيفا فابر ترامى الرصاص عليه، إلى جانب مخبره السويسري. لكنّه قبل أن يموت، كان قد أرسل إلى أندرياس ما يكفي من المعلومات لبدء استيعاب الأمر برمّته. غير أنّّه لم يتخيّل قطّ. لم يستطع تخيّل مدى عمق الأمر. وهكذا بدأوا يلاحقونه. لقد محوا منظومة ماليوس ماليفيكاروم في أيام، قبل أن تستطيع الكنيسة وقف توزيعها العالمي. كانوا يعلمون. كانوا يعلمون طوال الوقت ولم يعبؤوا. حتى قبل ستة أشهر، كان أندرياس تورك متأخراً جداً بالفعل. الآن، أدرك الكاردينال سبب عجزه الدائم عن العثور على خيط. إنها منظمة، نعم، لكنها منظمة من فرد واحد. إنهم كثرة، لأنهم عديدون. الآخرون لم يكونوا سوى أدوات طيّعة، ومغفلين، ووسائل تمدّها بالمال والعدّة، دون أن يثق بها أحد أو يعلم شيئاً. لقد استأجرت مئات الشركات للقيام بالتوصيلات، ودون أن يدرك أيّ منها أنه يحمل سُمّاً معبأً لملايين البشر حول العالم. لقد حاول تحذير الآخرين، لكنها كانت في كل مكان، تقف في طريقه دوماً. تعترض رسائله، وتجعله يخاف على حياته. وكل من بثّه سرّه كان يختفي دون أثر. لم تعد بشرية. هل كانت كذلك يوماً؟ كان عليه الذهاب إلى أوغسطس. بدا كل شيء منطقيّاً الآن. من أفضل من شيطان في جلد بشر لدرء الشعوذة؟ امتدت يده نحو السلاح القابع تحت ردائه الأسود، وصوّبه نحو الباب المسدود. توقف الضجيج في الجانب الآخر. أسمعوه؟ أكانوا يعلمون؟ رأى أندرياس تورك وميض ضوء أزرق خلفه، فاستدار مذعوراً. كان هناك العشرات منهن في المصلى. نساء ببدلات زرقاء يحملن أسلحة غريبة تبدو كبنادق صُنعت من لحم ومعدن معاً. كنّ جميعهنّ هي، لكنّهنّ لسْن متطابقات تماماً. امتلك بعضهنّ عيوناً بألوان مختلفة، وأخريات تسريحات شعر مغايرة. كانت هي، لكن بعدد لا يحصى من النسخ. "إيفا فابر." حاول أندرياس تورك إخفاء الخوف في نبرته، لكنه لم ينجح تماماً. ابتسمن جميعهنّ، لكن واحدة منهن فقط تحدثت. قالت بصوت مخاتل في عيديّته: "كان ذلك اسمي ذات يوم، لكني أعرف اليوم بالخيميائية". سماهنّ يحطمن الباب المسدود ويحيطون به. أجاب الكاهن، محاولاً إبعاد الحشد بتهديدهم بسلاحه: "كان اسم الشيطان أليق بك". لكنّهم كانوا العشرات، ربما مئة، ولم يكن بحوزته سوى خمس رطلات. قالت إيفا أخرى وبصمات حروق على الجانب الأيسر من وجهها: "كنتُ بشرية مثلك ذات يوم، لكنك واضع يدك على شيء ما. ثمة شياطين هناك يا أبتاه. لكنها ليست تحت أقدامنا". نظرت بعضهن إلى السقف. "إنها فوق رؤوسنا، في ظلام الفضاء القاحل". أضافت إيفا أخرى وبصمات حروق على الجانب الأيسر من وجهها: "في يوم ما سيأتون لأجلنا. في عوالم أخرى، فعلوا ذلك بالفعل". عوالم أخرى؟ ما هذا الجنون؟ حذّر أندرياس وإصبعه تكاد تضغط على الزناد: "ابقين في الخلف! ابقين في الخلف!". لكن الدائرة ضاقت. قالت واحدة من النساء الماكرات، وهي قريبة لدرجة أنه كاد يستنشق أنفاسها: "لكي تحتل البشرية مكانتها الصحيحة كعرق سيّد عالمي، عليها أن تتطور. أن تتجاوز نظرية الانتخاب الطبيعي، وتدخل رحاب التصميم الذكي". أضافت إيفا فابر أخرى بصوت ذكوري: "تصميمنا". ضغط تورك على الزناد، فأردى إحداهنّ قتيلة برصاصة في الرأس. انهارت إلى جزيئات زرقاء، كأنها لم تكن يوماً. هجم البخريات عليه فوراً إثر ذلك. تخبط وأطلق النار وغضب، لكنّهم طرحوه أرضاً في النهاية وجردوه من سلاحه. فتشوا رداءه بحثاً عن أسلحة مخبأة، ولم يعثروا سوى على الدواء الذي أعطاه إياه أوغسطس قبل أشهر. سألت إيفا فابر وهنّ يفحصن المادة، دون أن يدري أيّتهن كانت: "ما هذا؟ أهذا دواء مخدّر؟". لقد... لقد احتفظ بالمادة نعم، لكن لدراستها فقط. ليس لاستخدامها على نفسه، لا. شرعت النساء الماكرات في التجادل. "أحاولنا ذلك خلال عملية التلاحم؟" "لا أظن ذلك". "كان يجب أن نفعل". "لا زال بإمكاننا. ستكون النتائج مثيرة للاهتمام". شرع أندرياس تورك يفكر محموماً في سبيل للخلاص. لمَ لم يقتلوه بعد، مثل البقية؟ لمَ أبقوه حيّاً عوضاً عن شقّ حنجرته؟ لكنهنّ أبرزن المحقن الأزرق عندئذ، فأدرك الأمر. توسط أندرياس مترجياً وصوته يخبو في حلقه: "لا. أرجوكم. اقتلوني فحسب. لا تجعلوني... لا تجعلوني واحداً من تلك الأشياء...". قالت إيفا وهي تحشر دواء أوغسطس عنوة في فمه: "هذه بركة". طعم كالملح والفطر والمواد الكيميائية. أضافت أخرى وهي تشمر عن ساعده: "مكافأة على إصرارك". قالت ثالثة وهي تطعنه بالمحقن: "كان حريّاً بنا أن ندفنك مع أسرارك. لكن قتلَك سيكون إهداراً". أعلنت رابعة: "سيتحطم عقلك. لكنك ستعيش". تحول العالم إلى اللون الأزرق مع تسلل الإكسير الأزرق إلى عروقه، وأطلق أندرياس تورك صرخة. كان عقله يشتعل. تفاعل الدواء والمادة الزرقاء في جسده معاً، وانهار الواقع من حوله. التوى سقف المصلى كدوامة لازوردية، وتهاوت الأشكال. رقصت الألوان على حافة عينيه، وشرعت صور الملائكة تُهمس له. هلاوس. كانت هذه هلاوس، لا أكثر. حلماً. لكن... أحس بشيء آخر. بشيء مختلف، بشيء... بشيء يتلوى داخل دماغه وخلايا عصبه. سرى سُمّ الخيميائية عبر أعصابه، ليعديه كالطاعون. بدا جسده كله وكأنه اشتعل ناراً، وسُلخ جلده لكشف اللحم الخام تحته. كان الألم مبرحاً، يبعث على الجنون! صرخ: "أرجوكم!"، فأجابه هجاء الملائكة بجوقة صارخة: "أوقفوا هذا!". وشيء ما استجاب. غادرت روحه لحمه الجاثي، وتحرر عقله من قيود الجسد. سُحبت روحه الخالدة إلى دوامة زرقاء عظيمة، إلى مكان يختلف عن كل ما رآه قط. لم يكن يرى بعينين، لا، بل... بل امتلات عقله بالصور. زال الألم، ليحلّ مكانه خدر أثيري. لقد غدا فكرة، وعياً صاعداً يلج عالماً أزرق ساطعاً. مملكة من أرقام وحروف، أرشيف منظم للروائح والأطياب والأصوات. كتب بلا صفحات، ومحركات أفكار شاردة. عالم عقلي بلا لحم أو دم، حيث لا تعود العقول مقيدة بحدود التخزين للخلايا العصبية. كان لهذا البعد الغريب قوة جبارة في مركزه، تحكم من عرش من المعلومات. عجز عقل أندرياس المتجرد عن إدراك كنهها. كانت ضخمة للغاية، وكبيرة، ومعقدة. تتوحد الأشكال الهندسية والمعادلات والجمل المتدفقَة لتشكل كلاً واحداً مقدساً. سأل الكاردينال، ورغم أنه بلا فم يتكلم به، خرجت الكلمات مع ذلك: "أسيّدي؟". لا. لقد كان ملكاً، لكنه ليس سيّد الأسفار المقدسة. لم يكن ذكراً ولا أنثى. لم يخلق الإنسان على صورته، فلا شيء بشريّ فيه. لقد كان فكرة واعية، عَقْلاً مقدساً بلا جسد، ومعرفة بلا وعاء. كائناً أزرق خالصاً، وقوة نفسية كونية. كل معلومات الكون، مركزة في نقطة تفرّد. لاحظ الكيان أندرياس. ودرسه. صرخ أندرياس، حين مزق الكيان عقله ففتحه بفكرة شاردة. حطم دماغ الكاردينال إلى مليون فكرة دقيقة، وقلّب ذكريات الرجل كطفل يقلّب كتاباً. لم يكن هناك ألم، لكن لا راحة أيضاً. ذلك أن هذا الكائن، المتحد الأعظم، لا يشعر بحبّ ولا بغض. سوى الفضول. فكك أندرياس تورك وصولاً إلى جزيئاته، ليتبيّن كيف يعمل. لمَ يحتاج قلباً؟ لمَ الدماغ؟ كيف تتناغم الأجزاء؟ ممّ يخاف أندرياس؟ لمَ يفضل التفاح على الجبن؟ لمَ يعيش؟ ما المنطق الكامن خلف ذلك؟ لماذا، كيف، ماذا؟ طرح كل الأسئلة، وتلقى كل الإجابات. سجّل الكيان كل فكرة عبرت ذهن الكاردينال، وكل شعور أحسّ به قط. جرّد وجوده إلى جذوره، ليفهم كيف يأتلف كل ذلك معاً. لم يدر أندرياس تورك كم استغرق الأمر، ربما قروناً أو دقائق، لكن المتحد الأعظم فهمه في النهاية أكثر مما فهم الإنسان نفسه. وحينها، ركّب المتحد الأعظم عقل أندرياس معاً. لكن عوضاً عن حشره ثانية في دماغ الإنسان الصغير، شارك المتحد الأعظم بالمقابل. كُشفت للكاتب أسرار النجوم والمبادئ الكونية. وتلقى إجابات عن أسئلته بشأن أصل الإنسان وغايته. علّمه الكيان التاريخ الحقيقي للقديسين والأنبياء الذين عبد طوال حياته. وحين وجد أن الكاهن يبتغي المزيد، علّمه الرياضيات وعلم النبات والكيمياء. انطبعت المعرفة في خلايا عصبية الكاردينال كحروف متوهجة. ما من كلمة تصف تلك التجربة. كانت متعة لا توصف، وجدداً. تداخل عقل أندرياس البشري الصغير الضعيف لفترة وجيزة مع الوعي السماوي للكيان الأسمى، ليستدفئ بمعرفته بلا حدود. للحظة، شعر الإنسان بالكمال، بالكمال الحق، مجرداً من كل شكوكه ومخاوفه. صار واحداً مع شيء أعظم منه، متلاشياً إحساسه بذاته كقطرة في محيط. هذا... كانت هذه هي الجنة. كان هذا هو الملك. كان هذا هو الكيان الذي طمَح أندرياس لخدمته طوال حياته. كانت تلك هي الحياة الآخرة التي ابتغى، أن يندمج عقله في هذا الوعي السماوي، ليغدو عصبة جديدة في دماغ بحجم الكون. ثم انتهى الأمر، بالغت الفجائية التي بدأ بها. انهار الاتصال العقلي مع المتحد الأعظم. وأُلقي بدماغه إلى الأرض، عائداً إلى دماغه المحدود، عائداً إلى لحمه، عائداً إلى هذا السجن. طُرد من عدن، ليحل محل نعيم الكمال إحساس بارد بأرضية المصلى. لم يدر أندرياس كم بقِي ملقى على الأرض، محطماً مدمراً. شعُ بالخدر. شعر بالخدر من الداخل. كان يتنفس، لكنه بدا ميتاً. كانت إيفا فابر قد ولّت منذ أمد، لكنه ما كان ليحفل حتى لو بقيت خلفها. تجولت عيناه في سقف كنيسة سيستين، فلم يَعُد يرى سوى العيوب البشرية الآن. الأخطاء الطفيفة، شبه المخفية في التصميم، والزلات، والقبح. بدا عمل ميكيلانجيلو الآن فجّاً ومبعثراً كرَوْث الخيل. تذوق أندرياس تورك طعم الجنة، وبات يرى الأرض مقيتة الآن. نهض واقفاً على قدميه، وسلاحه ملقى على الأرض بجوار حقيبة الدواء الفارغة. "لا!". التقطت أصابعه الوعاء فوراً، وطفق لسانه يلعق البلاستيك بحثاً عن أثر، مجرد أثر للفردوس. "أرجعوني! أرجعوني!". مزّق الحقيبة الفارغة في يأسه، وخدش جمجمته بأصابعه. وأحسّ عقله يكافح ضد هذا السجن المصنوع من عظم، محاولاً الهرب، محاولاً الصعود، محاولاً العودة. وفي النهاية، أحسّ بالدم يقطر على أظافره. تنفس بعمق، يأساً وإعياءً. كان عقله صافياً كالماء، مستبداً به هدف واحد لا غير. لم تعد أفكاره متشرذمة، تتجاذبه في كل اتجاه. الآن، لم يعد بإمكانه التفكير سوى في أمر واحد. العودة. تعثر أندرياس تورك خارج المصلى، بعينين لا ترمشان، وحواس تعاني وطأة الكون المبعثر من حوله. كان الفاتيكان، المدينة المقدسة، يرتجف ويتقوض. لكنه لم يعبأ. لم يعد يأبه للكنيسة، أو لعالم المعاناة، أو لإيفا فابر. كان عليه العودة إلى العالم الأزرق، عائداً إلى ملكه الجديد، عائداً إلى تلك الحياة الآخرة المفعمة بالنعيم. مشى إلى الخارج، نحو حدائق الفاتيكان، ونظر إلى روما. كان الوقت ليلاً، رغم عجزه عن تبيّن ما إذا كان السابع والعشرين من آذار لا يزال قائماً، أم ليلة أخرى. أياً ما يكن الأمر، فقد تبيّن له أن خططة الخيميائية قد سارت على ما يرام دون شائبة. وحيثما حلّ بصره، رأى الدلائل. ألسنة لهب تنتشر من بازيليك القديس بطرس؛ فطر عملاق ينمو من الحي التاريخي القديم؛ صواريخ باليستية عابرة للقارات تحلق في السماء شمالاً، نحو البلقان وسراييفو. كان العالم القديم يشتعِل، وعالم جديد سينبعث من الرماد. وما كان أندرياس تورك ليحفل بأقل القليل.